استمرؤوا الفتنة..
فالوشاية بين طرفين فتنة، وهي أقل حدة من الخيانة بين ذات الطرفين؛ فالنتائج المترتبة من حصول الفعلين لإشعال الفتنة لن يكون سلامًا في الأولى، وحربًا في الثانية؛ فكلاهما يشعلان حربًا ضروسًا بين طرفين ربما كانا في زمن قبل الفتنة واحتيْ سلام وأمن واستقرار.
والأمر لن يتوقف مع هذا النوع من الصور المحفزة للفتنة؛ فهناك مظانّ النفس نحو الأطماع الذاتية، ونحو التميز، ونحو الاستحواذ على ما في يد الغير، وعلى الترجل عن امتطاء القيم والأعراف والنظم والقوانين التي تنظم العلاقات بين الأفراد بما يحقق العدالة والأمن والطمأنينة بينهم؛ فالتمسك بكل ذلك معناه لجم للفتن.
ولذلك يلتف من يذهب إلى إثارة الفتن عن هذه الضوابط الحاكمة لتحقيق مآربه من افتعال فتنة ما في البيئة التي هو فيها، خاصة إذا شعر أن البيئة خصبة لذلك من خلال أفراد ينقصهم الوعي بمضار الفتن وخطورتها الكبيرة على الأمن الاجتماعي.
ومعنى هذا فالفتنة ليست مكونًا بيولوجيًا تلعب فيه الفطرة دورًا محوريًا، بمعنى أن حضور الفتنة في السلوك الفردي حاصل بسبب أو بدون سبب، وإنما هي موقوفة على مجموعة من الظروف - كما جاء أعلاه- التي يمر بها الفرد فتفقده شيئًا من التمسك بالقيم الضابطة لنزاعات النفس وأهوائها.
ولذلك لا تشكل الفتن العمود الرئيسي للخلافات والمشاكل القائمة بين الناس؛ فهناك ممارسات كثيرة من شأنها أن تؤزم العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، ولكن خطورة الفتنة أنها توقد تحت نار هادئة، وبعيدًا عن الرقابة النظرية المباشرة، كما أنها تنتشر بصورة مفاجئة دون استعداد مسبق للطرف المستقبل.
وهنا يكون الوجع أقسى، وإن تم تدارك الضرر عن استفحاله وانتشاره، خاصة عندما يتبنى الفتنة من الدائرة الضيقة للفرد. ولأجل الحد من استفحال وانتشار الفتن يأتي النداء الرباني الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6).
ومتى تم تحييد مثل هذه البيئات بفعل وعي الأفراد، كان ذلك إيذانًا بوأد الكثير من الفتن التي يسعى البعض إلى تأجيجها بقصد أو بغير قصد.
