هل يتسبب الذكاء الاصطناعي أو الدَّين العام في انهيار الأسواق؟
02 نوفمبر 2026
02 نوفمبر 2026
الإيكونومست - ترجمة: قاسم مكي
يحوم شَبَحَان في الأسواق المالية: أحدهما الخوف من أن يفاقم الارتفاع المتزايد لعوائد السندات أوضاعَ المالية العامة المهتزة في بلدان العالم الغني، ويطلق بالتالي أزمة مالية بالغة السوء.
أما الشبح الثاني فهو القلق من عدم تحقُّق الإيرادات المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي واللازمة لاستدامة ازدهار مراكز البيانات؛ فذلك سيزلزل أسواق الائتمان، ويتسبب في انهيار كبير في أسعار الأسهم أيضا.
الأمر الجيد هو أن من تعشعش في ذهنه الأشباح فقط هو الذي يعتقد أن كلا هذين السيناريوهَيْن يمكن أن يحدثا في نفس الوقت. على المستثمرين بدلا عن ذلك تحديد أيهما أكثر إثارة للرعب. أما مجلة الإيكونومست فهي في الوقت الحالي أكثر قلقا بشأن الدَّين السيادي.
خلال معظم هذا العام طغت المخاوف بشأن ديون الحكومات؛ ففي الفترة بين نهاية فبراير وبداية أكتوبر ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لمدة 30 عاما بنقطة مئوية كاملة.
لقد تسببت حرب إيران في ارتفاع التضخم، وأجبرت البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة. وأطلق النمو الاقتصادي القوي والاندفاع لبناء مراكز البيانات تدافعا على رأس المال ألزم الحكومات منافسة القطاع الخاص للحصول عليه.
في اليابان وبريطانيا وخصوصا فرنسا تخوف المستثمرون من قدرة الحكومات على خدمة ديونها.
لكن في الأسابيع الأخيرة أثار احتمال انتهاء ازدهار الذكاء الاصطناعي المزيدَ من الرعب في الأسواق؛ فالسندات لأجل 5 سنوات التي تصدِرها «كورويف»، وهي شركة حوسبة سحابية حديثة تؤجر مراكز البيانات لشركات الذكاء الاصطناعي، يتم تداولها عند عائد يبلغ 15% ارتفاعا من 10% في يوليو.
هبط سهم الشركة بحوالي الثلث في شهر سبتمبر؛ فتباطؤ نمو إيرادات شركة «انثروبيك» المُورِّدة لنماذج الذكاء الاصطناعي أثار قلق المستثمرين من ألا تحصل شركة كورويف ونظيراتها على التدفقات النقدية السائلة التي تحتاجها، أو على الأقل لا تصل بالسرعة الكافية للوفاء بحقوق دائنيها.
يعني «التمويل المترابط» أن الضرر يمكنه الانتشار بسرعة عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي وصناديق الائتمان الخاص، وأيضا شركات التأمين التي تحتفظ بقدر هائل من ديون مراكز البيانات. نتيجة لذلك ارتفعت أسعار العديد من السندات السيادية.
لم تكن هنالك انفراجة تذكر لفرنسا التي فاقمت فيها أعمالُ الشغب أزمةً سياسية أو بريطانيا التي أثارت فيها الموازنة القادمة توتر المستثمرين. (أعلن وزير الخزانة البريطاني الميزانية يوم 28 أكتوبر، وقوبلت بارتياح حذر حسب بعض المعلقين- المترجم.) لكن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات انخفضت بخُمْس نقطة (20 نقطة أساس).
يهرب المستثمرون في العادة إلى ملاذ السندات الأمريكية عند تراجع النمو الاقتصادي وهبوط أسواق المال. أما في البلدان الأخرى فمع تباطؤ الاستثمار في مراكز البيانات سيخفف الانهيار في قطاع الذكاء الاصطناعي التدافع نحو رأس المال، وسيدفع البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، وييسِّر بذلك خدمة الدين.
