الرمزية..
كنت أراقب بعين المتابع مظاهر الزينة بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، والتي يضعها كثير من الناس على مداخل منازلهم أو على الأفنية، وهي مظاهر يتصدرها شكل الهلال والنجوم من حوله (كالعرجون القديم)، وهو ما يشير إلى رمزية الإسلام، وهي رمزية تختلط فيها الثقافة بالدين؛ فالرمزية لا يمكن أن يطلق عليها دين، وإلا انسلخت الأديان في رمزياتها، وهذا لا يمكن قبوله، وكما تنطبق هذه الصورة إلى ما أرمزت إليه، تحضر هناك الكثير من الرمزيات التي تشير إلى كثير من أمور الحياة المختلفة، وأنشطة الإنسان فيها، كرمزية القلب للتعبير عن الود، ورمزية قبضة اليد للتعبير عن الإصرار والعزيمة، ورمزية الجسد المحني للأسفل؛ للتعبير عن الخضوع، ورمزية الكرسي المتحرك في مواقف السيارات؛ للتعبير عن حجز الموقف لأصحاب الهمم، والكثير الكثير من الرموز؛ بعضها للتعبير عن هويات، وبعضها الآخر عن الأقليات؛ خاصة في الدول العنصرية، وبعضها عن دور العبادات، وبعضها عن المهن. ويأتي تعدد هذه الرمزيات لموضوعات الحياة المختلفة، لتؤصل في النفس قناعة بأهمية الموضوع الذي يشير إليه الرمز، وللاستسهال في معرفة موضوع الرمز.
شكلت الرموز أهمية كبيرة في التواصل بين الناس، حتى بين طرفي النقيض كاللغات المختلفة، والأجناس المختلفين، والثقافات، والموروثات، ومن يتابع بدقة يجد أن الرسوم التي احتوتها الكهوف وصفحات الجبال كثير منها منحاز نحو الرمزية. وقد نقلت هذه الرموز الحياة السابقة بعناوينها المختلفة عبر مراحل التاريخ الإنساني، وعرف الناس المتأخرين عن عادات وقيم وممارسات من سبقوهم عبر هذه الرموز التي أخضعت للتحليل العلمي من قبل المتخصصين في هذا الشأن، كما عكست الذوات الاجتماعية التي عاشت في العصور المتقدمة، ومراحل نموها، وما أفاضت به وأسسته للذوات الاجتماعية المتأخرة بعد ذلك.
وفي كل أحوالها لا تقتصر الرمزيات على الصور المستوحاة من عناوينها الحقيقية، أو الممارسات المادية على أرض الواقع فقط؛ فهناك الكثير منها تكون عبر الإشارات سواء باليد، أو بالعين، أو بالتقاطعات التي تبديها الوجوه في لحظة ما، وفي الآونة الأخيرة ظهرت حتى على الملابس التي يرتادها الناس، والتي تعكس أنطباعات مختلفة لما يود اللابس أن يظهره من ارتدائه لهذا الشكل أو ذاك.
وكثير من هذه الرمزيات بعضها مرتبطة أكثر بالحمولة التاريخية المطلقة، وبعضها بالهويات، وبعضها بالانتماءات السياسية- خاصة في الدول ذات الأحزاب المتنوعة-، وفي مجملها الكلي تظل الرموز معبرة عن معان كبيرة دقيقة مهمة. وهي تختصر الكثير مما يمكن أن يقال عن الموضوع الذي ترمز إليه الأشكال والممارسات المختلفة. ومن شدة الولع بالرمزية أصبح الأشخاص المشهورون في أمر ما رموزا للذات المجتمعية، وليس لذاتهم فقط.
يظهر البعد المعنوي في مفهوم الرمزية حاضرا أكثر من البعد المادي؛ وذلك لأن الذاكرة الجمعية تختزنه لاستجلاب البعد المادي؛ فرمزية القلب المجروح -على سبيل المثال- الذي يرسمه المراهقون، والمصابون بسهام الوجد على مراسلاتهم، وعلى صفحات هواتفهم أو دفاترهم هو حاضر أكثر ليربطهم بالطرف الآخر البعيد "المادي" والمادية المشار إليها هنا، هو الالتقاء الجسدي بين الطرفين، والاحتفاظ به بمعنويته هو نوع من التسلية، وتخفيف وطأة الاحتراق الوجداني عند أحد الطرفين، وكذلك عند الحديث عن رمزية الشجاعة؛ فالسيف هو أحد الأدوات المهمة في استحضار الشجاعة والاعتزاز بالبطولات والتضحيات؛ وبالتالي فوجوده في المجلس معلقا على إحدى زواياه يوجد نوعا من الرضى في النفس في استحضار الشجاعة والاعتزاز مع أن تحقيق المعارك والمواجهات كممارسة – وهو البعد المادي للرمزية - يكون بعيدا بالمطلق، ومن جميل ما قرأت في هذا الجانب النص التالي: "القلاع لا تُقتحم من الخارج، بل تُفتح من الداخل، وحين تُستبدل البوصلة الوطنية برقم في حساب مصرفي يصبح الوطن خبرًا عابرًا، ويصبح التاريخ شاهدًا لا يملك إلا أن يسجل"، والرمزية في هذا النص تذهب أكثر ما يندرج تحت بند الخيانة.
