الدهشة منبع الفكر والإبداع

20 أكتوبر 2026
20 أكتوبر 2026

في التصور العامي يفهم معظم الناس «الدهشة» بمعنى «التعجب». وربما يكون التمييز بين هذين المفهومين مدخلًا جيدًا لتأملنا الفلسفي لمعنى الدهشة كمنبع للفكر والإبداع؛ ذلك أن الفكر العامي يكون بطبيعته ميالًا إلى التفكير التعميمي؛ أعني أنه يكون غير قادر على مهمة التمييز بين المفاهيم أو الأفكار؛ فتلك مهمة التأمل الفلسفي في المقام الأول؛ أعني القدرة على التمييز بين المفاهيم من خلال تأمل الأساليب الخاصة بظهور الظواهر كما تتبدى للوعي (والحقيقة أن تلك هي المهمة الرئيسة في الفلسفة الفينومينولوجية أو الظاهراتية بوجه خاص).

تختلف الدهشة عن مجرد حالة التعجب؛ لأن التعجب يكون غالبًا حالة وقتية عابرة إزاء أمر أو حدث ما غير معتاد أو غير مألوف؛ أي غير متوقَّع حدوثه.

وبخلاف ذلك فإن الدهشة ليست حالة وقتية عابرة، وإنما هي خبرة عميقة قد تستغرق زمنًا طويلًا، وهي خبرة عميقة؛ لأنها تستدعي التوقف إزاء شيء ما وتأمله والتساؤل عنه؛ أعني: عن كنهه أو ماهيته.

وإذا كانت حالة التعجب غالبًا تكون إزاء ما هو غير مألوف فإن أهم خصيصة تميز خبرة الدهشة عن مجرد حالة التعجب أن خبرة الدهشة الحقيقية تكون إزاء ما هو مألوف؛ أعني: إزاء شيء ما يألفه الناس ويرونه على الدوام في حياتهم اليومية.

ولكن هذا الذي يبدو في عيون معظم الناس مألوفًا بحيث لا يستحق التوقف عنده وتأمله هو بالضبط ما يكون مجالًا خصبًا للتأمل لدى الفنانين والفلاسفة والمفكرين بوجه عام، فضلًا عن العلماء أنفسهم. فهذا المجال الخصب ينطوي على ما لا حصر له من الأشياء والأحداث التي تجري في حياة الناس، والتي تشكل منبعًا للإبداع في كل مجال.

الصلة الوثيقة بين الدهشة والإبداع يمكن البرهنة عليها حتى من خلال النظر في تاريخ العلم، وفي الأدبيات المتعلقة بتأريخ الإبداع في العلم.

ولعلنا نتذكر هنا على الفور تلك الرواية الشائعة في تلك الأدبيات ولدى معظم المثقفين، والتي تروي لنا أن دهشة نيوتن قد أحدثتها واقعة معينة، وهي أنه بينما كان جالسًا تحت شجرة التفاح سقطت تفاحة من الشجرة على الأرض، فتساءل لماذا سقطت التفاحة على الأرض؟ لا بد أن هناك قوة جاذبة في الأرض؛ ومن هنا كان اكتشافه لقانون الجاذبية! تلك الرواية الشائعة لا أستطيع أن أتفهمها؛ لأنه من المؤكد أن نيوتن قد شاهد من قبل سقوط التفاحة وغيرها من الثمرات والأشياء على الأرض، ولكن ذلك المتكرر المألوف ظل مثار دهشته وتأمله طويلًا، ولم يكن نتاجًا لحادثة لحظية بعينها.

ومع أن مثل هذه الروايات غير مؤكدة، وربما تكون من وحي خيال بعض المؤرخين والمفسرين لتاريخ الإبداع في العلم، فإنها تعبر عن إيمان عميق بأهمية الدهشة باعتبارها منبعًا للإبداع في العلم.

