قراءة في مجموعة «الرقص مع السراب» لأحمد الحجري
09 فبراير 2026
09 فبراير 2026
يقدم لنا القاص أحمد الحجري مجموعته القصصية الجديدة (الرقص مع السراب) الصادرة عام 2025م عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ودار جدل متناولا فيها مضامين متنوعة في السرد بتنوع الأحداث والأمكنة والشخصيات.
تضم المجموعة ثماني قصص قصيرة اشتغل الكاتب على إطارها المكاني بإعطائه قيمة مكانية تتفاعل مع الحدث وتعمل على إبراز الشخصيات.
تقوم الفضاءات المكانية في المجموعة على توسيع السرد وإظهار انفعالات الشخصيات وبواطنها ومشاعرها وأحاسيسها، إذ تقدم كل شخصية مقترنة بالفضاء لحظة سردية قائمة على التأمل والإدهاش، يمكن أن نلحظ الفضاء المكاني في قصة (سور الحب) مثلا، فالفضاء الممتد بين السور وبين البيت مسرح للتأمل والتحول، ضم شخصيتين مغايرتين لم تلقها إلا بتوارد الخواطر، ومع ذلك يسير بنا السرد في هذا الفضاء حاملا معه آلام الشخصيتين وصراعهما مع المرض والحب، إذ لم يكن سور المقبرة في القصة مجرد جدار يكتب الناس عليه انطباعاتهم وأحلامهم، إنه فضاء يحمل ذاكرة سردية.
وعلى ذلك تمضي قصة (حكاية ابنة الأشجار) باسطة العلاقة السردية بين الوصف والفضاء المتشكل من القرية وعلاقة الطفلة غصون بهذا الفضاء منذ ولادتها حتى لحظة المعركة مع الساحر.
نجد ذلك أيضا في قصة (الرقص مع السراب)؛ فالمكتبة فضاء العلاقة بين الشخصيتين، علاقة الذاكرة والاتصال والتواصل، فقام الكتاب بدور الرسالة المتنقلة من يد شخصية إلى أخرى.
يقودنا أحمد الحجري في مجموعته إلى كتابة سردية منشدة إلى الواقع، تستمد منه ذاكرتها وتفاصيلها اليومية، فيقوم البناء السردي في القصص على تجزئة البنية الحكائية؛ إذ تبدو لنا القصة مكونة من مدخل سريع، ثم سرد قصصي، ثم مشهد ختامي.
ولعل الناظر في قصص (سر الجرة)، و(سور الحب)، و(حكاية ابنة الأشجار)، و(ذكريات الحب والفقد) وغيرها يجد مثل هذا الترتيب في بنية النص، إنه تركيز استطاع القاص من خلاله تسيير الكتابة إلى ترتيب متناغم وصولا إلى الحدث، فما كان في قصة (سر الجرة) من عودة بالزمن إلى الماضي كان هدفه تغيير مجرى الأحداث؛ لذا كان المدخل والختام على اتصال وثيق بالفعل القصصي في الأحداث.
يسير البناء السردي في قصة (سر الجرة) إلى وجود افتتاحية تعمل كمدخل للقصة التي ترتبط بالحدث، سرعان ما يقودنا السرد إلى الماضي واستدعاءات الذاكرة، وإلى فترة زمنية يحاول السارد بدء الأحداث منها، وتسير العملية السردية في القصة بشكل يجمع بين العناصر السردية المختلفة التي تمنح كل شخصية سماتها في الحكاية، وتجعل التفاصيل الحركة الزمنية أكثر سهولة، ليأتي المشهد الأخير مكملا للمشهد الافتتاحي، وكأن السرد فصل المشهدين الافتتاحي والختامي عن بعضها. على ذلك تسير قصص المجموعة في تشكيل بنيتها السردية.
