أظافر مستفزة على تويتر
17 مارس 2026
17 مارس 2026
حذفتْ إدارة تويتر «إكس» -أصر على تسميته بذلك كنوعٍ من المقاومة- حسابي على المنصة قبل عام بالضبط، بسبب منشوراتي عن غزة. تركتُ الحساب وعمره عشر سنوات بكثير من الحسرة، إذ إنني وعلى مدار تلك الأعوام دونتُ عن الكتب التي قرأت، وتحدثتُ عما يشغلني خصوصًا وقت الأزمات الشخصية والعامة، كان ذلك الحساب بمثابة دفتر مذكرات كما يحلو لي دومًا تسميته. تابعني على الحساب حوالي ٢٥ ألفًا. تعرفتُ عبره عشرات الأصدقاء، أخذتُ عشرات توصيات الكتب والأفلام من خلاله، ناقشتُ ودخلتُ في جدالات غيرتني أو أمسكت بيدي في لحظة احتجتُ فيها للثبات على مبادئي. كنتُ حزينة للغاية لفقدانه، ومازلتُ أمني النفس باستعادته حتى اللحظة.
عدتُ للمنصة قبل شهر من الآن تقريبًا، للأسباب نفسها التي حببتني فيها. لم أضع شيئًا في صفحة التعريف عن نفسي سوى كلمة واحدة فقط «أقرأ». واصلتُ التدوين عن الكتب إذن، ومشاركة مقاطع منها، لكنني فوجئتُ بعدائية فجة من المتابعين، هذا ولم يصل عددهم خلال شهر واحد إلى ألف متابع بعد، شتموني ولم أكن قد نشرتُ ما يستدعي ذلك فعلًا، إحداهن شتمتني بسبب من أظفري الظاهر في الصورة التي أحملُ فيها الكتاب، آخرون لأنني صورتُ كتابًا، تفاجأتُ كثيرًا لذلك.
سمعتُ وشاهدتُ على المنصات الأخرى والتي نادرًا ما أدخلها وأتفاعل معها، من أن تويتر تحديدًا مكانٌ سام. الجميع غاضبون وعدائيون، لا يمكن أن لا تستفز أحدًا هناك، لكنني ظننتُ أنها تعليقات على منصات تعتمد على الكتابة، يبدو ذلك تقليديًا ومملًا لجيل اعتاد على الفيديو، معظم مقاطع تيك توك هي تمثيل وأداء المشارك على إيقاع أغنية رائجة. بالمناسبة تيك توك ليس هذا فحسب، لا أريد أن أبدو كمن يزدري الأجيال الجديدة وتفضيلاتهم، هنالك الكثير مما يمكن تعلمه هناك، شخصيًا ومع أحداث الحرب المجنونة حاليًا، أشاهدُ صحفيين مستقلين في لبنان وإيران، خصوصًا هذه الأخيرة التي لا تصلنا أخبارها إلا مفلترة. كنتُ مخطئة إذن في تقديري لموقفهم من المنصة. تويتر مكان فظيع حقًا. لولا أنه كذلك أصلًا لما خسرتُ تغريداتي بسبب منشورات عن غزة. لكنه أفظع الآن! والسبب يعود لاعتمادها بصورة خاصة على التفاعل السلبي بين المدونين، تلقي بك الخوارزميات بين أولئك الذين سيتنمرون -ولا أحب استخدام هذه الكلمة- على أي شيء تقوله حتى لو أن أظفرك اقتحم الصورة قسرًا لأنك تحملُ كتابًا تلتقطُ صورته.
دفعني ذلك للرجوع للدراسات الحديثة التي حللت محتوى تويتر وآليات عمل خوارزمياته والتي يقال إنها مصممة على الدفع بهذا المحتوى العدائي. والذي تظهر فيه منشوراتي مستفزة لمجموعة من المدونين. تقول بعض الدراسات أن المنصة ليست مصممة للاستفزاز بحد ذاته، بل لتعظيم التفاعل (engagement). لكن ما تكشفه هو أن هذا المنطق نفسه يقود إلى نتيجة مختلفة: فالمحتوى الغاضب والاستفزازي يحقق مستويات أعلى من التفاعل، ولذلك تميل الخوارزميات إلى تضخيمه وإعادة إنتاجه بشكل مستمر. بهذا المعنى، لا يعود الاستفزاز خيارًا مقصودًا في التصميم، بقدر ما يظهر كأثر بنيوي له؛ إذ يكفي أن تكافئ المنصة ما ينتشر، حتى تجد نفسها تعيد إنتاج أكثر أشكاله حدة وانتشارًا. لكنني أشكُ في ذلك يبدو لي أنه ومع أدوات الذكاء الاصطناعي واصطفاء المحتوى والقدرة على فهمه وإن بشكل محدود فإن هذه المنصات مصممة بوضوح وبقصدية على الدفع بأفكار متضاربة وميول وتحيزات متباينة بين المستخدمين.
