انكسارات..
عندما يرتفع سقف التفاؤل تتراجع من دونه مجموعة الانكسارات، فما بين التفاؤل والانكسار ثمة علاقة عكسية، وكلا الأمرين منشؤهما عوامل مادية ومعنوية «نفسية» ويظل الانتقال من أحدهما إلى الآخر خاضعا لقوة الشخصية عند هذا الفرد أو ذاك، فتجاوز المحن مرهون أكثر بقدرة الفرد على الإيمان بالقضاء والقدر، ولذلك فالذين يؤمنون بالمادية المباشرة، يعانون كثيرا في هذه المسألة، وبالتالي تلاحقهم الانكسارات، والخذلان، وحالة اليأس المستمرة، فيتيهون بين دهاليز أنفسهم، وتتقاذفهم الشكوك، في كل صغيرة وكبيرة، ولا يرون أي أفق يمكن أن يخرجهم مما هم فيه.
من الأقوال المنسوبة إلى الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ قوله: «إذا تخلى الناس عنك في كرب، فاعلم أن الله يريد أن يتولى أمرك» ! ولكن الذي يحدث أن هناك من تخلى عنه أحد ممن يعز يقيم ذلك على أنه مصيبة حلت به وبداره، فيصبح للهم منحازا، وللغم متألما، وأن الحياة مقيدة بوجود صاحبه، وهذا الأمر ليس صحيحا بالمطلق، نعم، قد يتأثر أحدنا بمواقف من هذا النوع، وهي مواقف مستمرة طوال سنوات الحياة التي نعيشها، ولكن إن حدث هذا فهناك ألف بديل، فالرهان ليس على بقاء الأشخاص، وإنما الرهان على القدرة على العطاء الإنساني: الرحمة، الود، التعاون، التآزر، التناصر، التكافل، التضحية في حدود الإمكانيات وأهمية الهدف، فالأشخاص حمالو ألوية، ولا يعدون من الثوابت التي يمكن الاحتكام على ديمومتها، فمن يكون اليوم صديقك؛ قد يكون غدا عدوك، والعكس صحيح، فالناس تسيّرهم المصالح، مهما اعتلت درجة العلاقة بين أي طرفين، وهذا أمر واقع ومعيش، قد يستثنى من ذلك ــ بل يجب ــ علاقة الفرد بمن خصهم الشرع الكريم بحتمية البقاء والديمومة في علاقتهم، وهم المنصوص عليهم في الذكر الحكيم، أما بخلاف، فالمجال يتسع للقبول والرفض، ومعنى هذا ففي حالات الانفصام لا يجب أن يتسبب ذلك في انكسارات نفسية.
وهنا قول آخر؛ أيضا؛ منسوب إلى إلينور روزفلت ــ ناشطة حقوقية أمريكية ــ قولها: «إذا خانك الشخص مرة فهذا ذنبه، أما إذا خانك مرتين فهذا ذنبك أنت»! «انتهى النص» فإذا حدث ذلك للمرة الثانية فعليك أن تتحمل تبعات نفسك، ولا تكون مجرد أرضية للسير؛ يسلكها القريب والبعيد، فلنفسك عليك حق، وحقوق نفسك أن تجردها من التماهي المذل لإرضاء الآخرين، فالغالبية من هؤلاء الآخرين يرتفع سقف معرفتهم بك عندما تكون موضع تحقيق حاجياتهم، وينخفض هذا السقف كثيرا عندما تتجاوزك الأقدام المسرعة خوف الارتطام بك، فقد تصبح عبئا ثقيلا لا يود الآخرون مساعدتك، وهنا قد تتضاعف انكساراتك أكثر، ومع ذلك وفي ظل هذه البيئة الضبابية قد ينبري أحد ما، فينتشلك من الغرق، ليضعك في مستوى حياة معقولة، لتواصل رحلتك إلى آخر النفق، وهذه الغربلة التي تحدث في المواقف الصعبة من شأنها أن تحفظ القليل الصالح، وتسقط مجموعة من الحواشي المهترئة.
منذ الساعات الباكرة في كل يوم، لا نتعامل مع حالة نفسية واحدة، ولذلك نعيش حالات من الشد والارتخاء، والكر والفر، والقبول والرفض، وهذا ما يفسر الحالات النفسية عند كل منا، بين سرور وحزن، وبين تفاؤل وانكسار، وبين سعادة وتعاسة، وبين هم وفرج، فهذه التقلبات النفسية التي تحدث طوال اليوم، هي نتيجة مباشرة لمجموعة المصادمات والصدامات التي نعيشها خلال الأربع والعشرين ساعة في اليوم، وهذه ليس شرطا أن تكون بفعل مباشر منا فكثير من ممارسات الآخرين من حولنا تؤثر علينا؛ شئنا أو أبينا، فالإنسان مخلوق اجتماعي، وليس مركبا صخريا، فبقدر سلوكه الفيزيائي «المادي» الذي يمارسه، فهناك تفاعلات كيميائية تحصل داخل أجهزته ذات الفعل البيولوجي، وإلا ما الذي يجعل مستويات التفاعل التي تحدث عند الفرد تعلو وتنخفض بمجرد مشاهدة فريقين يتقاتلان على أمر ما؟ والمصيبة أن انهزام أحدهما تعيش النفس حالة من الانكسار تحتاج إلى زمن معين لتتعافى من أزمتها.. شيء غريب فعلا!
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني
