الملف الإيراني يضع واشنطن وتل أبيب في مفترق طرق
21 أكتوبر 2026
21 أكتوبر 2026
لم يعد الملف الإيراني حاضرا بقوة في أجندة الانتخابات في كل من واشنطن وتل أبيب فحسب، وإنما أصبح هو «معامل الارتباط Correlation coefficient» في معادلة الحملة الانتخابية لكل من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترمب والحزب الجمهوري.
ومع كل يوم ينقضي في مصفوفة العد التنازلي نحو الاستحقاق الانتخابي تزداد أهمية الملف الإيراني لدى الرجلين اللذين يربطهما حلف تجاوز إطار التحالف التقليدي الذي يجمع بين واشنطن وتل أبيب منذ تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي في مختلف الحكومات والإدارات المتعاقبة، إلى إطار خاص وشخصي ربط كل منهما بالآخر، واشتد وثاقه في عهدة ترامب الحالية.
حيث تصاعدت وتيرة التنسيق بينهما في قضايا الشرق الأوسط بصورة لافتة، وتطابقت توجهاتهما حذو النعل بالنعل، مع علو كعب نتنياهو على صاحبه وشريكه ترامب؛ حتى بدا أن ميزان القوة بين الدولتين أصبح يميل بوضوح لصالح إسرائيل، وأن عربة العلاقة بين تل أبيب وواشنطن أصبحت تجرها أحصنة إسرائيلية يقودها نتنياهو ويوجهها أينما شاء ووقتما شاء.
ظلت هذه الصورة ثابتة في العلاقة بين الطرفين، وهي حتى الآن كذلك؛ لكن ومع العد التنازلي المتسارع للانتخابات في كلا البلدين وتطورات الملف الإيراني يبدو أن عربة العلاقات بين البيت الأبيض، وبيت أغيون والتي يقودها نتنياهو توشك أن تصل لمفترق طرق قريبا.
فالرئيس ترامب يكافح هذه الأيام ويسعى حثيثا في تهدئة جبهة المواجهة مع إيران تجنبا للانزلاق في أتون حرب تزيد موقفه وموقف حزبه الانتخابي تعقيدا وسوءا على سوئه.
فآخر استطلاعات الرأي الأمريكية تقول إن شعبية الرئيس ترمب تدحرجت إلى 31٪ ، ومرشحة لمزيد من الانحدار فيما تبقى من أيام معدودة للانتخابات النصفية، وأن أجواء رفض الأمريكيين للحرب على إيران لا تزال تخيم على الساحة الداخلية في أمريكا بسبب ارتفاع أسعار الوقود وأسعار السلع، والخشية من تداعيات العودة إلى الحرب، وما قد يتعرض له الجنود الأمريكيون وعودة مشاهد توابيت القتلى منهم وهي تعاد إلى البلاد في حرب يرون أنها عبثية، وأنها ليست حربهم.
لهذا السبب فإن الرئيس ترمب وحزبه لا يرغبان على الأقل في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات في التصعيد مع إيران ولو بادرت إيران بالتصعيد؛ لأن خسارة الانتخابات ستفقد الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب لصالح الديمقراطيين، وهو ما يعني هزيمة لترامب، وقد خسر حربه ميدانيا مع إيران.
ورغم أن كل المؤشرات الحالية نظريا على الأقل تشير إلى أن خسارة الإنتخابات واقعة لا محالة، إلا أن الرئيس ترمب والحزب الجمهوري لديهما الأمل في أن تثمر حملاتهم الدعائية التي يقودها الرئيس ترامب بنفسه عن نتائج إيجابية وبأن تصنع المعجزة!
وفي الجانب الآخر، يعمل نتنياهو جاهدا لاهثا لكي تستأنف أمريكا الحرب ضد إيران في هذه الأيام على وجه خاص؛ حيث من مصلحته ومصلحة حزبه الليكود مواصلة الحرب لرفع شعبيته، وبالتالي كسب الانتخابات التي ستجري في السابع والعشرين من هذا الشهر، وما تبقى هي أيام معدودات ويدخل فيها نتنياهو معركته الانتخابية ضد منافسين أقوياء على رأسهم «غادي آيزنكوت» من حزب «يشار»؛ فهو يريد أن يدعم موقفه التنافسي بتصعيد على جبهة إيران تحديدا، حيث يؤيد غالبية الإسرائيليين الحرب على إيران.
وهنا تبدو المفارقة في العلاقة الوطيدة الوثيقة بين ترمب ونتنياهو حيث تتباين المواقف وتتعارض المصالح، كل في اتجاه معاكس للآخر.
وتصل عربة هذه العلاقة إلى مفترق طرق حقيقي؛ نتنياهو الذي يقود العربة يريد الاتجاه صوب الجنوب، بينما ترمب يود الانعطاف نحو الشمال!
ولا حل وسط، ولا مخرج سوى أن تتغلب إرادة أحدهما على إرادة الآخر.
