الكينزية والبطالة

13 أبريل 2026
13 أبريل 2026

قدّم الاقتصادي جون مينارد كينز رؤية ترى أن الأسواق لا يمكنها تصحيح نفسها تلقائيا دائما، مما دفع الإدارة الأمريكية لتبني سياساته الاقتصادية، فقد أثبت الكساد الكبير أن البطالة تظل مرتفعة لفترات طويلة؛ إذ وصلت إلى 25% في أمريكا عام 1933 دون أن يتمكن «السوق الحر» من استعادة التوازن، مما جعل التدخل الحكومي ضرورة وليس خيارا ثانويا.

تبنّى الرئيس روزفلت مبادئ كينز عبر سلسلة من المشاريع لإنعاش الاقتصاد، شملت تمويل الأشغال العامة، والإنفاق على برامج التوظيف، وسنّ قوانين الضمان الاجتماعي لضمان تدفق السيولة في يد المستهلكين. وكانت الفكرة أن كل دولار تنفقه الحكومة في مشاريع البنية التحتية يولّد سلسلة من الإنفاق المتكرر داخل الاقتصاد، مما يسرّع عملية التعافي ويوجد فرص عمل جديدة.

أحدثت تلك السياسات تأثيرا مباشرا وتدريجيا على معدلات البطالة، فقد انتقلت من مرحلة الانهيار الكلي إلى التعافي التدريجي، وانخفضت البطالة من 25% في 1933 إلى حوالي 14% عام 1937. ومع الحرب العالمية الثانية أصبحت البطالة حوالي صفر تقريبا؛ فادّعى البعض أن الإنفاق الحكومي على التسليح ضمن التجربة الكينزية؟! يرى كينز أن تدخل الدولة ليس «رفاهية» بل ضرورة حتمية لإنقاذ النظام الرأسمالي من نفسه، خاصة في أوقات الكساد. فالتوظيف الكامل مسؤولية حكومية. لقد خالف كينز الفكر الكلاسيكي الذي يقول إن البطالة ستحل نفسها بخفض الأجور، ورأى أن الدولة يجب أن توجد وظائف عبر مشاريع البنية التحتية وغيرها، لضمان حصول الناس على أجور ينفقونها لاحقا في السوق، مما يحرّك المصانع مجددا.

ودعا الدولة عبر البنك المركزي للتدخل لخفض أسعار الفائدة لتشجيع الشركات على الاقتراض والاستثمار، مما يقلل من جاذبية ادخار الأموال ويدفعها نحو «الدورة الاقتصادية». ورأى أن دور الدولة هو «ضبط الإيقاع»؛ ففي الركود تزيد الإنفاق وتخفض الضرائب، وفي حالات التضخم المفرط تفعل العكس، لضمان استقرار طويل الأمد.

أخذت الدول الغربية في الأزمات بالكينزية حتى لا تعود للانهيارات، وشهدت جائحة كورونا 2000 أكبر تدخل حكومي في التاريخ الحديث؛ حيث ضخت الحكومات تريليونات الدولارات مباشرة في جيوب المواطنين والشركات، مثل شيكات التحفيز وبرامج دعم الأجور، لضمان عدم توقف «ماكينة الاستهلاك».

النيوليبراليون يدّعون أن الكينزية تدعو إلى استدانة الدولة، لكن الواقع أثبت أن الديون الهائلة للولايات المتحدة سببها الممارسات النيوليبرالية؛ مما يكشف عن واحدة من أكبر المفارقات في التاريخ الاقتصادي الحديث. فبينما نادت النيوليبرالية بتقليص دور الدولة وضبط الميزانية، انتهى بها الأمر تاريخيا إلى المساهمة في انفجار الديون الأمريكية. لقد وصل الدين العام الأمريكي إلى مستوى يخطو سريعا نحو 40 تريليون دولار، وهو ما يراه النقاد فشلا بنيويا للنموذج النيوليبرالي الذي وعد بالانضباط المالي؛ فانتهى بأكبر استدانة في التاريخ.

هكذا يعود الغرب اليوم إلى رأسمالية أكثر إنسانية، أو إلى اقتصاد فاعل يوازن بين حرية السوق وحماية المجتمع، فقد أثبتت النيوليبرالية فشلا ذريعا.