في 17 يوليو، استهدف صاروخ إيراني قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أربعة آخرين. واتسم الهجوم بدقة لافتة؛ إذ كشف مسؤولون أمريكيون في الأسابيع التالية أن طهران تلقت صورا فضائية عالية الدقة للقاعدة قبل الضربة، يرجح أنها ساعدتها في تحديد الأهداف بدقة.
ثم حصلت إيران على مزيد من الصور التي قد تتيح لها تقييم الأضرار والتخطيط لهجمات لاحقة، وجاءت هذه الصور من مصادر صينية.
بجانب الدعم الصيني، أسهمت روسيا أيضا في مساعدة طهران على تحديد مواقع أهداف أمريكية وأخرى تابعة لحلفاء واشنطن واستهدافها.
قبل يومين من الهجوم الذي استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية في 27 مارس، وأسفر عن إصابة 12 جنديا أمريكيا، مر 14 قمرا صناعيا روسيا للتجسس فوق المنطقة.
وخلص مسؤولون أمريكيون لاحقا إلى أن موسكو زودت إيران بمعلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية، ساعدتها على تنفيذ ضربات دقيقة.
كذلك، قدمت روسيا لإيران أسلحة وخبرات عسكرية، شملت نسخا مطورة من الطائرات المسيّرة الإيرانية، استفادوا في تحسينها من الخبرات المكتسبة في ساحة المعركة الأوكرانية.
ساعد مهندسون روس إيران في تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت، قادرة على تفادي أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية.
لم تنخرط روسيا ولا الصين مباشرة في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، ولم تكن هناك حاجة إلى ذلك؛ فمن خلال تزويد طهران بالمعلومات الاستخباراتية عن الأهداف الأمريكية، والتكنولوجيا والمكونات العسكرية، إلى جانب الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، تستطيع الدولتان توفير ما تحتاج إليه إيران لمواصلة الحرب من دون المشاركة فيها بشكل مباشر.
دخلت الولايات المتحدة هذا الصراع وهي تتمتع بمزايا يفتقر إليها خصومها: شبكة واسعة من الحلفاء الرسميين، وقواعد عسكرية، وترتيبات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وشراكات دفاعية، وقوات قادرة على العمل معا بفضل توافق أنظمتها وإجراءاتها، تمتد عبر أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
ومع ذلك، تردد كثير من شركاء واشنطن التقليديين في الانضمام إلى الحملة، بل رفض بعضهم، ولو مؤقتا، منحها أشكالا محددة من التسهيلات العسكرية. كما عارض آخرون علنا دعوات الولايات المتحدة إلى المساعدة في تأمين مضيق هرمز.
يكشف هذا التباين عن تحول لافت منذ أن وصفنا روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، قبل عامين، بأنها «محور الاضطرابات»، فقد دخل خصوم الولايات المتحدة الحرب بشبكة أضعف بكثير من شبكة واشنطن.
لكن روسيا، بعد تلقيها الدعم في حربها بأوكرانيا خلال السنوات القليلة الماضية، باتت ترى مع بقية أعضاء هذا المحور سبلا لتفعيل شبكتهم في ساحة صراع جديدة.
ويعمل هؤلاء على تعزيز تعاونهم، بما يجعل شركاءهم أكثر قدرة على الصمود وأكثر تهديدا للمصالح الأمريكية، مع الحد من التكاليف والمخاطر.
أما واشنطن، فتؤجج التوتر في كثير من شراكاتها بدلا من تعزيزها، ما يهدد بتبديد شبكة تحالفاتها في الوقت الذي يتعلم فيه خصومها كيفية بناء شبكاتهم وتقويتها.
شهد العالم تحولات كثيرة منذ عام 2024، لعل أبرزها أن الولايات المتحدة نفسها أصبحت مصدرا للاضطراب في النظام الدولي. فقد تحدت إدارة ترامب المؤسسات الدولية، وأضعفت التحالفات التقليدية، وانتهجت سياسة خارجية نفعية.
وقلبت أيضا اتفاقيات تجارية رأسا على عقب، وهددت سيادة حلفاء مثل: كندا والدنمارك، وجعلت عدم القدرة على التنبؤ بسياستها نهجا قائما بذاته. وسعت كذلك إلى تحسين العلاقات مع الصين وكوريا الشمالية وروسيا، بالتزامن مع محاولاتها إضعاف إيران.
لكن هذه التحركات لم تؤد إلى تخفيف التوتر بين خصوم الولايات المتحدة.
