No Image
العرب والعالم

رؤية هندية ..لماذا لن يدوم التقارب الأمريكي الصيني؟

25 أكتوبر 2026
25 أكتوبر 2026

واشنطن"د. ب. أ": رغم أي تقارب بين واشنطن وبكين، تظل الخلافات الاستراتيجية والتنافس على النفوذ والتكنولوجيا والتجارة عوامل تحد من فرص استدامة العلاقات بين البلدين، من منظور الهند التي تراقب تداعيات هذا التقارب على توازن القوى في آسيا.

هذا ما أكده الباحث والمؤلف في شؤون الإرهاب والأمن بجنوب آسيا، أبهيناف بانديا، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست.

ويقول بانديا إنه في ظل توتر العلاقات الأمريكية الهندية وتزايد التقلبات في أسعار النفط العالمية وسلاسل الإمداد، وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الهند في 20 أكتوبر ، في زيارة تستمر يومين.

وأوضح أنه في هذه المرة، تجاوز روبيو نيودلهي وتوجه مباشرة إلى مومباي، العاصمة المالية للهند، وإلى جامناجار، مركز تكرير النفط في البلاد.

وتثير هذه المشاهد غير المعتادة تساؤلا عما إذا كانت الأهمية الجيوسياسية للهند بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بوصفها قوة موازنة للصين، قد تراجعت..والإجابة هي: نعم ولا في آن واحد، وفقا لبانديا.

لكن الأمر يتطلب تحليلا أعمق، لا سيما في ضوء اللقاء الذي عقد الشهر الماضي بين الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي بدا أنه يشير إلى تراجع حدة التنافس الاستراتيجي بين البلدين.

ويمتد التنافس الاستراتيجي الأمريكي الصيني إلى مجالات متعددة، تشمل التكنولوجيا والعسكرية والاقتصاد والمال والجغرافيا السياسية، ما جعل غالبية خبراء السياسة الخارجية يعتقدون أن القوتين محكوم عليهما حتما بالوقوع في "فخ ثيوسيديدس"، الذي يفترض فيه أن ينتهي التنافس بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة راسخة بحرب.

لكن خلال زيارة ترامب إلى الصين في مايو 2026، تساءل شي جين بينج عما إذا كان بإمكان البلدين تجاوز المعضلة الأشهر في العلاقات الدولية.

وبدا أن الرئيس ترامب يعتقد أن ذلك ممكن، عندما خالف البروتوكول واستقبل الرئيس الصيني بنفسه في قاعدة أندروز الجوية المشتركة يوم 23 أيلول، في خطوة مثلت المرة الأولى منذ عام 1962 التي يستقبل فيها رئيس أمريكي في منصبه قائدا أجنبيا بهذه الطريقة، باستثناء البابا.

وتبعت ذلك بادرة أخرى من حسن النية المتبادل، إذ وصف الرئيس ترامب العلاقة الثنائية بأنها "صداقة عظيمة حقا"، فيما شبّه شي شعار ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" بمشروعه الخاص بـ"نهضة الأمة الصينية".

وفي مقارنة لافتة بين البلدين، أبدى ترامب تواضعا غير معتاد، قائلا إن تاريخ الولايات المتحدة "يمتد إلى 250 عاما، وهذا أمر عظيم. نحن فخورون به، لكن تاريخ (الصين) يمتد إلى 6 آلاف عام".

وخلال الأشهر الـ11 الماضية، التقى ترامب وشي ثلاث مرات، ومن المرجح أن يلتقيا مجددا خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين في نوفمبر 2026، على أن تعقب ذلك زيارة لشي إلى الولايات المتحدة لحضور قمة مجموعة العشرين في ميامي. وخلف هذه الزيارات والمجاملات، يكمن تفاهم ضمني بين بكين وواشنطن يتمثل في إدارة التنافس الاستراتيجي وتجنب المواجهة. ولخص شي رؤيته للعلاقات الثنائية في مفهوم "الاستقرار الاستراتيجي البناء".

-توسيع نطاق التبادل التعليمي-

ولتحقيق هذا الهدف، اقترح شي تعزيز التواصل من خلال إجراء حوارات منتظمة بين القيادات العسكرية والدبلوماسية والسياسية في البلدين. كما أوصى بالتعايش السلمي والتعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وشدد شي أيضا على أهمية التواصل المباشر بين الشعبين وتوسيع نطاق التبادل التعليمي بين بكين وواشنطن.

ومع ذلك، انتهت زيارة شي التي حظيت باهتمام واسع من دون إصدار بيان مشترك أو حتى بيان ختامي، فضلا عن عدم التوصل إلى اتفاقات ملموسة بين البلدين. وتجنب الطرفان عمدا مناقشة قضايا حساسة، مثل تايوان وإيران. كما أخفقت المحادثات في تسوية الخلافات بشأن القيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات، والبنية التحتية للحوسبة، و"تقطير النماذج"، وهي عملية تستخدم فيها مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة لتدريب نماذج أصغر.