وعلى هذا النحو ذاته يمكننا أن نفهم سائر الروايات الأخرى المؤكدة، ومنها- على سبيل المثال- تفسير كوبرنيكوس المنهجي لنظرية دوران الأرض حول محورها وحول الشمس في مقابل نظرية بطليموس التقليدية المدعومة من الكنيسة والتي تقول بمركزية الأرض؛ فلا شك أن دهشته قد استمرت طويلًا من خلال التساؤلات التي أثارتها المشاهدات والتجارب والملاحظات العلمية السابقة.

ولكن صلة الدهشة بالفلسفة أكثر حميمية؛ ولهذا كان كبار الفلاسفة يتأملون في كتاباتهم هذه الصلة.

فها هو أفلاطون يؤكد في محاورة «تياتيتوس» أن الشعور بالدهشة هو ما يميز الفيلسوف؛ فالدهشة هي منشأ الفلسفة، وهي أمارة على استعداد المرء وأهليته للفلسفة من خلال الانتقال من حالة الشعور بالألفة الناتجة عن الاعتياد إلى حالة التساؤل والحيرة.

وها هو أرسطو يؤكد في كتابه «الميتافيزيقا» أن الناس قد شرعوا في التفلسف بسبب الدهشة؛ لأنها هي الدافع للبحث والتساؤل عن الظواهر المألوفة والقريبة منا.

وربما يستحق موقف شوبنهاور في هذا الصدد وقفةً أطول؛ فهو يرى أن الدهشة هي مناط الصلة بين العبقرية والطفولة، والعبقرية هنا تشمل الإبداع في العلم، وفي الفلسفة والفن والأدب.

فالدهشة لدى العبقري أو المبدع تشبه الدهشة التي تميز المعرفة في عالم الطفولة؛ لأن الطفولة تنطوي على حالة البراءة في النظر إلى الأشياء، وهي حالة تستدعي التساؤلات المتواصلة عن الأشياء التي لم تَعد تدهش الناس؛ ببساطة لأن الطفل يكون متحررًا من النظر إلى الأشياء على أساس من مصالحه ورغباته؛ وبالتالي يكون متحررًا من الإرادة التي لم تتحكم بعد في معرفته النزيهة الخالصة بينما عموم الناس قد اعتادوا الأشياء بحيث أصبحت لا تثير دهشتهم وتساؤلاتهم؛ لأنهم لا ينظرون إليها إلا في ضوء إرادتهم، أي على أساس من ارتباطها بمصالحهم ورغباتهم.

ولذلك فإن العباقرة أو المبدعين الحقيقيين هم تلك القلة النادرة الذين يبدأ إبداعهم من تلك الدهشة التي تشبه دهشة الطفولة في فهم العالم والتعرف عليه.

ما يفعله الفيلسوف هو ما يفعله الفنان أيضًا، وإن كان الموضع الذي يثير دهشة الفيلسوف وتأمله هو المفهوم، أي الفكرة أو المِثال (بالمعنى الأفلاطوني) بينما الموضوع الذي يثير دهشة الفنان هو شيء أو حدث أو مشهد ما يحمل في باطنه دلالة على فكرة أو تصور ما.

وربما يستدعي كل هذا السؤال التالي: هل الذكاء الاصطناعي قادر على الدهشة، ومن ثم على الإبداع؟ وهذا السؤال نضعه في مواجهة ذلك الطرح الشائع الذي يؤكد قدرة هذا الذكاء على الإبداع.

فالحقيقة أن هذا الذكاء يظل غير قادر على الإبداع ما دام بطبيعته غير قادر على الدهشة؛ فهو لا يتوقف ليتأمل شيئًا ما قد يكون مثيرًا للدهشة والتساؤل، وحاضًا على التعامل معه من خلال أساليب إبداعية، وإنما يقدم لنا إجابات فورية، وهو لا يتوقف أبدًا إلا إذا صادف خللًا أو تناقضًا في البيانات الخوارزمية التي تم تزويده بها؛ وبالتالي فإنه لا يُنتج لنا سوى عمليات من التأليف أو التوليف بين هذه البيانات.

وهذا يعني أنه تأليف يخلو من الدهشة والتساؤل والتأمل والرؤية والخيال، وهي جميعًا تُعد شروطًا لازمة للإبداع.