الإنسانية خيمتنا الواسعة
28 أكتوبر 2026
28 أكتوبر 2026
عندما نتوقّف أمام خطبة الوداع، فإننا نخرج بالعديد من العبر الإنسانيّة، خصوصًا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أيها الناس، إن ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدم من تراب»، فهذه النظرة الكونيّة تنطوي على أبعاد فيها إعلاء لمفهوم الأخوة الإنسانية، وهناك مقولة للإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وردت في رسالة وجّهها إلى مالك الأشتر عند تولّيه حكم مصر، هي: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق»، وفيها تعزيز لهذا النهج، وتأكيد على المساواة والعدالة الاجتماعية، والجميع مسخّر لخدمة الجميع، وهذا قانون تمليه الفطرة التي جُبل عليها البشر منذ خلقهم الله، ووضع في قلوبهم الرحمة والتوادّ والتعاطف، فالإنسان يقوى بأخيه الإنسان، بغضّ النظر عن ديانته وانتمائه وعِرقه.
وقد لفتت نظري حكاية رواها الدكتور صلاح نيازي في سيرته الذاتية «غصن مُطعّم في شجرة غريبة»، مفادها أنه سافر من بغداد عام 1963م إلى لندن بواسطة القطار، هاربًا من الظروف السياسية التي هيمنت على العراق آنذاك، وكان الجوع رفيقه لأسابيع في ليالي الشتاء الطويلة الباردة، ولم يكن يحمل بجيبه غير عشرين جنيهًا فقط، كما صرّح في لقاء مرئي أجراه الناقد حسّان الحديثي، ولم يكن يتقن لغة البلد الذي لجأ إليه هاربًا من بلده بجلده، فكان ذلك، على حدّ وصفه، أشبه بالانتحار! لأنه وصل إلى مرحلة اليأس، وأُغلقت أبواب الحياة بوجهه، ولم يبقَ له إلّا أن يطرق باب الموت، يقول: «كانت أمنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن، لا العيش فيها، ولكن الموت في مكان آخر، الموت بإرادتي.. شيء لم أقله حتى لزوجتي إنّ حياتي انتهت حقًّا، وإنني ذاهب للتفتيش عن موت كريم»، ولكنه يستدرك: «غمرتني النشوة ثانية، حينما تفتّحت أمامي أوروبا خضراء شاسعة»، ولكن كيف انفتحت أوروبا لشاب غريب قَدِم إليها من بلد بعيد، لا يعرف فيها أحدًا؟ هذا هو السؤال، و«مَنْ يتوكّل على الله فهو حسبه»، فقد انفتحت له نافذة صغيرة، ومن خلال هذه النافذة أطلّ على أوروبا كلّها، فقد سهّل الله أمره ووضع في طريقه عجوزًا إنجليزية مع زوجها، فاستأجر غرفة في بيتهما خصّصاها للمستأجرين من طلبة الجامعات، وحين عرفا بظروفه أعفياه من دفع الإيجار، حتى يتمكّن من ذلك، بل وعلّماه اللغة الإنجليزية، وساعداه على تمشية أمور حياته، حتى حصل على عمل في الإذاعة البريطانية، ويسّر الله أموره، فـ«الناس للناس» كما قال أبو العلاء المعري:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وبهذا تجاوز نيازي محنته وظروفه الصعبة، واليوم بعد أكثر من ستين سنة يتذكّر موقف العجوزين الذي ظلّ محفورًا في ذاكرته، ويومها، لم ينقطع عن زيارتهما والسؤال عن أحوالهما، فمَن يمدّ يد المساعدة في مثل الظرف الذي مرّ به، وكان غريبًا ووحيدًا لا يعرف أحدًا، لا يمكن أن يُنسى، ولكن، ما الذي جعل العجوزين يعطفان عليه غير حسّ الانتماء للإنسانية؟ فكلّ إنسان معرّض لظروف صعبة، ولكنّ يد الإنسانية تمتدّ لتنتشله مما هو فيه، وتنقذه، وتنقله إلى برّ الأمان، بغضّ النظر عن جنسه وأصله وفصله ودينه وعرقه، فالفضاء الإنساني يجمعنا، و«روح الإخاء» كما أكّدت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م، وجاء في نصّ المادة: «يُولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.
وقد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء»، وتحدّث المفكّرون والفلاسفة والأدباء في أدبيّاتهم وكتبهم الفكرية عن أبعاد هذا الفضاء الواسعة، بما يغذّي روح الإنسانية وقيمها النبيلة، ووجّهوا رسائلهم، فحين يموت الضمير نفتقد الإنسانية، يقول أنطون تشيخوف: «لا يوجد شرّ أخطر من إنسان يحمل داخله ضميرًا ميّتًا»، فموت الضمير هو الجحيم، ويعبّر الشاعر محمود درويش عن خوفه من اليوم الذي سنفتقد فيه الإنسانية، لذا يدعو إلى التضامن الإنساني بقصيدته (فكّر بغيرك):
«وأنت تعدّ فطورك فكّر بغيرك
لا تنسَ قوت الحمام
وأنت تخوض حروبك
فكّر بغيرك»
وحين نرى اليوم الانتهاكات التي يتعرّض لها البشر في مناطق مختلفة من العالم، والمجازر والمذابح، وأحدثها الجريمة التي ارتكبها متطرّفون تكفيريون في كنيسة القديس جورجيوس في (الكرك)، وراح ضحيّتها أبرياء، لا بدّ أن نتذكّر المعنى العميق لـ«كلّكم لآدم وآدم من تراب»، وإذا كان درويش قد قال في قصيدته الشهيرة «بيروت»: «بيروت خيمتنا»، التي كتبها عام 1981 قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، فنحن نقول: «الإنسانية خيمتنا»، وما أوسعها وأبهاها من خيمة!
