يستثقل المعنى اللغوي -غالبًا- قبل الدلالي مفهوم الفتنة؛ لحجم السلوك القاسي في تنفيذها، وللنتائج المترتبة على السلوك ذاته؛ فهي ليست واحة للسلام، ولا مظنة للاطمئنان. ولأجل ذلك يحرص على تفعيلها المنهزمون نفسيًا، ويوظفها شراذم المحتلين في عبر أجنداتهم القذرة لتحقيق مآربهم الخاصة.
ولذلك فهؤلاء لا يفرقون بين الظلم والعدل، أو بين الصدق والكذب، أو بين الحياة والموت، فهم يمتطون نقائض القيم السامية لتحقيق مآربهم القذرة.
ولذلك تشهد كل العصور الإنسانية توهج الفتن بين الأمة الإنسانية التي توصف بالعقل، ولا تفريق بين الأمم فيما بعد؛ فكلها تشترك في تسويد إنسانيتها، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، مع وجود الاستثناءات التي تقلل من النسب المطلقة للأفعال والممارسات، مع التأكيد أن تدرج مستويات الفتنة لا يغير كثيرًا في مفهوم الدلالات المصاحبة لها.
فالوشاية بين طرفين فتنة، وهي أقل حدة من الخيانة بين ذات الطرفين؛ فالنتائج المترتبة من حصول الفعلين لإشعال الفتنة لن يكون سلامًا في الأولى، وحربًا في الثانية؛ فكلاهما يشعلان حربًا ضروسًا بين طرفين ربما كانا في زمن قبل الفتنة واحتيْ سلام وأمن واستقرار.
المشكلة الكبرى في مفهوم الفتنة أنها لا تتقادم مع مرور الزمن لتؤول إلى زوال إطلاقًا، فهي متجددة بتجدد أدوات العصر وظروفه.
وهذه الحقيقة مصداقًا لما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن أبي هريرة -: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا». وعروض الدنيا مزدهرة ومتنامية ومتنوعة، وكلما قطعت البشرية عمرًا زمنيًا متراكمًا، أنتجت أنواعًا لا أول لها ولا آخر من الفتن (ما ظهر وما بطن).
لن يكون الأمر يسيرًا أن ينحاز الفرد نحو الفتنة إلا لأسباب متعددة تخرجه من محيطه المستقر الآمن، لتسلمه إلى بيئة قاسية يتسيّدها العنف، ويكون هذا الفرد أحد الذين تعرضوا لشيء من هذا العنف.
والأمر لن يتوقف مع هذا النوع من الصور المحفزة للفتنة؛ فهناك مظانّ النفس نحو الأطماع الذاتية، ونحو التميز، ونحو الاستحواذ على ما في يد الغير، وعلى الترجل عن امتطاء القيم والأعراف والنظم والقوانين التي تنظم العلاقات بين الأفراد بما يحقق العدالة والأمن والطمأنينة بينهم؛ فالتمسك بكل ذلك معناه لجم للفتن.
ولذلك يلتف من يذهب إلى إثارة الفتن عن هذه الضوابط الحاكمة لتحقيق مآربه من افتعال فتنة ما في البيئة التي هو فيها، خاصة إذا شعر أن البيئة خصبة لذلك من خلال أفراد ينقصهم الوعي بمضار الفتن وخطورتها الكبيرة على الأمن الاجتماعي.
تحضر الفتنة في الثقافة الاجتماعية كأحد المخرجات المهمة للبيئة الأسرية أو المحيط الاجتماعي.
ومعنى هذا فالفتنة ليست مكونًا بيولوجيًا تلعب فيه الفطرة دورًا محوريًا، بمعنى أن حضور الفتنة في السلوك الفردي حاصل بسبب أو بدون سبب، وإنما هي موقوفة على مجموعة من الظروف - كما جاء أعلاه- التي يمر بها الفرد فتفقده شيئًا من التمسك بالقيم الضابطة لنزاعات النفس وأهوائها.
ولذلك لا تشكل الفتن العمود الرئيسي للخلافات والمشاكل القائمة بين الناس؛ فهناك ممارسات كثيرة من شأنها أن تؤزم العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، ولكن خطورة الفتنة أنها توقد تحت نار هادئة، وبعيدًا عن الرقابة النظرية المباشرة، كما أنها تنتشر بصورة مفاجئة دون استعداد مسبق للطرف المستقبل.
وهنا يكون الوجع أقسى، وإن تم تدارك الضرر عن استفحاله وانتشاره، خاصة عندما يتبنى الفتنة من الدائرة الضيقة للفرد. ولأجل الحد من استفحال وانتشار الفتن يأتي النداء الرباني الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (6).
قد يطرح تساؤل: هل الفتنة رغبة في حد ذاتها، أم أنها وسيلة لتحقيق رغبة ما؟ وهل المسألة موقوفة بتحقق تلك الرغبة، أم أن المرء يستمرئها سعيًا لتحقيق الكثير من الرغبات؟ مع أن احتساب تكلفتها باهظ الثمن، ومعظم الأفراد يدركون ذلك؟ عمومًا، الفتنة تحتاج إلى بيئة خصبة من القيل والقال وتزعزع الثقات - حتى تأخذ طريقها نحو القبول والانتشار والتأثير.
ومتى تم تحييد مثل هذه البيئات بفعل وعي الأفراد، كان ذلك إيذانًا بوأد الكثير من الفتن التي يسعى البعض إلى تأجيجها بقصد أو بغير قصد.