الانتماء المعلّق والاغتراب الوظيفي المكاني
01 نوفمبر 2026
01 نوفمبر 2026
تواجه المؤسسات الحكومية في كثير من الدول تحديا يتمثل في توزيع الكفاءات البشرية على مختلف المناطق الجغرافية بما يحقق العدالة التنموية واستمرارية الخدمات العامة.
غير أن هذا التوزيع قد ينتج ظاهرة يمكن تسميتها بـ «الاغتراب الوظيفي المكاني» عندما لا يرافقه بعدٌ اجتماعي وإنساني، وهي حالة يعيشها الموظف المعين خارج منطقته الأصلية فيجد نفسه بين انتماءين متنازعين: انتماء يتآكل تدريجيا تجاه مجتمعه الأصلي، وانتماء لا يكتمل تجاه مجتمع العمل، ولا تقتصر هذه الظاهرة على البعد الجغرافي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية ومؤسسية تؤثر في جودة الحياة، والرضا الوظيفي، والاندماج المجتمعي، والكفاءة التنظيمية على المدى الطويل.
هذه الظاهرة ليست مجرد قضية نقل أو مسافات أو طرق طويلة، بل هي قضية مرتبطة بالانتماء والهوية والعدالة الاجتماعية والاعتراف الإنساني، وترتبط بعدة عوامل، من أبرزها التعيين طويل الأمد بعيدا عن المكان الأصلي، وإرهاق التنقل المستمر، وضعف الاندماج الاجتماعي في بيئة العمل الجديدة، إلى جانب غياب السياسات المؤسسية التي تراعي الأبعاد الإنسانية للتوزيع الجغرافي للموظفين. كل ذلك يؤدي إلى نشوء حالة من «الانتماء المعلّق» يشعر فيها الموظف بأنه ليس جزءا كاملا من المجتمع الذي يخدمه، ولا حاضرا بصورة فاعلة في مجتمعه الأصلي، ومن منظور علم الاجتماع، فإن الإنسان لا يحتاج إلى العمل والدخل المادي فحسب، بل يحتاج أيضا إلى الاعتراف الاجتماعي والشعور بالانتماء عناصر رئيسة في تكوين الهوية الفردية والجمعية.
إن الإشكالية في هذه الظاهرة لا تتعلق بالكفاءة أو الإنجاز، بل بما يسميه عالم الاجتماع الألماني Axel Honneth «الاعتراف الاجتماعي» أي حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأن مساهمته معترف بها من الجماعة التي يخدمها، والاعتراف الاجتماعي هنا ينبغي تضمنه ثلاثة مستويات من الاعتراف: الاعتراف العاطفي والاعتراف القانوني والتقدير الاجتماعي، وقد يكبر الشعور بالاغتراب الوظيفي حين يكون الموظف صاحب خبرة مؤثرة كميا ونوعيا في المؤسسة والمجتمع المحلي، لكنه مع ذلك يشعر بأنه «من خارج المنطقة» ولا تمنحه مساهماته المكانة الرمزية نفسها التي يتمتع بها أبناء المنطقة، وهنا ينشأ ما يسميه هونيث «جرح الاعتراف».
ويمكن تصوير حالة الاغتراب الوظيفي المكاني بعيدا عن الاعتراف الاجتماعي رمزيا بشخصية عنترة بن شداد التاريخية في مدى استعداد القبيلة بالاعتراف بمكانته الإنسانية والاجتماعية؛ فالمعنى هنا لا يتمثل في بطولاته العسكرية بقدر ما يتمثل في معضلة الاعتراف الاجتماعي به، بعد اعتراف القبيلة بشجاعته وقدرته على حمايتها في أوقات الخطر مع تعليق وتعطيل منحه المكانة الاجتماعية التي تتناسب مع عطائه.
إن المجتمعات والمؤسسات لا تُقاس بقدرتها على توظيف الكفاءات وحسب، وإنما بقدرتها على دمجها وتمكينها ومنحها الشعور بالانتماء؛ فالعدالة المؤسسية لا تعني مجرد المساواة في الرواتب والترقيات (إن تحققت) بل تتجاوزها لتوفير بيئة يشعر فيها الموظف بأنه عضو أصيل في المؤسسة والمجتمع الذي يخدمه ويعيش فيه، وعندما يتحقق هذا الاعتراف يتحول الموظف من مجرد مؤدٍ للواجب إلى شريك حقيقي في التنمية.
أما عندما يبقى «فارس الحروب في الميدان وغريبا عند الغنائم في الديوان» فإن المؤسسة امتصت عمره وجهده دون منحه المقابل المعنوي الذي يحتاجه كل إنسان: الاعتراف والانتماء؛ ومن هذا المنظور يصبح الموظف أشبه بـ«عنترة وظيفي»؛ مطلوباً في ميادين العمل والإنجاز، مستشعرا انتماءه الناقص أبدا حيث لا يزال محل اختبار مستمر.
ومن مكامن الخطر في هذه الظاهرة إعادة إنتاج الغربة كموروث إداري؛ حيث تتحول بعض المؤسسات وبعض المسؤولين دون قصد إلى منتج لهذه الغربة.
فالمدير الذي عانى سابقا من ظروف مماثلة قد يرى أن ما مر به يجب أن يمر به الآخرون. وبدلا من البحث عن حلول أكثر إنسانية، يعاد إنتاج المعاناة تحت شعارات مثل «تحملنا في الماضي ما هو أصعب»،«الجميع مر بهذه الظروف»، «هذه طبيعة العمل» وهنا تتحول المشكلة من حالة فردية إلى ثقافة مؤسسية راسخة.
ختاما: من الإنسان منطلقا للتنمية المستدامة لا بد من العناية بمعالجة هذه الظاهرة وتطويقها عبر تبني سياسات مؤسسية أكثر حساسية للأبعاد الاجتماعية للعمل؛ متضمنة تطوير أنظمة نقل وترقيات عادلة وشفافة، تقديم حوافز للعاملين في المناطق البعيدة، تعزيز برامج الاندماج المجتمعي، وإدماج مؤشرات جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي ضمن سياسات الموارد البشرية؛ فالتنمية المستدامة لا تقوم على توظيف الكفاءات فحسب، بل على ضمان شعورها بالانتماء والاعتراف والعدالة.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
