إزالة الكربون تصب في مصلحة القطاع الصناعي
وحتى في أوروبا التي طالما كانت رائدة في سياسات مكافحة تغيّر المناخ يجري تأجيل المواعيد النهائية المحددة لتنفيذ الالتزامات المناخية، وتخفيف متطلبات الامتثال لها مع إعطاء الأولوية لتحديات أخرى، مثل: الحرب في أوكرانيا.
وعلى مدى العام الماضي درس فريقنا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن كثب الشركات متعددة الجنسيات التي تمضي في تنفيذ استراتيجيات لإزالة الكربون من أنشطتها الصناعية رغم التحديات المعاكسة على الصعيد العالمي.
وما وجدناه في كثير من الحالات هو أن هذه الشركات تنجح في زيادة إنتاجيتها، وتسريع نمو إيراداتها، وخفض انبعاثاتها في الوقت نفسه.
وقد أتاح ذلك بدوره جعل زيادة الإنفاق على إزالة الكربون مقبولة لدى الإدارة العليا ومديري المصانع.
وفي هذه الحالة لم تؤدِّ الحوافز الرامية إلى تشجيع استخدام الطاقة النظيفة إلى خفض الانبعاثات فحسب، وإنما أسفرت أيضا عن إنتاج منتجات خضراء أعلى جودة وبأسعار تنافسية لصالح المستهلكين الذين سيختارون عند تساوي العوامل الأخرى الخيار الأكثر مراعاة للبيئة.
وتواجه هاتان الشركتان صعوبة في المنافسة المباشرة مع كبار المنتجين المهيمنين على الأسواق العالمية نتيجة مجموعة من العوامل من بينها انخفاض المعايير البيئية ومعايير العمل لدى بعض المنافسين.
غير أنهما تعملان في إطار القواعد التي تفرضها آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي، والتشريعات المعمول بها في ولاية كاليفورنيا لدعم إنتاج الأسمنت المحلي على الابتكار وتطوير تقنيات إنتاج نظيفة للحفاظ على قدرتهما التنافسية على المدى الطويل.
وتنطلق الاستراتيجيات التي تتبناها كلتا الشركتين من إدراك أن تغيّر المناخ قضية تمتد آثارها عبر الأجيال، وأن الحكومات والشركات ستجد نفسها مضطرة إلى التعامل معها عاجلا أم آجلا.
وهذه هي تحديدا الاستراتيجيات التي نحتاج إليها؛ لأن المبادرات الخضراء لم يعد من الممكن المضي في تنفيذها بمعزل عن الاعتبارات المرتبطة بالنمو والأمن والقدرة التنافسية.
وهذا النهج هو ما يتيح لها الاستثمار في تقنيات أعلى تكلفة عندما تسمح وفورات الحجم، أو السياسات الحكومية الداعمة، أو كلاهما معا بالمضي في إزالة الكربون من عملياتها الإنتاجية.
وفي الولايات المتحدة تشير تقديرات حديثة إلى أن ثلاثة أرباع قدرات إنتاج الطاقة النظيفة التي كانت قيد التطوير قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستُنشأ رغم ذلك.
كما سيظل من الممكن تحقيق ثلثي التخفيضات المتوقعة في الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء.
غير أن الشركات تدرك فوائد التحول نحو الطاقة النظيفة حتى في غياب هذه العلاوة؛ فالمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة وتكاليفها، فضلا عن ردود الفعل الشعبية الغاضبة إزاء استهلاك مراكز البيانات للطاقة، تشكّل جميعها عوامل داعمة للشركات التي تتجه نحو تقليص بصمتها البيئية.
وتفيد الشركات أيضا بأن التزامها بخفض الانبعاثات يساعدها على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
غير أن الزخم المتنامي لإزالة الكربون من القطاع الصناعي حقيقة لا تقل وضوحا؛ فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة ستصبح الظواهر الجوية الكارثية أكثر تواترا وشدة.
وتدرك الشركات التي تستشرف المستقبل أن الابتكار في مجالات التصنيع المتقدم والطاقة النظيفة بدعم من الذكاء الاصطناعي والروبوتات يتيح فرصا لبناء عمليات إنتاجية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود واستدامة.
كما تدرك أن اهتمام عملائها والمجتمعات التي تعمل فيها وموظفيها بالطاقة النظيفة لا ينفك يتزايد.
وعندئذ سيكون بوسعنا البناء على جميع الاستراتيجيات التي بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، ومواءمة مصالح القطاعين العام والخاص حول الأهداف المشتركة المتمثلة في النمو والقدرة التنافسية والأمن.