إن الناظر في مجموعة (الرقص مع السراب) يجد تنوع الأساليب في الكتابة إلا إن اشتغال الكاتب تركز على أساليب مهمة في الكتابة يمكن أن نوجزها في الآتي:
أولا: التلاعب بالعنصر الزمني:
أو ما يمكن تسميته بالمراوحة الزمنية في الأحداث وهو ما يؤدي خدمة لتشكل الأحداث وانتقالها. تظهر هذه المراوحة في غير موضع من مواضع المجموعة؛ إذ ينطلق السرد من زمن محدد يتخلله العودة إلى الماضي أو التقدم لحاجة سردية تظهر في الأحداث. لقد اصطبغت قصص المجموعة بأسلوب الاسترجاع والعودة والتقدم، بدلالات استخدام الفعل الماضي بكثرة إما بعبارة (كان أو كنا أو كنت) التي تكررت أكثر من تسع مرات، أو الفعل (مر) الذي تكرر أكثر من سبع مرات، أو (ذات يوم)، أو (حدث ذلك).
تأخذ قصص المجموعة من الماضي بؤرة للانطلاق، ومن الحاضر مسرحا للتشكيل السردي، مما يجعل لعملية الاسترجاع والتقدم أهمية في السرد، لا سيما في إشعال الذاكرة وإظهار ما بطن في نفسية الشخصية، واسترجاع ما علق في الذهن والمكان.
تقوم عملية المراوحة الزمنية في قصة (سر الجرة) على العودة إلى الوراء حيث الماضي في محاولة لتغيير الأحداث المستقبلية، نقرأ في الصفحة 16: «رجعت إلى المندوس فتحته بسرعة هذه المرة، أخرجت الجرة، وضعت يدي اليمنى عليها، وأغمضت عيني، وإذ أنا في حارتي نفسها قبل عشرين عاما، لقد تحقق فعلا ما قاله جدي، لدي ساعة واحدة فقط، فلا وقت لأضيعه». هذه العودة في سياق السرد جعلت الشخصية الراوية على لسان أحمد تستعيد أحداث الماضي معها من سرقة الكتاب المذهب وإخفائه طوال عشرين عاما، واتهام صديقه محمد بسرقته، ومعاتبة الجد لمحمد باختفاء الكتاب، ثم ماذا؟ تعود الشخصية إلى ما قبل الحادثة أي قبل عشرين عاما لتغيير الأحداث باحثا عن التصالح مع صديقه. يقول: «لم يبق من الوقت سوى الربع الأخير فقط، كان الكتاب هناك حيث خبأته، فتحته، وشممت رائحته الممزوجة بعبق الماضي، وأزحت الغبار المتراكم فوقه. إنه هو لم يتغير، جذاب ومغر وساحر، وضعته تحت ذراعي، وركضت صوب بيت جدي، دخلت خلسة دون أن أطرق الباب، مشيت على أطراف أصابعي، لمحت جدي تائها وحزينا وفزعا، كأنما يبحث عن جوهرة ثمينة فقدها، دخلت السبلة الفردوسية، ووضعت الكتاب فوق المندوس وخرجت ببطء. مرت لحظات عصيبة خاطفة مثل الصاعقة قبل أن يصلني صوت جدي وهو يصرخ فرحا: لقد وجدته... لقد وجدته، إنه هناك فوق المندوس تماما... كيف لم أنتبه له؟ لقد اتهمت محمدا زورا وبهتانا. أين محمد؟ نادوا محمدا؛ لأعتذر إليه... أجبته: أنا أعرف مكانه يا جدي، سأذهب إليه حالا، هنيهة، وكانت الشمس توشك أن تغيب حين كان الوقت المتبقي من الساعة يكاد ينفد».
