أنسنة الفعاليات التراثية في المهرجانات.. من صمت المكان إلى سردية الإنسان

08 يونيو 2026
08 يونيو 2026

تطورت فكرة استحداث القرى التراثية في المهرجانات السياحية من مجرد مساحات صامتة إلى فضاءات حية تحاكي رمزية البيئات الجغرافية التي تجسدها القرى المصممة لمحاكاة الواقع وتمثيله للاقتراب أكثر من تفاصيل الأمكنة المتنوعة من بوادي وأرياف وحواضر وسواحل، والتي عمّرها الإنسان القديم المستوطن في هذا المكان الذي سيحمل اسم عُمان. ولذلك لم يعد ممكنا الإبقاء على فكرة عرض الأدوات والإنتاجات التي أبدعها أو اكتشفها الإنسان العماني القديم، بل يتوجب إحياء الأمكنة بالسرد المشوق والحكاية الدالة على سمو الفطرة الإنسانية السمحة الصامدة أمام واقع يتغير باستمرار. لذا يُفضّل إعادة تشكيل الأنشطة التراثية ثقافيا بما يتوافق مع ذائقة إنسان الحاضر لضمان ديمومتها وانتقالها بسلاسة إلى الأجيال القادمة.

إن السائح في الوقت الحالي لم يعد ذلك الزائر المحمل بعدة كتيبات سياحية وخرائط الأمكنة، بل تجاوز فكرة المشاهدة السطحية إلى الإحساس بالأداء المستوحى من تفاصيل الثقافات الغابرة التي تناضل للبقاء في ذاكرة الأجيال، ومن هنا أتت فكرة هذا المقال التي تقترح أنسنة الفعاليات الثقافية والتراثية في المهرجانات السياحية. إذ يُمكِن تحقيق ذلك عبر الاستفادة من مخازن الذكريات المنزوية في ذاكرة أصحاب التجارب والمرجعيات التقليدية لاستخراج ما لديهم من قصص وحكايات يعوّل عليها لتحكي شهادتها على دور الإنسان المعني بالتعمير والبناء. إن الإنسان المبدع هو جوهر التراث؛ فهو الذي يترك الأثر الطيب خلفه، سواء تجسد في عمل مادي شاخص للعيان، أو تمثل في أثر معنوي كالقول والمثل، ليتخلد في الذاكرة ويبقى راسخاً في الأذهان تتناقله الألسن وتتداوله الأجيال.

نتأمل أن تتجسد أنسنة الفعاليات التراثية في مهرجان ظفار السياحي، خاصة في موقع «عودة الماضي»؛ حيث يمكن تحويل الأنشطة المرتبطة بالعادات الاجتماعية والطقوس اليومية إلى تجارب حية تنبض بالحياة بدلاً من عروض صامتة لا تلفت إليها أنظار الزوار، ولا تترك أثرها في ذاكرة السائح الذي يبحث في العادة عن الأنشطة الممتعة التي تثير فضوله وتحرضه على التساؤل والعودة مجددا للمكان.

ولكي نُبلور الفكرة أكثر فإننا نقترح توظيف الإرث الإنساني المتمثل في التفاعل الحي بين مختلف البيئات الظفارية، واستحضار الأنشطة القائمة على تبادل المنافع والمصالح بين فئات المجتمع من خلال عدة مشاهد لمحطات مختلفة، وليكن على سبيل المثال لا الحصر سرد حكاية الإنسان واللبان التي لا تقتصر على المنتج الاقتصادي فحسب، بل تُحاكي جملة من التأثيرات المتبادلة في عدة مجالات متداخلة تقوم على فكرة استخراج اللبان ومراحله المختلفة ورحلة جامعي اللبان ومقايضته بالمنتجات العُمانية الأخرى كالتمور واللومي الصحاري المحمولة على السفن الصورية، مما يُدلل على أواصر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين جنوب الوطن وشماله.

لا يكتمل إحياء الموروث الثقافي والاجتماعي في البيئات الجغرافية إلا باستعراض أشكال الحياة في السواحل والحواضر والأرياف والبوادي؛ ففي السواحل يمكن توظيف الفنون والطقوس المتعلقة بالبحر من الصيد البحري إلى طقوس توديع المسافرين والترحيب بالقادمين إلى المرافئ التي تستقبل المراكب بعد انقضاء موسم الخريف ومجيء فصل «الصرب» والمسمى بموسم الفتوح. أما في المدن فيمكن إحياء دور «البرزة» بوصفها رمزية للاستقرار السياسي، ومكانا للعدالة والمصالحة الاجتماعية إضافة إلى تجسيد دور المساجد في تحفيظ القرآن وتعلم الأبجدية، ولا يكتمل مشهد المدينة العُمانية إلا بوجود السوق جنبا إلى جنب مركز السلطة السياسية المتمثل بالبرزة إضافة إلى الجامع.

أما في البيئة الريفية فيمكن توظيف العادات الاجتماعية المرتبطة بحياة التنقل والترحال سكان الجبال كونها البيئة الأكثر تأثرا بعوامل الطقس وتبدل المناخ؛ فعادة «الخُطّار» الذين ينتقلون بين الأمكنة المختلفة وفي أثناء تنقلهم يقدمون أعمال تطوعية كالمساعدة في بناء المساكن المؤقتة وإصلاح عيون المياه والطرقات والمسالك الترابية.

أما بالنسبة للبادية فرغم الظروف البيئية الصعبة إلا أن الإنسان العُماني استطاع أن يتخذها مصدرا للصناعات التقليدية كالحرف اليدوية وغيرها؛ ولهذا فإن وجود الإنسان الحرفي في البيئة البدوية يحكي عن قصة كفاح الإنسان البدوي في التغلب على الظروف المناخية الصعبة والتكيف معها.

إن أنسنة الفعاليات التراثية تمثل جسرا بين الأجيال، وتحول الفضاءات السياحية إلى متاحف مفتوحة أمام الزوار يطالع من خلالها ملاحم الإنسان العُماني في بيئاته المختلفة؛ ولهذا فلن تبقى القرى التراثية في المهرجانات السياحية مجرد مجسمات صامتة، بل حكايات إنسانية ذات قيم ودلالات عميقة تتوغل عميقا في ذاكرة الزوار.

محمد الشحري كاتب وروائي عُماني