الوعي الذاتي..

28 أغسطس 2026
28 أغسطس 2026

تحضر الثقافة الاجتماعية كفاعل مؤثر على سلوكيات الفرد، وأنشطته اليومية، وبناء قناعاته الذاتية، وبالتالي فليس من اليسير؛ إطلاقا؛ الخروج عن هذه الصورة في لمحة عين، أو استجابة لموقف طارئ ما، فالمخزون الاجتماعي لهذه الثقافة، سواء أكانت المفروضة بحكم الأمر والنهي الذي يمارسه المربون، أو بحكم التجربة الذاتية للإنسان نفسه في تعاطيه مع من حوله، فتأثير مخرجات السلوك الجمعي، وأقواله، وأفعاله، ومواقفه؛ تشكل حالة بنيوية مهمة في بناء الشخصيات داخل المجتمع الواحد،

ولذلك يبقى ليس من اليسير أن تتزعزع هذه الصورة أو ترتبك حتى وإن اصطدمت بحالة اجتماعية مغايرة، وأعني بالمغايرة هنا أن يهجر الإنسان بيئته الأصل إلى بيئة بديلة لظرف ما، كهجرة عمل، أو هجرة دائمة، ومعنى ذلك فالبيئات الجديدة لن تستطيع أن توجد البديل للمخزون الاجتماعي، أو أن تربك قناعات الفرد؛ حتى لو عمر هذا الفرد في البيئات البديلة، نعم؛ قد يحدث شيء من الاختراق في الأجيال التالية المنبثقة من الجيل الأول، والسبب أن من يأتي سوف يلتحم التحامًا مباشرة بالوسط الذي يعيش فيه منذ البدايات الأولى لعمر التنشئة، فتبدأ قناعاته وآراؤه تتشكل وفق ما هو موجود، ويعيشه بكل تفاصيله، مع أن الوالدين لن يكونا على رضا تام لما يحدث لأطفالهم من سلوكيات وممارسات مغايرة لما هم عليه،

وسيظل الصراع قائما بين الطرفين، إلى أن ينتهي الجيل الأول ويغادر هذه الحياة، ولذلك فهناك من المهاجرين اضطروا لأن يعودوا بأبنائهم من البيئات البديلة إلى ديارهم الأصل خوف الانزلاق في متون البديل، والذي يتناقض كثيرا أو يصطدم بالمخزون الاجتماعي الذي عليه الوالدان، هذا إذا كان الوالدان تجمعهما بيئة اجتماعية واحدة؛ حيث تبقى المرجع المهم لكليهما في حالة الضرورة،

وفي هذه الصورة قد يكون التأثير على الجيل الثاني محدودا؛ ولو لفترة زمنية من عمر هذا الجيل؛ حيث مرحلة التلقي والمحاكاة، أما لما يصل الأبناء؛ من الجيل الثاني؛ إلى مرحلة عمرية متأخرة تتيح لهم التفريق بين ما تم بناؤه ذاتيا، وما بين ما يكتسبونه عمليا، ويؤمنون به قناعة، ويسقطونه على ذواتهم، فهنا سوف ينتقلون إلى مرحلة (البناء والحذف) في آن واحد، وبالتالي تشكل قناعات جديدة تؤثر بلا شك على مخزون الثقافة الاجتماعية الأصل التي كان عليها الوالدان.

تكمن الخطورة هنا أكثر؛ ليس في حضور الوالدين من نفس الثقافة الاجتماعية المتماثلة أو المندمجة، وإنما تكمن في اختلاف ركني الأسرة، الأب من بيئة اجتماعية؛ والأم من بيئة اجتماعية مغايرة، حيث يعيش الأطفال إلى سن متأخرة مرتبكي السلوك، انفصاميي التعاطي مع الآخر، ذاكرة اجتماعية مشوهة، قناعات متجزئة، مواقف متناقضة،

وبالتالي فحالات الزواج التي تتم بين الطرفين (الرجل/ المرأة) مع اختلاف البيئات الاجتماعية؛ قد لا يكون محكوما عليها بفشل مطلق، ولكن بفشل نسبي، سوف توجد في المجتمعات صورة متهلهلة للواقع الاجتماعي، ولن تصل المجتمعات من هذا النوع إلى نقاوة بيضاء تستطيع من خلال ذلك أن تحافظ على قيمها الثابتة المعززة لبقائها من الاندثار والتماهي شيئا فشيئا، ومع الإقرار بهذه النتيجة، فهناك من يخفف من هذه النتيجة السلبية، ويرى أن في تداخل الشعوب فيما بينها يوجد الكثير من الصفات الذاتية (العقلية/ القلبية/ وتحسين الشكل) وهي بلا شك تمثل أسسا مهمة في البناء الفكري للإنسان،

ولكن؛ الذي يجب التأكيد عليه أن مثل هذه الصفات الذاتية ليست محكورة في مجتمع دون آخر، فكل المجتمعات يتقاسم أفرادها هذه الصفات بنسب متفاوتة، مع الإقرار أن في المجتمع الواحد توجد أسر يشار إليها بشيء من التميز في صفة ما، ولكنها لن تبقى حكرا على هذه الأسرة دون غيرها.

يمكن الإشارة إليه هنا أيضا؛ إلى أن عمليات التأثير في البناءات الفكرية «البنيوية الفكرية» للأجيال في الحقل الاجتماعي «الثقافة الاجتماعية» لا يمكن نزعها عن بيئتها المحلية المطلقة أو وجود ثنائية اجتماعية ويكون لها نفس القدرة في المحافظة على مخزونها الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال،

فالعلاقات الجذرية بين مكوناتها هي التي تعطيها البقاء، والاستمرار؛ ومتى دخل عنصر غريب ليوجد لنفسه جذرا مساهما في هذا البناء، فستكون النتيجة؛ حتما؛ غير ما هو متوقع.