نتنياهو في غمرة سعيه نحو كسب الانتخابات والفوز فيها سيعمل ما بوسعه لكي يفرض إرادته، ولن يتوانى في خوض حرب ضد إيران بمفرده دون مشاركة مباشرة من واشنطن، وهو ما لا تريده واشنطن أيضا.
والسبب أن الأمر بالنسبة لها سيكون سيان والنتيجة واحدة؛ فالرد الإيراني على الضربات الإسرائيلية حينها يتوقع ألا يقتصر فقط على أهداف إسرائيلية داخل العمق الإسرائيلي، وإنما من المرجح أن يشمل أهدافا أمريكية تضطر معها واشنطن للرد على إيران.
وبذلك تكون تل أبيب قد جرّت واشنطن جرّا إلى الحرب بطريقة غير مباشرة.
وفي حال امتنعت واشنطن عن الرد وتغاضت عن الضربات الإيرانية انتظارا لما بعد الانتخابات النصفية ـ وهو احتمال ضعيف لكنه وارد ـ فإنه من المتوقع أن يكون ردها بعد الانتخابات مباشرة بغض النظر عن النتيجة - إن كانت خسارة أو فوزا - عنيفا وانتقاميا؛ الأمر الذي إذا حدث ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة وعلى أمريكا نفسها؛ إذ ستزداد الأزمة الاقتصادية الداخلية فيها سوءا، وتواجه إدارة ترمب عاصفة سياسية يمكن أن تمتد حتى نهاية ولايته، خاصة إذا نجح الديمقراطيون في السيطرة على الكونغرس.
لكن هناك طريق ثالث يمكن أن تسلكه إدارة ترمب قبل الانتخابات الإسرائيلية لتتفادى كل تلك الاحتمالات غير المرغوب فيها؛ وهو طريق يتطلب منها مرونة عالية لكي تصل إلى وجهتها بسلام، وهو العودة سريعا إلى المسار التفاوضي.
وهناك ثلاثة خيارات في هذا الصدد: الأول مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو الماضي.
والثاني المقترح الإيراني المسمى بمقترح الأيام السبعة. والخيار الثالث ما رشح من مصادر عديدة وتقارير صحفية تحدثت عن مقترح روسي طرحته موسكو في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخرا إلى طهران؛ وهو مقترح نقل احتياطيات اليورانيوم المخصب إلى روسيا مع ضمانات روسية لطهران بإعادته إليها في حال نقضت واشنطن الاتفاق.
ورغم أن الجانب الإيراني على لسان المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي نفى بشكل قاطع وجود مثل هذا المقترح، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن بلاده ترفض نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، وأكد على ذلك أيضا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي خلال استقباله قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الثلاثاء، إلا أنه يبدو خيارا مطروحا ضمن حزمة خيارات أخرى بديلة يمكن اللجوء إليها إذا اقتضت الضرورة ذلك، وإذا تعذر التوصل إلى صيغة مقبولة لدى الطرفين تخرج الجميع من المأزق ومن السيناريو القاتم الذي يمكن أن ينتج عن العودة إلى الحرب.
والمناخ السائد الآن وما فيه من حراك متسارع وكثيف من قبل الوساطة بأطرافها المتعددة الإقليمية والدولية، والنشاط الدبلوماسي المحموم الذي يبذله الوسطاء من أجل تليين المواقف والتقريب بين وجهات النظر وطرح المقترحات، هذا المناخ مواتٍ ويمكن أن يثمر وينجح في فك شفرة الأزمة ونزع فتيلها قبل بلوغها نقطة اللاعودة التي تبدو قريبة، لولا أن يتداركها العقلاء من الجانبين.
وبطبيعة الحال، فإن هذه الخيارات الثلاثة ليس بالضرورة على الجانب الأمريكي القبول بها كما هي وإنما يمكن إجراء تعديلات عليها بالحذف والإضافة؛ ذلك أن واشنطن رغم توقيعها على مذكرة التفاهم إلا أنها وجهت إليها انتقادات لاحقا.
كما أن المتشددين في الحزب الجمهوري واللوبي الصهيوني رأوا فيها إجحافا بالجانب الأمريكي، وأنها في صالح إيران، لذلك فإن العودة إليها مرة أخرى بحذافيرها هو أمر مستبعد، لكنه ممكن إذا أدخلت عليها تعديلات.
وكذلك الحال بالنسبة لمقترح الأيام السبعة الذي رفضته واشنطن جملة وتفصيلا؛ كونه يركز على المضيق دون الملف النووي الذي أصبح البند الأكثر أهمية لدى أمريكا.
وبالتالي، فإنه لا مناص من أن تكرس الوساطة جهودها ومساعيها لتطوير اتفاق هجين تتم صياغته من بين هذه الخيارات الثلاثة.
ويأتي دور الوساطة في مقدمة العوامل التي يرتكز عليها في إنجاح مساعي العودة إلى المسار التفاوضي وإبعاد مسار الحرب والتصعيد وإنقاذ المنطقة من مصير كارثي قبل فوات الأوان.