هنا تتبدل الأحداث، وتتغير نظرة الشخصيات فيما بينها، إن العودة إلى الوراء أحدثت معالجة لمصائر الشخصيات، يقول في المشهد الختامي: «ها هو محمد قد وصل أخيرا، ما زلت في انتظاره في مقهى (37)... فتح الباب الزجاجي، كانت الابتسامة تعلو محياه، ابتسمت له أيضا، أراد أن يسلم علي بيده، لكنني تجرأت واحتضنته، شيء غريب حدث حقا، كأن الماضي كله انثال على عقلي، وتسرب من ثقوب الذاكرة. جلس قبالتي، صببت القهوة المثلجة في كأسه وكأسي، بدأنا بالحديث، كأن شيئا لم يكن. تحدثنا عن قصص الماضي الجميل، عن صداقتنا القديمة، وعن مغامراتنا الشقية في حارات القرية القديمة، وتذكرنا ألعابنا الشعبية بصحبة أصدقاء الطفولة، وبدا أن كل شيء جديد وجميل وسعيد».
يعد عنصر الزمن من العناصر المهمة في المجموعة إذ تتكئ عليه أكثر النصوص، فالذاكرة مسخرة للعودة إلى الماضي واستحضاره إلى الزمن الحالي.
ثانيا: تداخل الوصف في عملية السرد:
وهي نقطة إضافية تظهر في العملية السردية، فللوصف بروز بين السرد، إذ يعمل على قطع سير الأحداث، والتركيز على المشاهد الوصفية أو وصف الشخصيات، إذ تقوم الوظيفة الوصفية هنا بمهمة جمالية أو تعبيرية تساعد الأحداث على الاكتمال والنمو. يتوقف السرد في قصة (ذكريات الحب والفقد) في بدايته واصفا الشخصية: «لم أر في حياتي شابا في مثل وسامته، شعره كثيف كلما تساقطت منه خصلات طويلة يعيدها إلى مكانها براحة يده اليسرى.
أنفه مستقيم وحاد مثل البرق، وأسنانه بيضاء مصفوفة بعناية مثل مكعبات ثلجية صغيرة جسده الرياضي يتيح له التصرف بمرونة بحركة أعضائه مثل لاعب سيرك. يجيد لعب كرة القدم مهاجما يسدد الكرات بدقة صقر يهوي على فريسته، ويلعب كرة الطائرة محرزا الأهداف بقفزات عالية، وبضربات من يده مثل حطاب يهوي بفأسه على جذع شجرة يابسة».
يظهر الارتباط الجلي بين صورة الشخصية لحظة وفاة والده وفترة الدراسة، فحالة وفاة الأب والعيش مع إخوته الصغار وأمه رسمت صورة بريئة للشخصية، ثم جاء الوصف راسما ملامح إضافية تقرب الشخصية من القارئ وتمنحه أوصافا تدخله في عالم السرد، ثم يستكمل السرد دوره فيمنح الشخصية أوصافا جديدة تربطه بالقارئ، هذا التمازج بين الوصف والسرد قدم صورة للشخصية تثير حالة من الحزن عليه في نهاية القصة.
كما يمكن للوصف الولوج إلى عالم الشخصيات والمكان صابغا المشهد السردي بالتخيل والتأمل مقترنا بالأحداث كما في قصة (الرقص مع السراب) إذ يقول: «شمس يونيو الحارقة تحتدم في سماء صماء لا أثر فيها لقطعة سحاب. هجير النهار يضفر خيوط الشمس من عليائها حتى الأرض الرمضاء. لهيب يتصاعد من الأرض كأنما اشتعلت النيران في الحصى والتراب الهواء في الفضاء كاتم وضاغط، ولا أثر فيه للنسيم سوى هبوب ريح كل فترة تنفس عن نفسها بإثارة زوبعة غبارية تتصاعد إلى السماء مثل مارد فانوس خرج من قمقمه. وقف سعيد في عز الهاجرة، عيونه زائغة، ونفسه سادرة، وذهنه مشتت. لم يكن حوله شجر يأوي إليه، ولا عريش تائه يستظل بظله.