بدوره يكتب ناثان ج. روبنسون رئيس تحرير مجلة «كرنت افيرز» في مقالته “How Big Tech Killed Online Debate” ، منطلقا من مفارقة يعترف بها صراحة إدراك أن كسب معركة الأفكار لا يعني كسب الصراع الطبقي، وأن القلم لا يضاهي السيف، مع ذلك يخشى العيش في عالم يعجز فيه الناس عن خوض نقاشات عميقة. يستعيد روبنسون لحظة سابقة من الإنترنت، حين كانت المنصات، خصوصا فيسبوك والمدونات، فضاءً لنقاشاتٍ طويلة وممتدة لأيامٍ حول السياسة والدين والجندر والاقتصاد، وحين كانت المنتديات، تعج بجدالات حادة تصل حد تفكيك الحجج سطرًا سطرًا. وحتى النقاشات التي وصفها حينها بالعبثية، مثل جدالات «الإلحاد الجديد» والتي كانت ضمن نقاشات موسعة عن الدين ورغم طبيعتها الهزلية، إلا أنها كانت دليلًا على حيوية التفاعل، والرغبة في التفكير الجماعي. وقد أكون بدوري صغيرة مقارنة بالمرحلة التي تحدث عنها روبنسون، إذ لم أعايش حيوية المنتديات، لكنني أنا نفسي امتلكتُ مدونة أنشرُ فيها مطولات من النصوص والمقالات، وتأثرتُ بكثير من المدونات خصوصًا فترة الربيع العربي.
تزامن بحسب روبنسون غياب النقاش على المنصات الجديدة وأن المستخدمين لم يعودوا معنيين بالدفاع عن أفكارهم أو اختبارها أمام الآخرين مع صعود دونالد ترامب وبروز تويتر وإنستجرام وتيك توك منصات مفضلة للتواصل الاجتماعي. توقف الكثيرون عن عناء الدفاع عن أفكارهم أمام من يخالفهم الرأي. وجفّت النقاشات. لم يكن هذا عفويًا، بل نتيجة هندسة قامت بها شركات التكنولوجيا الكبرى التي أعادت تشكيل بيئة التعبير، مفضّلةً المحتوى السريع والقصير على الكتابة المطولة. ها هو ترامب يظهر تمثيلًا لهذا العالم الجديد، بوصفه «نتاج تويتر» الذي يعبّر عبر ومضات من الغضب أو التباهي باقتضاب، في فضاء تتراجع فيه قيمة الفكرة لصالح التعبير اللحظي. أفكر بدوري أيضًا أن كثيرًا من أحداث الحرب الحالية تُدار عبر تويتر، عندما عبرَ مسؤول أمريكي عن إذلال الإيرانيين بعد اعتذار الرئيس الإيراني عن قصف أهداف في الدول الجارة، عادت صفارات الإنذار لتدوي سريعًا في هذه الدول بعد تلك المنشورات.
