التكرار والإكثار في رواية «أغالب مجرى النهر»

14 أبريل 2026
14 أبريل 2026

عندما شرعتُ في قراءة رواية «أغالب مجرى النهر»، وتقدّمت قليلا في صفحاتها، فكّرت في تركها والابتعاد عنها، فقد أحسستُ بثقلٍ في حركة الأحداث، وبخواء في شخصيّاتها، وتكرار للوقائع، فقد بدَت الروايةُ غير مرغِّبة في دعوتي إلى عالمها، غير أنّي صبرتُ عليها وأنهيت فصولها وأقسامها وبقي انطباعي الأوّل على حاله، فعُدتُ متفكِّرًا في نسبيّة الذائقة، وفي أنّ ما لا يُعجبني ويروقني قد يفتن غيري ويشدّه، ولذلك، فلن أعرض إلى التشكيك في جديّة جائزة البوكر العربيّة، ولا في جدارة الرواية وصاحبها بها، فهذا أمرٌ معقود على معطيات وعوامل عديدة، أهمّها منزلة الرواية من مجموع الأعمال المترشِّحة، ولكنّي أقول قولي في الرواية في حدِّ ذاتها.

رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد الخطيبي هي روايةٌ قامت على صوتين غالبين عَهد إليهما الكاتب برواية الأحداث من منظورهما، الشخصيّة الراوية الأولى هي البنت، وهي طبيبة عيون، تراكمت مشاغلها وهمومها وعُقدها، ترتبط بأخ في حالٍ من البرود والصمت، وتعلَق بزوجٍ هو أيضًا طبيب تشريح، يتواصلُ معها كرها وعنفًا، ولا جامع بينهما روحًا ووجدانًا وتفاعلاً، تتقبّله مراعاةً لأعراف اجتماعيّة، وترتبط بأب هو كفّ الميزان الثاني في الرواية، تراه نموذجًا ونصيرًا، وتتعطَّل صلتها بأمّها وبابنتها، كما تبدو خلوًا من العلاقات الاجتماعيّة ومن الصداقات، في غربةٍ داخل الأسرة وخارجها، وهي بوعيٍ وإرادة وقناعةٍ تستأصل قرنيّات الموتى التي يُمكّنها منها زوجها، لتعيد بها البصر لمن تعطّلت قرنيّات عيونهم.

الصوتُ الثاني الموازي، هو صوتُ الأب، الأب القادم من مرجعيّة وجوديّة قوامها الانكسار والانهزام والتحطّم، هو من شقٍّ في مقاومة الاستعمار الفرنسيّ اتُّهم بالعمالة والتعاون مع المستعمر، وبقيت هذه السمة مرافقة له ولبعضٍ من أصدقائه، ومنه يتكوّن كون من الصلات والشخصيّات والأحداث، ينفتح على عوالم إرث المقاومة، وثمارها، وواقع المجتمع وتحوّلاته، واستدعاء تاريخٍ ماضٍ في الزمن يعود إلى الحرب العالميّة الثانية.

الثنائيّات سمةٌ في الرواية، تُعلن سطْحًا وتكشف باطنًا، صوتان غالبان ومساران مهيمنان، والشخصيّات دومًا تعيش حياتين وواقعين وحالين، الأب المناضل المتّهم بالعمالة، يعيش حياتين، فهو في الأصل مقاوم للاستعمار وفي اعتقاد المنتصرين النافذين من أصدقائه في المقاومة متّهم بالعمالة، ويُعاني من هذه التهمة التي تُخرجه من التواصل الاجتماعي، وتجعله مقصيّا مطاردًا ومطرودًا في الحياة والموت، هو أيضا يعيش حياة تقليديّة مع زوجةٍ لم يرتبط بها عن حبّ ووله، أنجب منها ابنين، وفي الخفاء يهيم بامرأة يحبّها، من بائعات الهوى يتواصل معها وجودًا ووجدانًا ويُقيم معها حياةً، هي السعادة، ويُخصب منها ابنًا يتخلّص منه.

الابن ميلود، يرث الازدواجية ذاتها، وزوج البنت أيضًا، أغلب الشخصيّات تُظهر وتُبطن، وتعيش ثنائيّات يعسر الجمع بينهما. لقد حاول سعيد الخطيبي أن يقول كلّ شيء في الرواية وأن يُعقِّد كلّ الشخصيّات، تراكمٌ من الشخصيّات، وأحداثٌ متعاودةٌ مكرّرة، ولعلّ في ذلك عيب الرواية، أن تَشدّ بحبل ضعيف كلّ الشخصيّات، التي يجد الكاتب لها روابط دوما.

تركيمٌ لمواضيع، بعضها كان من ضمن مشاغل الكاتب في مقالاته الصحفيّة، وبعضها تولّد من طبيعة الموضوع: النسويّة، النفس البوليسي، تاريخ المقاومة وخلافات المقاومين واقتسام الغنائم، دور الدعارة ونساؤها، الآباء والأبناء وممكن الصلات بينهم، الفساد الجنسيّ وما ينخر المجتمع من حالات ناتجة عنه، تجارة الأعضاء البشريّة، الإنسانُ ومنازعه وما يكتمه من حالات صراعٍ مع واقع معقّد، التديُّن المُرهِب، التشدّد الاجتماعي والديني والتاريخيّ، شرعيّة المقاومة وما تطرحه من إشكالات، مواضيعُ عديدة تَوزّع دم الرواية بينها، وشكّلت أحيانًا حشوًا مكرورًا.

