المطر والفقد

23 مارس 2026
23 مارس 2026

مع كل حالة مناخية ماطرة، نفقد بعضا من أبناء الوطن، لأسباب تعود إلى عدم تقدير المخاطر على الطريق والمجازفة بعبور الأودية والإهمال وعدم الإدراك والتحدي، مما تؤدي جميعها إلى نهايات مؤلمة جدا.

رغم التحذيرات من الجهات المعنية والتوعية المتواصلة والتنبيهات حول مخاطر المجازفات خلال الأمطار الغزيرة التي تحتاج إلى التعامل معها بحذر، والمناشدات بالبقاء آمنين بعيدا عن الاقتراب من دائرة الخطر، إلا أن النتيجة أننا في كل عام نخسر أفرادا من المجتمع، وهذا يعني أن وسائل التوعية لا تأتي بالنتائج المرجوة منها كاملة مهما بلغت من تركيز، مع أنها ساهمت في التخفيف من أعداد المفقودين سنويا. البعض يرى في تحدي الطبيعة متعة يثبت فيها أنه قادر على قهرها، لكن هذا يعد وهما، فالأمطار من الصعب تحديد حجم مخاطرها إذا لم تكن مدركا أنها تجرف كل ما في طريقها كما نشاهد من قرى ومدن وجسور وطرق ومنشآت ومرافق وتغير الكثير من الملامح في تركيبة المحافظة أو المدينة بعد أن تكون طحنت كل شيء وساوتها بالأرض في الحالات الشديدة كالأعاصير. لابد من البحث عن بدائل أخرى تكون أكثر نجاعة في ردع المتهورين خلال الحالات المناخية الماطرة التي تشهد جريانا للأودية والسرعات العالية على الطريق، يمكنها أن تحفظ الأرواح وتبقي على كيان الأسر وتماسكها، وهذا الخيار لابد أن تكون له نتائج في هذا الموضوع.

وبتعاون الجميع من أبناء المجتمع فإن الأمر يمكن محاصرته، لكننا نحتاج إلى إجراءات تشريعية موازية على هكذا تصرفات.

هل يدرك البعض ماذا يعني أن نفقد أبا أو أما من أي أسرة في هذا البلد؟! يعني فقدت مستقبلها الذي سيبقى الحزن يخيم على أفراد أسرته، وسنفقد رعايتهم وطمأنينتهم وسندهم لنا في الحياة، يعني نفقد من يستطيع أن يشاركنا الحياة ويوفر لنا مستلزماتها، وإن فقدهم سيضيفنا في خانة اليتم، خاصة لمن لا يجد من يعوضه في عائلته ومن يعوله ويرعاه حتى يشتد عوده، ناهيك عن سيطرة الشعور بنقص الأب والأم خاصة إذا كانوا في مقتبل العمر، وبرحيلهم سيتركان جرحا مفتوحا لا يندمل حتى آخر أعمارنا نتحسر على رحيلهم.

وأيضا إذا فقدنا أخا أو أختا سيبقى نفس الشعور في ذلك البيت الذي جمعهم وستتذكره الأسرة مع كل يوم يمر. علينا أن نستوعب أن المحافظة على الأرواح مهمة جدا، بل هي أولوية قصوى لدى الفرد فينا، وأن نتعلم أن المخاطر التي تحيط بنا يجب أن نتعاطى معها بشيء من الحكمة والتأني وأن نغرس في أبنائنا ثقافة تقديرها وعدم المجازفة، وأنه «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة» وأن نشجعهم على أن يكونوا قدوة للآخرين وأن العواقب في مثل هذه الحالات لا تنفع معها الشجاعة، وأن لا نكون سببا في أن نفجع أهلنا فينا، وأن المحافظة على السلامة أولوية والاستماع إلى التنبيهات والتوجيهات أهمية تكرس فينا حب التمسك بالحياة التي وهبنا الله إياها كنعمة لا يعادلها شيء.

سالم الجهوري كاتب صحفي عُماني