ورغم أن روبنسون كان يميل سابقًا إلى التقليل من أهمية الجدل النظري في وقت الأزمات كما كتبتُ أعلاه، إذ إنه يفضل الفعل السياسي المباشر، فإنه يعترف اليوم بنوع من الحنين إلى النقاش ذاته. لا بوصفه بديلًا عن الفعل، بل شرط من شروطه، إذ يجد نفسه يعود إلى كتب الفلسفة السياسية وأسئلتها الأساسية حول العدالة والضرائب وغيرها، وكأن ما فُقد ليس مجرد شكل من أشكال النقاش، بل قدرة كاملة على التفكير الجماعي. يكتب «من المُثير للسخرية أنني في الواقع أتراجع عن موقفٍ كنتُ أتبناه، لأن الحقائق من حولي قد تغيرت. قبل بضع سنوات، كنتُ أناقش مسألة ما إذا كان يُمكن تبرير الفلسفة في أوقات الأزمات. بمعنى آخر: عندما يتصاعد الاستبداد، ألا ينبغي لنا أن نخرج إلى الشوارع لنقاوم، لا أن نجلس في حلقات قراءة كتابات رأس المال أو نناقش مسائل مثل: ما هي العدالة؟ أو ما هو المعدل الأمثل للضرائب؟ وما زلت أؤمن بأن الأوقات السياسية الحرجة تستدعي نشاطًا فاعلًا، وأن الانسحاب من السياسة ليس مقبولًا أخلاقيًا. لكنني أجد نفسي أيضًا أتوق إلى النقاش مجددًا».
روبنسون لا يقول إن الاختزال بحد ذاته مشكلة تويتر مثلًا، شخصيًا لو أن هذا ما يقصده لنفرتُ منه ووضعته في خانة المحافظين، مزدري الوسائط الجديدة والأجيال الجديدة. كما لا يمكن نسيان أن تويتر نفسها أتاحت بالاشتراك المدفوع كتابة النصوص المطولة. في الحقيقة فإن روبنسون يرى مثلي أن بإمكان فيسبوك أو تويتر تشجيع مستخدميهما على الانضمام إلى مجموعات قراءة، إذا قلنا إنها تعودهم على القراءة المختزلة والسريعة، بإمكانها اقتراح كتب قد تُعجبهم، وإعطاء الأولوية لمراجعات الكتب والمقالات في موجز الأخبار. بدلًا من ذلك، ولأن إيلون ماسك الطفل كما يصفه روبنسون غير قادر على التفكير بعمق يتجاوز تغريدة واحدة، ها نحن ذا انجرفنا جميعًا إلى هذا العالم.
أفكر أيضًا أن الأمر لا يقتصر على دور الشركات مالكة هذه المنصات في هندسة هذا الفضاء الجديد فحسب، بل يعود ذلك إلى حالة من فقدان الأمل، عدمية نتجت عن فشل كل الأحلام التي تبناها المستخدمون منذ إطلاق هذه المنصات. أمنيات التفاعل الحر في زمن تمكن فيه أصحاب رؤوس الأموال من امتلاك كل وسائل الإعلام التقليدية ولعب دور حراس البوابة على كل ما يمر لنا. خصوصًا وأن هذه المنصات التي دفعت الناس للخروج إلى الشوارع، صادرتها الحكومات المستبدة نفسها والتي تعلمت الدرس بصعوبة بالغة. وإذا كانت المظاهرات التي خرجت في بعض المدن العربية عام ٢٠١١ بدأت من هذه المنصات، فإنها اليوم إما منصات لرثاء ذلك الخيار الذي بدا أحمق بالنسبة لمن صنعه من الجماهير، أو شاهدًا على غيابهم في حساباتهم المهجورة بلا منشور وداع واحد.
الكارثة أن لا مكان سيعوض ذلك. إننا ومع الحروب التي بلغت ذروتها في أكتوبر ٢٠٢٣ في إبادة الغزيين على الهواء مباشرة كما بثت هذه المنصات نفسها، ثم حذفها ورقابتها وتقويضها المشاركة لما يحدث في غزة، وعجزنا نحن الذين تعجبنا من عالم لا يكترث بهذا بل ويرانا حيوانات بربرية تستحق ذلك القتل، آمنا بأنه «عالم ليس لنا» حتى في الفضاءات التي سُميت يومًا بالافتراضية، قبل أن تصبح موازية لفضاءات نتحرك فيها يوميًا في الواقع. إنه «عالم ليس لنا» في كل مكان. فخبئوا أظافركم وإذا ما أردتم بذل مزيد من الجهد الضائع لمقاومة ذلك، ضعوا صورة الغلاف فقط بلا خلفية ولا تحملوه بأيديكم، لكنني لا أضمن أن لون الغلاف أو جودة الصورة، أو نوع الخط في الغلاف لن يكون مستفزًا لآخرين.
أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية
