دفاعًا عن البحث العربي في الجامعة

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

في الأيام القليلة الماضية أصدرت جامعة السلطان قابوس تعميمًا لعمداء الكليات بشأن المادة 20 من لائحة الترقيات الأكاديمية فيها، وهي مادة تتعلق بالمجلات العربية غير المصنفة في قاعدة بيانات سكوبس أو ما يعادلها. ووفقًا لهذه المادة فإن رئيس الجامعة يصدر، بناءً على مقترح من عمادة البحث العلمي وتوصية المجلس الأكاديمي، قائمة بالمجلات العربية التي يمكن قبول البحوث المنشورة فيها لأغراض الترقية، على أن يكون هذا القبول مؤقتًا ومتدرجًا: اعتراف كامل خلال أول سنتين أكاديميتين من اعتماد اللائحة، ثم اعتراف جزئي بنسبة 50% في السنة الثالثة، قبل أن ينتهي الأمر، بدءًا من السنة الرابعة، إلى عدم الاعتداد إلا بالبحوث المنشورة في مجلات مصنفة في سكوبس أو ما يعادلها، فإذا ما تذكّرنا محدودية حضور المجلات العربية في قواعد التصنيف العالمية، أدركنا فداحة وخطورة هذا القرار.

سيقول قائل إنه إجراء تنظيمي طبيعي هدفه رفع جودة النشر العلمي وضبط مسارات الترقية، ورغم أن هذا الأمر صحيح (في الجانب الظاهر على الأقل) إلا أنه في حقيقة الأمر يثير تخوفات كبيرة ومفهومة حول موقع البحث العربي داخل الجامعة، فهو يعني أنه في غضون سنوات قليلة يجب أن يتوقف أساتذة الجامعة عن نشر بحوث باللغة العربية!! والسؤال الذي تنقدح ناره بقوة في هذه الحالة: هل ينبغي أن يتحول التصنيف في قاعدة بيانات عالمية إلى معيار شبه وحيد للحكم على قيمة الجهد العلمي، خصوصًا في التخصصات الإنسانية واللغوية والاجتماعية؟ وهل يصبح البحث المكتوب بالعربية، لمجرد أنه خارج سكوبس، أقل قيمة أو أضعف أثرًا أو أدنى جدارة بالاعتراف الأكاديمي؟

أظن أن الإجابة عن تلك الأسئلة لا تحتاج إلى كثير عناء. فحين تُمنح المجلاتُ العربية غير المصنفة في سكوبس مهلة انتقالية قصيرة قبل أن تفقد قيمتها في مسار الترقية، فإن الرسالة التي تصل إلى الباحثين واضحة: اكتبوا حيث تعترف قواعد البيانات العالمية، لا حيث تقتضي الحاجة العلمية أو الثقافية أو الوطنية. وهذا التحول، وإن بدا منسجمًا مع رغبة الجامعات في تحسين حضورها في التصنيفات الدولية، فإنه قد يقود عمليًّا إلى إعادة توجيه البوصلة البحثية للأساتذة، بحيث يصبح السؤال الأول لدى أي باحث: أين يمكن أن أنشر دراستي بما يخدم ترقيتي؟ وليس سؤال: ما البحث الحقيقي الذي يستحق أن أشتغل عليه؟ وما القضية التي يحتاجها مجتمعي وجامعتي وحقلي العلمي؟ ولا أذيع سرًّا إذا قلتُ إن بعض أقسام الجامعة التي تدرّس بالعربية بدأت بالفعل الإجابة عن هذين السؤالين بطريقتها، وهي إجابة سلبية للأسف. فمن باب التحايل للنشر في سكوبس يعمد باحث أو اثنان إلى كتابة البحث باللغة العربية أولًا، ثم يُرسِلانه لشركة أجنبية متخصصة في تحرير البحوث باللغة الإنجليزية لتناسب مجلات سكوبس. وعند قبول البحث يبدأ هذا الباحث (أو ذانك الباحثان) مرحلة البحث عن أسماء إضافيّة تُدرَج في قائمة المؤلفين مقابل المساهمة في تكاليف التحرير والنشر، التي قد تتجاوز ألفي دولار. فيحمل البحث الواحد ثمانية أو تسعة أو عشرة أسماء رغم أنه من إنجاز باحثَيْن فقط! فهل هذه هو المسار الأخلاقي الذي تُريد الجامعة دفع أساتذتها إليه؟!