ويقول بانديا إنه علاوة على ذلك، لا تزال هناك اختلافات هيكلية في مواقف البلدين بشأن الذكاء الاصطناعي. فترامب، الذي يخشى أن تتجاوز الصين الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي، يرفض الرقابة التنظيمية للحفاظ على تفوق بلاده، على خلاف شي الذي يفضل إخضاع الذكاء الاصطناعي لرقابة بشرية صارمة واعتماد نهج تعاوني لإدارة المخاطر، لمنع إساءة الاستخدام وتجنب التهديدات غير المقصودة الناجمة عن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

وكانت النتيجة الملموسة الوحيدة تمديد الولايات المتحدة الهدنة الجمركية حتى 10 يناير 2027، بما يعني أن الصين لن تواجه، في المستقبل القريب، فرض رسوم جمركية كبيرة بموجب قانون ليندسي جراهام بسبب شرائها النفط الروسي والإيراني. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، اتفق الطرفان على إطلاق "حوار الذكاء الفائق الأمريكي الصيني"، المقرر عقده في نوفمبر 2026، وإنشاء قناة اتصال لمعالجة التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

- اراء أكاديميون ودبلوماسيون مخضرمون-

ويرى عدد من المعلقين الهنود، بينهم أكاديميون ودبلوماسيون مخضرمون، أن التنافس الاستراتيجي الأمريكي الصيني لعبة محصلتها صفر، لا مجال فيها للتقارب، فضلا عن التعايش السلمي طويل الأمد. ويجادلون أيضا بأن القمة التي عقدت في سبتمب لم تسفر عن تنازلات ملموسة من الصين، ولم تعالج الخلافات الجوهرية بشأن قضايا مثل تايوان وإيران ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعل أي بوادر حسن نية قصيرة الأمد في أفضل الأحوال. وفي المحصلة، يرى هؤلاء أن القوتين العظميين تتجهان حتما نحو صراع حاسم وشامل في مناطق جغرافية متعددة وعلى جبهات مختلفة.

لكن هذه التقديرات تستدعي التشكيك. ويعود ذلك جزئيا إلى مخاوف الهند من أن يؤدي قرار الولايات المتحدة الانخراط في حوار ثنائي مع الصين لتجنب المواجهة إلى انتفاء حاجتها إلى الهند لموازنة النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما سيكون خبرا سيئا لنيودلهي.

ومخاوف الهند ليست بلا أساس تماما. فقد قال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو، في كلمة ألقاها خلال حوار رايسينا، إن الولايات المتحدة لن تكرر مع الهند الأخطاء التي ارتكبتها مع الصين، أي السماح للهند بالتفوق على الولايات المتحدة من خلال علاقات تجارية غير متكافئة، والمساعدة في صعود منافس جيوستراتيجي جديد.

وتشير مثل هذه التصريحات إلى وجود دوافع خفية ومتجذرة. والهند، التي تنظر بالفعل بتشكك إلى الغرب وعقلياته الاستعمارية وعقلية الحرب الباردة، تستاء من هذا النوع من الخطاب.

وتعد الصين خصما استراتيجيا للهند. فقد تدهورت العلاقات بين البلدين بشدة عقب أزمة وادي جالوان عام 2020، وأصبح التعاون العسكري والتكنولوجي مع الولايات المتحدة بالغ الأهمية للهند في مواجهة الطموحات الصينية في جبال الهيمالايا والمحيط الهندي. وفي عام 2024، اتفقت الهند والصين على خفض التصعيد وسحب قواتهما من مواقع المواجهة التي شهدت حشدا عسكريا على امتداد خط السيطرة الفعلية، وهو الحدود الفعلية ذات الطابع العسكري الفاصل بين البلدين.

ومع ذلك، لا تزال الهند تتعامل بحذر شديد مع التحركات الصينية، لا سيما أن الصين دعمت باكستان استخباراتيا وعلى صعيد المعدات ولوجستيا خلال الحرب الهندية الباكستانية التي استمرت أربعة أيام في مايو 2025. وفي حال تصاعد التوتر مجددا بين الهند وباكستان، فمن المرجح أن تدعم الصين باكستان، وقد تفتح جبهة جديدة على الحدود الهندية الصينية للضغط على الهند.

علاوة على ذلك، تواصل الصين ممارسة الضغط على الهند وتعزيزها من خلال توسيع نطاق حضورها الاستخباراتي والاقتصادي والدفاعي وترسيخه في محيط الهند المباشر. وتدرك الهند أيضا أنها لن تستطيع الاعتماد على روسيا في حال اندلاع تصعيد مستقبلي بينها وبين باكستان والصين، نظرا إلى الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين موسكو وبكين.

-الخلافات بين الهند وامريكا-

وتزيد الخلافات المستمرة بين الهند والولايات المتحدة من مخاوف نيودلهي. فالعلاقات الثنائية بين البلدين بعيدة عن الود لأسباب عدة، إذ رفضت الهند مزاعم ترامب بأنه توسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الهند وباكستان في مايو 2025. كما أوقفت الولايات المتحدة إمدادات المحركات المخصصة لطرازات مقاتلات "تيجاس" الهندية محلية الصنع بسبب الحرب مع إيران.

ويقول بانديا إنه بالتالي، وعلى الرغم من توقيع أربعة اتفاقات تأسيسية في مجالات الدفاع والاستخبارات والخدمات اللوجستية، لا تزال العلاقات بين نيودلهي وواشنطن مشوبة بانعدام الثقة.

ومع ذلك، يخلص بانديا إلى أنه بعيدا عن تشكك الهند في الولايات المتحدة، هناك أسباب أكثر إقناعا للتشكيك في مستقبل التقارب الأمريكي الصيني. فمن المرجح أن تؤدي الخلافات والنزاعات الجوهرية بين القوتين العظميين إلى تبريد الأجواء الدافئة في علاقاتهما مجددا. وفي أفضل الأحوال، ينبغي النظر إلى قمة سبتمبر باعتبارها هدنة تكتيكية فرضتها القيود التي تواجهها القوتان، لا اختراقا استراتيجيا. ولا يعني ذلك أن الحرب حتمية، لكنه يعني أن الشراكة الأمريكية الهندية ستظل، على المدى الطويل، ضرورة لا غنى عنها لموازنة الصين.