الشخصيّتان الأساسيّتان تتّصلان بأسبابٍ وأخبارٍ وأفعالٍ مع كل الشخصيّات التي يُحضرها الكاتب، المحقّق يرتبط مع البنت الطبيبة بسبب أمّه التي عالجتها وأعادت البصر إليها، والأب يرتبط بأمّ المحقّق الذي تحاور معه، وقس على ذلك من روابط اجتهد فيها الكاتب أن يجعل عالم الرواية مشدودًا موصولاً، وهو ما أسقط الرواية في خللين، خلل التكرار، وخلل الإكثار، فأمّا التكرار، فقد بدا واضحًا في استعادة حوادث وصلات وسمات بقيت على حالها مدى الرواية، فالخطّ السرديّ -على سبيل المثال- الذي فرغ فيه الكاتب إلى موضوع المتّهمين بالعمالة للاستعمار وإلى حكاية الغانمين من المقاومة في حرب التحرير الجزائرية قد تعاود بوفرة دون أحداث جديدة، ودون وقائع تغذّي الحكاية، وإن تبدّلت الألسن الراوية، وقس على ذلك الاجتهاد في حكاية الحال، واستبطان الشخصيّات، ورواية المشاعر التي أعتقد أنّ الرواية لم تُوَفَّق فيها، وظنّي أيْضًا أنّ الكاتب أراد أن يجمع بين العين الساردة لأحداثٍ واقعة، ولتحوّلات في المجتمع، ولعادات سائدة، والعين الساردة النافذة لعمق الإنسان، لحكاية باطنه، وما يدور بينه وبينه، ولا غرابة أنّ الكاتب قد صدّر روايته بمقولة لمواطنته يمينة مشاكرة، تقول فيها: «نحن نروي روايات تؤنسنا، لأنّنا نجهل أنفسنا»، ويمينة مشاكرة هي أخصائية نفسيّة وروائيّة و«صاحبة حياة قاسية ومضطربة»، حسب عبارة كاتب ياسين.

وأمّا الإكثار، فبالرغم من تحديد خطّين زمنيين، وبرهتين في تاريخ الجزائر فارقتين (التحرير والإرهاب)، إلاّ أنّ الأحداث بوفْرتها قد غلبت راويها، فاقتصر على السطح منها دون العمق، وعجز عن جعل القارئ يتمثّل الصورة، إذ بقيت الحوادث باهتة والشخصيّات ظلالاً غير مقنعة. خطّ التحقيق الذي جمَّع متفرّق أحداث الرواية وشخصيّاتها، في وجهين وصورتين وصوتين، لم يكن خطّا متينًا، أكثر فيه الراوي من توليد حكايات مبتورة، وعلاقات ساهمت في تشتيت ذهن القارئ، خطٌّ سرديّ أوّل مثّلته البنت طبيبة العيون، التي كان التحقيق في مقتل زوجها عماد حكايتها، ومنه نتجت أحداث بصوتها ورؤيتها، توزّعت فصوله حسب أرقام، وخطٌّ سرديّ ثان، كان عماده التحقيق مع الأب في تهمة قتل زوج ابنته، وعنه أيضًا تولّدت قصص حكايات من منظور الشخصيّة وبصوتها، وتوزّعت فصول هذا الباب إلى ترتيب اعتمد فيه الراوي على التبويب الأبجدي.

إنّ الوعي بالتنويع الأسلوبيّ والعمل على إخراج الرواية من الصوت الواحد والرؤية الواحدة وإثراء الصياغة القصصيّة بالتعديد الروائيّ والمنظوري والاستناد إلى الحوار ركيزةً عنه يتولّد التذكّر واسترجاع الأحداث حكايةَ فعلٍ، أسلوبٌ لا يضمن نجاعة الرواية وحسن تلقّيها، غير أنّ قصور الوصف، وعدم تمثّل الكاتب للحظات الحدثيّة التي يروي وقائعها، وعجزه عن جعْل شخصيّاته ممتلئة، مقنعة، مؤثّرة، قد أضعف تقبّلَ الرواية وأوهن مستواها، وأنا على يقين أنّ التكثيف كان الخيار الأصوبَ، وأنّ الرواية قد أُخرجت في حجمٍ مضاعف عن مستواها الحقّ، فالرواية انتفخت دون حاجةٍ إلى الانتفاخ بسبب العجز عن إجراء الوصف أداةً تُشكِّل جوهرًا مكينًا في الرواية، منه يُمكن الإحساس بالشخصيّات، وبسبب رغبة الكاتب في تجميع الحوادث التي يُحيل قسمٌ كبير منها إلى ظلال في الواقع، من ذلك المدينة المرجع بوسعادة، والتي ترتبط تسمية بنوع من السكاكين الرخيصة والمتداولة، ومنها حوادث الإرهاب في تسعينيات القرن العشرين، ومنها مظاهر تحوّل المجتمع في لحظتين، الأولى بعد الاستقلال والثانية بعد المدّ الديني المتطرّف، ومنها عديد الأحداث المحيلة إلى وقائع في حرب التحرير.

خُلاصة القول، الروايةُ تنوّعت أسلوبًا وصياغةً وصوتًا، وتكدّست مواضيعها وإحالاتها، وقلّ تخييلها وجفّ الوصف فيها، يُمكن لو حُرّرت بجديّة أن ترتقي إلى مصافّ روايات النخبة الجزائريّة.

مواضيعُ شتّى تُشتّت أصل الرواية الذي لم يكن أصلا وكأنّ الكاتب أراد أن يقول كلّ شيء فعجز عن قول الشيء الأساسيّ، وأنهك الرواية، وسطّح شخصيّاتها. لا تبدو رواية أغالب مجرى النهر من الروايات التي يُمكن أن تبقى في ذهن القارئ، والتي يُمكن أن تؤسّس لجيلٍ وارث لجيل الكبار من أعمدة الرواية الجزائريّة.