لا بد من التوضيح هنا أن "سكوبس" (وما يعادله) معيار مهمّ لتقييم جودة البحث العلمي، لكنه في الوقت نفسه ليس بالمعيار الكافي الذي يُغْني عن سواه، فالتصنيف في سكوبس أو غيره قد يكون مؤشرًا على انتظام المجلة ووضوح إجراءاتها وحضورها في شبكة النشر العالمي، لكنه ليس وحده دليلًا نهائيًّا على جودة البحث ولا على أثره العلمي. كما أن غياب مجلة عربية عن سكوبس لا يعني بالضرورة ضعفها أو انعدام قيمتها؛ فقد تكون مجلة محكّمة، رصينة، ذات تاريخ في تخصصها، يكتب فيها كبار الباحثين، وتؤثر في الدرس العربي أكثر مما تؤثر فيه مجلات مصنفة لا يقرأها أهل التخصص إلا اضطرارًا. فالمشكلة إذن تكمن في الانحراف بـ"سكوبس" من أداة من أدوات التقييم إلى بوابة وحيدة تكاد تحتكر الاعتراف الأكاديمي. وسينعكس ذلك، قبل غيره، على التخصصات التي لا تنتج معرفتها خارج اللغة والثقافة والبيئة التي تنتمي إليها. فالباحث في الأدب العربي، أو اللسانيات العربية، أو التاريخ العُماني، أو الدراسات الإسلامية، أو الفلسفة، أو علم الاجتماع، لا يكتب دائمًا لقارئ عالمي مجهول، ولا يعالج بالضرورة قضية يمكن نقلها بسهولة إلى لغة أخرى أو إلى مجلة ذات أولويات بحثية مختلفة. هناك موضوعات لا تستقيم إلا في سياقها العربي، ولا تكتسب معناها الكامل إلا حين تُكتَب بالعربية، وتخاطب قارئًا عربيًا، وتدخل في حوار مع تراكم معرفي عربي. وحين تصبح المجلة العربية، مهما بلغت رصانتها، منبرًا مؤقتًا أو ناقص القيمة، فإننا لا نضعف في هذه الحالة المجلة وحدها، بل نضعف أيضًا الحقول المعرفية التي تحتاج إلى هذه المجلات كي تحيا وتتجدد وتتراكم.

ومن أخطر ما يمكن أن يترتب على هذا القرار أنه سيدفع بعض الباحثين إلى هجرة موضوعاتهم لا هجرة مجلاتهم فقط. فبدل أن ينشغل أستاذ التاريخ بمسألة تمس التاريخ العُماني، وأستاذ علم الاجتماع بقضية اجتماعية محلية لم تُدْرَس بما يكفي، وأستاذ الأدب العربي بظاهرة ثقافية عربية تحتاج إلى قراءة متأنية، سيجد هؤلاء أنفسهم مدفوعين إلى اختيار موضوعات أكثر قابلية للنشر في مجلات مصنفة، حتى لو كانت أقل اتصالًا بحاجات المجتمع والناس. وهنا تخسر الجامعة جزءًا من وظيفتها الوطنية؛ فمن نافلة القول إن دور أي جامعة لا يقتصر على ملاحقة المؤشرات العالمية، على أهمية هذا الأمر، بل يتجاوز ذلك إلى إنتاج معرفة تضيء المجتمع الذي تنتمي إليه، وتقرأ تحولاته، وتحفظ ذاكرته، وتطوِّر لغته، وتمنح قضاياه المحلية مكانها اللائق في البحث الأكاديمي.

ولكي لا أُفهَم خطأً فإنني أؤكد أن اعتراضي على هذا التوجه لا يعني الدفاع عن النشر الضعيف، ولا التبرير للمجلات التي لا تلتزم بأبسط شروط التحكيم العلمي، ولا الدعوة إلى إبقاء باب الترقية مفتوحًا أمام جهات نشر غير منضبطة. فالمجلات العربية، مثل غيرها، تحتاج إلى فرز صارم، وإلى معايير واضحة، وإلى تمييز بين الرصين والرديء، وبين المجلة التي تصنع معرفة وتراكمًا علميًّا، وتلك التي تتحول إلى ممر سهل للترقيات. لكن الإصلاح لا يكون بإقصاء المجال العربي كله تقريبًا بعد فترة انتقالية، وإنما ببناء معيار عادل داخله، يرفع من شأن المجلات الجادة، ويدفع الضعيفة إلى تحسين شروطها، ويمنح الباحثين العرب ثقة بأن لغتهم وتخصصاتهم المعرفية وأسئلتهم لا تزال جديرة بالاعتراف داخل جامعاتهم.

إن الجامعة التي تطمح إلى العالمية لا ينبغي أن تفهم العالمية على أنها خروج من لغتها وبيئتها، بل بوصفها قدرة على إنتاج معرفة رصينة تنطلق من المحلي والعربي إلى الأوسع. وليس من مصلحة جامعة السلطان قابوس، بما تمثله من مكانة وطنية وأكاديمية، أن يتحول البحث العربي فيها إلى مسار جانبي أو مؤقت أو ناقص الاعتراف، في دولة يعرف القاصي والداني اهتمامها باللغة العربية. فالتصنيفات مهمة، وقواعد البيانات مهمة، لكن الأهم ألا تتحول هذه الأدوات إلى غاية نهائية تعيد تشكيل البحث الجامعي وفق شروط التصنيفات وحدها لا وفق شروط المعرفة وحاجات المجتمع.