في بداية ولاية ترامب، أعرب مسؤولون أمريكيون عن أملهم في أن يؤدي تطبيع العلاقات مع موسكو إلى إبعاد روسيا عن هذا المحور. غير أن المودة التي أظهرها الرئيس دونالد ترامب مرارا تجاه الكرملين لم تفضِ إلى تقارب بين واشنطن وموسكو، ولم تحدث أي تحول في علاقات روسيا بالدول الثلاث الأخرى.
وحتى الآن، لم تتمكن الإدارة الأمريكية من التوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، كما يستبعد أن يدوم أي تقارب مع موسكو ترعاه إدارة ترامب؛ فالكونجرس يواصل الضغط على روسيا، وقد تنتهج إدارة أمريكية مستقبلية سياسة أكثر تشددا تجاهها.
الأهم أن محاولات تفكيك هذا المحور تستند إلى فهم خاطئ للعوامل التي تجمع أعضاءه؛ فهذه الدول تعارض نظاما دوليا ترى أنه يكرس الهيمنة الغربية على حسابها.
كما تعارض، على نحو خاص، قدرة الولايات المتحدة الاستثنائية على تقييدها وعزلها ومعاقبتها، بل وتهديد بقاء أنظمتها. أعادت التحركات الأمريكية الأخيرة إحياء هذه المخاوف، فاعتقال الولايات المتحدة الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو واغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يعززان المخاوف الراسخة في بكين وموسكو وبيونج يانج وطهران من التدخل الأمريكي والتهديد الذي قد يطول بقاء أنظمتها.
قد تخفف دول المحور من حدة خطابها المعادي للولايات المتحدة عندما تقتضي مصالحها التكتيكية ذلك، لكن رغبتها في الحد من تعرضها للضغوط الأمريكية لا تزال قائمة. ولن تبدد شكوك إدارة ترامب في النظام الدولي مخاوف هذه الدول؛ بل قد تؤدي مساعي ترامب إلى إقامة نظام عالمي أكثر نفعية وقائم على الإكراه إلى زيادة أهمية الشراكات بينها.
فكلما تراجعت القيود التي تفرضها القواعد والمؤسسات، ازدادت أهمية القوة الغاشمة، وازدادت معها حاجة الدول إلى شركاء يساعدونها على تخفيف أثر العقوبات، والحصول على التقنيات الحيوية، وسد الثغرات في قدراتها العسكرية، وتوسيع هامش مناورتها، ومقاومة العزلة. في ظل هذه الظروف، يطور أعضاء المحور تعاونهم بما يتلاءم مع التحديات الجديدة.
عند بدء الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، اتخذ التعاون بين دول المحور الأربع شكل تبادلات ثنائية واضحة؛ إذ زودت إيران موسكو بالطائرات المسيّرة، وأرسلت كوريا الشمالية الذخائر والصواريخ الباليستية، ثم القوات، بينما دعمت الصين الاقتصاد الروسي ووفرت له الآلات والمكونات اللازمة لتوسيع إنتاجه العسكري. وفي المقابل، نقلت روسيا تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى شركائها.
لكن التعاون تطور منذ ذلك الحين، وأصبح أكثر ترابطا، مع تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتطبيقها في ساحات صراع جديدة.
ويبرز هذا التحول في برنامج الطائرات المسيّرة الروسي؛ فبعد أن زودت إيران موسكو بطائرات «شاهد» المسيرة وساعدتها على إنتاجها محليا، طورت روسيا هذه الطائرات بإدخال مكونات صينية وتعديل أنظمة الملاحة والاتصالات والدفع، مستفيدة من خبرتها في مواجهة الدفاعات الأوكرانية.
وأسهمت هذه العملية في إنتاج طائرات «جيران» النفاثة، الجيل الجديد من الطائرات المسيّرة الانتحارية التي تستخدمها روسيا في عملياتها العسكرية في أوكرانيا، والأسرع والأقدر على حمل حمولات أكبر والأصعب اعتراضا.
لا تقتصر فوائد هذه التطورات على روسيا؛ إذ تعود التكنولوجيا المطورة والخبرات القتالية إلى إيران، ما قد يجعل التصدي لهجماتها في الشرق الأوسط أكثر صعوبة وتكلفة.
كما تستفيد كوريا الشمالية من الخبرة الروسية في إنتاج الطائرات المسيّرة واستخدامها ميدانيا، بينما يتلقى عسكريون صينيون تدريبا على هذا النوع من الحروب، ويستفيد الموردون الصينيون من بيانات أداء تقنياتهم في المعارك.
وهكذا، تحولت الشراكة بين دول المحور من تبادل للمساعدات العسكرية إلى شبكة متكاملة لتطوير التكنولوجيا ونقل الخبرات، بما يعزز القدرات العسكرية للدول الأربع ويزيد التحديات التي تواجه خصومها.