فقط في حالة وقوع انهيار كبير وشبيه بالأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008 يمكن أن يصطدم هذان الخطران. (خطر شح التدفقات النقدية لشركات الذكاء الاصطناعي، وعجز شركات الحوسبة الحديثة عن سداد ديونها للمستثمرين-المترجم).
تتجاوز نفقات الحكومات إيراداتها سلفا وبما يكفي لجعل الركود العميق عجوزاتِ الموازنة تبدو مرعبة حقا من خلال تسببه في انهيار الإيرادات الضريبية، وزيادة الإنفاق على الرفاه.
إلى ذلك قد ترتفع العوائد على السندات طويلة الأجل في تزامن مع هبوط أسعار الفائدة قصيرة الأجل. وهذا عَرَض سيئ لهزال المالية العامة الذي يصيب أحيانا بعض البلدان الصاعدة. وهذا لم يحدث أثناء الأزمة المالية العالمية، لكن نقطة الأساس للدين والعجوزات اليوم أعلى.
لحسن الحظ لا يوجد سبب لتوقع مثل هذا الانهيار العميق. صحيح يكشف تاريخ التمويل أن التقنيات الجديدة والمفيدة كثيرا ما تجلب ازدهارا وانهيارا.
كما أصبحت شبكة تمويل صناعة الذكاء الاصطناعي معقَّدة، لكن روابطها المتداخلة مفهومة على نحو أفضل من تعقيدات ومتاهة الأوراق المالية في سوق العقارات عام 2007.
البنوك في وضع أكثر أمانا أيضا.
وعلى الرغم من أنها مكشوفة للذكاء الاصطناعي عبر إقراضها لشركات الائتمان الخاص، إلا أن ميزانياتها العمومية أقل هشاشة وتخضع لمراقبة أفضل. والركيزة المالية التي تستند عليها صناعة الذكاء الاصطناعي في معظمها هي شركة الرقائق «انفيديا» بأموالها النقدية الضخمة.
الأهم أن أصول الذكاء الاصطناعي رغم تشكيلها شريحة كبيرة من مؤشرات أسهم عديدة، إلا أنها جزء أصغر من ثروة العائلات مقارنة بالمنازل.
نتيجة لذلك تظل فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات الأقرب شبها بهشاشات الذكاء الاصطناعي الحالية؛ فعندما انفجرت في عام 2000 سببت شركات الإنترنت التي انهارت أسعارها ركودا طفيفا فقط. كما انخفضت عوائد السندات أيضا وتماسك نمو الإنتاجية الأساسي. في الواقع من الصعب أن يحل مثل هذا السيناريو مشكلات موازنات الحكومات في الأجل الطويل، لكنه ربما يتلافاها.
اقتصادات العديد من البلدان خلاف أمريكا أقل تأثرا بازدهار الذكاء الاصطناعي من تأثرها بعوائد السندات؛ فهبوط النمو بأقل من هبوط أسعار الفائدة سيجعل الديون القديمة أخف عبئا. سيزداد عجز الولايات المتحدة في أوضاع الركود، ولكن ستزداد أيضا شهية العالم للاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية لأن الدولار عملة احتياط العالم.
بالمقابل إذا تسببت أسعار الفائدة المرتفعة في انفجار الدين السيادي فستكون العواقب وخيمة حقا؛ فإذا فقد المستثمرون الثقة في سندات الخزانة هُددت المكانة القيِّمة للدولار كملاذ.
وكما تكتشف فرنسا يمكن أن تقود محاولة سد العجوزات الكبيرة في ظل الضغوط إلى عدم استقرار سياسي. وقد تفضِّل الحكومات التخلص من الدين بالتضخم بدلا عن سداده، وذلك يمكن أن يهدد الاستقرار الذي تعتمد عليه كل أنواع الاستثمار.
في الواقع انهيار الذكاء الاصطناعي على نحو مماثل لانهيار الإنترنت يمكن جدا أن يكون أفضل وأرحم في نظر المستثمرين من الهروب الجماعي من دين سيادي لاقتصادٍ متقدم وكبير.