كان هناك بالقرب من الشارع المسفلت الذي يكاد يتشقق من شدة الصهد. تنبعث بجانبه أبخرة حرارية تذيب الأجساد وتشوي الوجوه. شعر بقطرة عرق تسيل من أعلى ظهره. تدحرجت على هضبات عموده الفقري قبل أن تتماهى فوق إزاره سالت قطرة أخرى فوق عجزه، وبدأت تشق طريقها نحو فخذه فساقه مباشرة ثم تعلقت على شعيرات رجله قبل أن تسقط على الأرض. توالت بعد ذلك قطرات العرق تسيل من كل جزء من أجزاء جسده المطبوخ على نار القيظ. ابتلت ملابسه والتصقت به، وأحس بوابل غزير من ماء يسقط من تحت فخذيه وساقيه، ويجري من تحت أقدامه».
هنا يقترن الوصف بالمكان والشخصية في إبراز طبيعة المكان والذي عليه الشخصية في حدث الانتظار المتشكل في تلك اللحظة. وتمنح الصورة التي عليها المكان المشهد تكرارا في السؤال نفسه في حوار متخيل بين الشخصية والجربوع ثم الجرادة ثم اليعسوب. يتكرر الحوار بطريقة مختلفة بين الطرفين متناولا الانتظار كونه وعدا ربما يكون من طرف واحد. مشهد كهذا يبدأ القاص به قصته التي تقوم على الرغبة في التواصل والالتقاء متنقلا بين الزمن للتعبير عن سرده القائم على العاطفة والمشاعر والأحاسيس.
ثالثا: غرائبية السرد
لقد شكل السرد في تناوله الأحداث تمازجا بين الواقع والمتخيل أو الغرائبي، وهذا ما قد نلمسه في مواضع مختلفة منها: حادثة الكتاب المذهب والعودة بالزمن إلى تغيير الأحداث كما في قصة (سر الجرة)، أو الحوار المتخيل بين الشخصية والجربوع والجرادة واليعسوب في المنام أو في الواقع كما في قصة (الرقص مع السراب)، أو المتخيل والغرائبي في نقل صورة المعركة مع الساحر في قصة (حكاية ابنة الأشجار).
بالنظر في قصة (حكاية ابنة الأشجار) نجد أنها تناولت موضوعا ليس بالجديد على الكتابة السردية العمانية؛ إذ إن الموضوع له ارتباط بالتراث والحكاية الشعبية التي جعلت من شخصية الساحر شخصية مخيفة مرتبطة بالخوارق والعجائب، نجد ذلك في غير موضع من كتب التراث ومن كتب الأدب شعرا ونثرا.
يظهر المتخيل والغرائبي في القصة إما من طريق الوصف المتخيل للساحر والمعركة الدائرة بين جيش الساحر وبين الأشجار المدافعة عن الطفلة غصون، إنه وصف جمع الغرائبية التي لا نسمع بها إلا في الحكايات الشعبية. أو من طريق العلاقة الوثيقة بين الأشجار والطفلة غصون المتمثل في محبة الأشجار للطفلة ورقصها معها في مشهد بهيج أو من خلال الدفاع عن الطفلة في معركة مع جيش الساحر ثم الانتصار عليه.
يقدم القاص أحمد الحجري في مجموعته هذه تناولا سرديا ممتزجا بين الواقع والمتخيل، ويشتغل على الزمن بطريقة جيدة تخدم السرد متنقلا بين الماضي والحاضر، مانحا الفضاء المكاني والشخصيات تطورا حيا وانتقالا مناسبا مع الأحداث.
كما أنه يعتمد على الوصف في إبراز بواطن شخصياته والمكان الذي فيه الأحداث اعتمادا يجعل من الوصف عنصرا رئيسا في سير الأحداث. محاولا خلق نماذج حية من الواقع المعاش وتقديمها في إطار سردي، فالشخصيات والأحداث والأمكنة أخذت من مرجعيات الواقع الذي نعيشه، ومن البيئة والمكان.
