الوعي الذاتي..
ولذلك يبقى ليس من اليسير أن تتزعزع هذه الصورة أو ترتبك حتى وإن اصطدمت بحالة اجتماعية مغايرة، وأعني بالمغايرة هنا أن يهجر الإنسان بيئته الأصل إلى بيئة بديلة لظرف ما، كهجرة عمل، أو هجرة دائمة، ومعنى ذلك فالبيئات الجديدة لن تستطيع أن توجد البديل للمخزون الاجتماعي، أو أن تربك قناعات الفرد؛ حتى لو عمر هذا الفرد في البيئات البديلة، نعم؛ قد يحدث شيء من الاختراق في الأجيال التالية المنبثقة من الجيل الأول، والسبب أن من يأتي سوف يلتحم التحامًا مباشرة بالوسط الذي يعيش فيه منذ البدايات الأولى لعمر التنشئة، فتبدأ قناعاته وآراؤه تتشكل وفق ما هو موجود، ويعيشه بكل تفاصيله، مع أن الوالدين لن يكونا على رضا تام لما يحدث لأطفالهم من سلوكيات وممارسات مغايرة لما هم عليه،
وسيظل الصراع قائما بين الطرفين، إلى أن ينتهي الجيل الأول ويغادر هذه الحياة، ولذلك فهناك من المهاجرين اضطروا لأن يعودوا بأبنائهم من البيئات البديلة إلى ديارهم الأصل خوف الانزلاق في متون البديل، والذي يتناقض كثيرا أو يصطدم بالمخزون الاجتماعي الذي عليه الوالدان، هذا إذا كان الوالدان تجمعهما بيئة اجتماعية واحدة؛ حيث تبقى المرجع المهم لكليهما في حالة الضرورة،
وفي هذه الصورة قد يكون التأثير على الجيل الثاني محدودا؛ ولو لفترة زمنية من عمر هذا الجيل؛ حيث مرحلة التلقي والمحاكاة، أما لما يصل الأبناء؛ من الجيل الثاني؛ إلى مرحلة عمرية متأخرة تتيح لهم التفريق بين ما تم بناؤه ذاتيا، وما بين ما يكتسبونه عمليا، ويؤمنون به قناعة، ويسقطونه على ذواتهم، فهنا سوف ينتقلون إلى مرحلة (البناء والحذف) في آن واحد، وبالتالي تشكل قناعات جديدة تؤثر بلا شك على مخزون الثقافة الاجتماعية الأصل التي كان عليها الوالدان.
وبالتالي فحالات الزواج التي تتم بين الطرفين (الرجل/ المرأة) مع اختلاف البيئات الاجتماعية؛ قد لا يكون محكوما عليها بفشل مطلق، ولكن بفشل نسبي، سوف توجد في المجتمعات صورة متهلهلة للواقع الاجتماعي، ولن تصل المجتمعات من هذا النوع إلى نقاوة بيضاء تستطيع من خلال ذلك أن تحافظ على قيمها الثابتة المعززة لبقائها من الاندثار والتماهي شيئا فشيئا، ومع الإقرار بهذه النتيجة، فهناك من يخفف من هذه النتيجة السلبية، ويرى أن في تداخل الشعوب فيما بينها يوجد الكثير من الصفات الذاتية (العقلية/ القلبية/ وتحسين الشكل) وهي بلا شك تمثل أسسا مهمة في البناء الفكري للإنسان،
ولكن؛ الذي يجب التأكيد عليه أن مثل هذه الصفات الذاتية ليست محكورة في مجتمع دون آخر، فكل المجتمعات يتقاسم أفرادها هذه الصفات بنسب متفاوتة، مع الإقرار أن في المجتمع الواحد توجد أسر يشار إليها بشيء من التميز في صفة ما، ولكنها لن تبقى حكرا على هذه الأسرة دون غيرها.
فالعلاقات الجذرية بين مكوناتها هي التي تعطيها البقاء، والاستمرار؛ ومتى دخل عنصر غريب ليوجد لنفسه جذرا مساهما في هذا البناء، فستكون النتيجة؛ حتما؛ غير ما هو متوقع.