قبل عامين، لم يكن واضحا ما إذا كان التعاون بين دول المحور الأربع سيستمر بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.
لكن الحرب لم تدفع هذه الدول إلى التعاون فحسب، بل أثبتت أن تكامل قدراتها يمكنها من مواجهة الضغوط الغربية بفاعلية أكبر مما لو تصرفت كل دولة بمفردها، ويصعب على واشنطن وحلفائها تغيير سلوكها.
تظهر الحرب مع إيران أن هذا النموذج قابل للتطبيق في جبهات أخرى؛ فقد دعمت روسيا طهران استخباراتيا وماديا ودبلوماسيا، مع تجنب الانخراط المباشر في الحرب، فيما أسهمت الصين في تعزيز قدرتها على الصمود عبر التجارة وتوفير مكونات ذات استخدام مزدوج.
ويعكس هذا النهج طبيعة المحور: دعم سياسي واقتصادي واستخباراتي وتقني، ومساعدات عسكرية محسوبة، من دون خوض حروب الشركاء، باستثناء مشاركة القوات الكورية الشمالية في القتال إلى جانب روسيا.
كذلك، تتيح الحروب لأعضاء المحور استثمار اشتغال خصومهم في جبهات أخرى. أدى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، ما أفاد روسيا اقتصاديا ودفع واشنطن إلى تخفيف القيود على صادراتها النفطية مؤقتا.
وفي الوقت نفسه، أدى نقل الولايات المتحدة أنظمة دفاعية وأصول عسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، إلى جانب نشر حاملتي طائرات هناك، إلى تقليص وجودها البحري في المنطقة الأولى.
يمنح هذا التحول الصين هامشا أوسع للتحرك، خصوصا مع استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية. إذا طال أمد المواجهة مع إيران، فقد تستفيد بكين من تشتت القدرات العسكرية الأمريكية لسنوات.
تظهر تجربة محور الاضطراب أن قوة الشبكة لا تقاس بحجمها، بل بقدرتها على تحويل الموارد الفردية إلى قوة جماعية. وتمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقا اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا، إلى جانب شبكة أوسع من الشركاء. ويبقى التحدي في استغلال هذه الموارد بفاعلية أكبر.
تبدأ المواجهة بالقيادة؛ فقد بنت واشنطن لعقود نظاما دوليا يقوم على رفض حروب الغزو، وحرية الملاحة، وانفتاح الاقتصاد العالمي، مقابل منح الدول الملتزمة به مزايا تجارية ودبلوماسية وأمنية.
أما الدول الرافضة لهذا النظام، فواجهت العقوبات والضغوط، انطلاقا من افتراض أن الدول التي تتشارك المبادئ نفسها تستحق معاملة أفضل.
لكن إدارة ترامب اتخذت أحيانا مسارا معاكسا؛ إذ أبدت انفتاحا تجاه خصوم واشنطن، مثل: الصين وكوريا الشمالية، وضغطت على أوكرانيا لإنهاء حربها بشروط مجحفة .
وتعزز هذه السياسات دول المحور، بينما تضعف تماسك الشبكة القادرة على مواجهتها.
يتعين على واشنطن أولا وقف السياسات التي تضر بعلاقاتها مع الحلفاء، ثم تعزيز قدراتهم عبر دعم سلاسل التوريد الموثوقة، وتبادل التكنولوجيا، وتشجيعهم على تحمل مسؤوليات أمنية أكبر.
لكن نقل الأعباء الدفاعية يجب أن يتناسب مع قدرات الحلفاء، وألا يأتي على حساب الثقة والتنسيق؛ فزيادة القوة الفردية لا تعني بالضرورة تعزيز القوة الجماعية.
كما ينبغي التراجع عن التعريفات الجمركية والإجراءات الحمائية التي تضر باقتصادات الحلفاء وصناعاتهم، وتجنب التهديد بالاستيلاء على أراضيهم أو تقويض قادتهم. فبناء شبكة دولية فعالة يتطلب قيادة حكيمة ورؤية واضحة، لا سياسات انتهازية تزيد الشكوك والانقسامات.
حتى إذا غيرت واشنطن مسارها، فعليها الاستعداد لصراع طويل. أظهرت التجربة الإيرانية أن تغيير الأنظمة بالقوة لا يقدم حلولا سريعة، وأن مواجهة محور الاضطراب ستدور على جبهات متعددة وعلى نطاق عالمي تقريبا.
تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها مقومات الانتصار، لكن تحقيقه يتطلب إرادة سياسية وقدرة على العمل المشترك.