الرئيس الفرنسي يقر بـ"إخفاقات" بمواجهة شغب التظاهرات.. وفرض حظر تجول في مناطق عدة
عواصم "أ.ف.ب": في ظل الضغوط لاتخاذ إجراءات عقب أعمال العنف التي شهدتها فرنسا نهاية الأسبوع الفائت، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون اليوم الاثنين بوجود "إخفاقات" في إدارة الاحتجاجات المناهضة لغلاء المعيشة، وطلب من الشرطة تعديل أساليبها في التعامل مع "المخربين".
وفي مؤشر على حجم الأزمة التي نجمت عن المواجهات وأعمال التخريب والنهب التي وقعت مساء السبت ويوم الأحد، قدم وزير الداخلية لوران نونييز استقالته إلى الرئيس الذي رفضها "نظرا للحاجة إلى استمرارية قيادة قوات الأمن"، وفق ما أعلن قصر الإليزيه صباح اليوم الاثنين.
وتأتي هذه الأزمة الجديدة قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية، فيما تتصدر مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن استطلاعات الرأي، وبينما تخضع فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، لرقابة دقيقة من الأسواق المالية بسبب ثقل ديونها.
ورغم هذا الوضع، قرر الرئيس الفرنسي الذي يتولى السلطة منذ عام 2017 ولا يحق له الترشح لولاية جديدة في الانتخابات المقبلة، المضي قدما في جولته الخليجية اليوم الاثنين تهدف إلى تأمين إمدادات من الديزل والنفط بهدف خفض أسعار الوقود في فرنسا، في وقت تشهد بلاده أعمال عنف في إطار احتجاجات مناهضة لغلاء المعيشة.
وأعلن قصر الإليزيه أن هدف زيارة ماكرون إلى الخليج هو تأمين إمدادات من "الديزل والنفط"، في وقت تشهد الأسواق توترا شديدا وارتفاعا على مستوى العالم في الأسعار بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
ويرافق الرئيس الفرنسي كبار المسؤولين في أكبر مجموعتين فرنسيتين للطاقة، "توتال إنرجي" و"إنجي".
وفي ظل موقفها الهش، تسعى الحكومة لاستعادة زمام المبادرة، فعُقدت اليوم الاثنين سلسلة اجتماعات طارئة لمواجهة أعمال العنف التي صدمت العالم بأسره، وتحمل بوادر أزمة سياسية.
وطلب الرئيس من وزارة الداخلية وضع "أساليب عمل جديدة لقوات الأمن الداخلي على الأرض في أسرع وقت ممكن، بهدف التصدي للمخربين". كما شدد مجددا على ضرورة "الشفافية"، مشيرا إلى "الثغرات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية، التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف".
وصرح لوران نونييز صباح اليوم الاثنين "لقد قدمت استقالتي لأنني شعرت بالمسؤولية عما حدث"، معترفا بحدوث "فقدان للسيطرة" في بعض المدن.
واعتبر وزير العدل جيرالد دارمانان بدوره أن السلطات "أخفقت بلا شك".
- فرض حظر تجول -
وتقرر حظر أي "تجمعات أو تظاهرات" اليوم الاثنين، بدءا من الساعة الثانية عشرة ظهرا (10:00 بتوقيت جرينتش) وحتى الساعة الثامنة مساء (18:00 ت ج)، في مختلف أنحاء المدينة.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أنه طلب من محافظي المناطق "فرض حظر تجول" مساء اليوم الاثنين، موضحا أن هذا الإجراء سيكون "جزئيا" و"محدود النطاق" بهدف حماية المتاجر بشكل خاص، بعد مشاهد الفوضى في مدن فرنسية عدة نهاية الأسبوع الفائت.
كما أشار إلى إمكانية إعلان حالة الطوارئ "إذا لزم الأمر"، لكنه لفت إلى أن فرض حظر التجول "يبدو خيارا أكثر ملاءمة".
ولفت رئيس الوزراء الفرنسي إلى أن المتاجر التي تضررت جراء أعمال العنف، والتي يُقدر عددها بـ "3000 على الأقل" وفقا لوزير التجارة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة سيرج بابان، ستستفيد من "صندوق دعم خاص" ومن تدابير تتعلق بـ "البطالة الجزئية".
وقال لوكورنو "قد يظن الفرنسيون، وهم يشاهدون التلفزيون، أن الفوضى تعمّ كل مكان. لكن لحسن الحظ، الأمر ليس كذلك. فالفوضى... تتركز بشكل كبير في المراكز الحضرية. لذا، طلبت من المحافظين فرض حظر تجول جزئي ومحدد النطاق للغاية مساء اليوم (الاثنين)".
وأشار إلى أن مسؤولي المحافظات "سيتولون إجراء هذه المشاورات، ليس فقط مع رؤساء البلديات، بل أيضا مع غرف التجارة والصناعة، لأن الهدف من حظر التجول هذا لا يقتصر على حماية الأفراد فحسب، بل يشمل أيضا حماية الممتلكات، ولا سيما المتاجر".
من جانبه، أكد وزير الداخلية لوران نونييز، أنه سيتم اتخاذ "عدد من التدابير للحد من تحركات المخربين والناهبين ومنعهم من ممارسة أعمالهم"، وذلك "بدءا من مساء اليوم (الاثنين)". وأضاف نونييز "سنعزز مجددا أعداد قوات الشرطة والدرك على الأرض، لا سيما خلال نهاية الأسبوع الحالي". كما استبعد الوزير إمكان إلغاء أو تأجيل مباريات كرة القدم المقبلة، بما في ذلك المباراة المقررة اليوم الثلاثاء بين فريقي باريس سان جيرمان وبرشلونة.
- سعي لإحداث اضطرابات عميقة -
من ناحية أخرى، اتهم لوكورنو اليسار الراديكالي بالسعي إلى "إحداث اضطرابات عميقة (...) في البلاد تستمر حتى موعد الانتخابات الرئاسية". وقال "هناك شبكة واسعة قد تتحرك، بل وتهدف إلى إعادة النظر في الجدول الزمني للانتخابات الرئاسية أو حتى في إجرائها من الأساس".
وفي وقت لا يعتزم كل من رئيس حزب "التجمع الوطني" جوردان بارديلا وزعيمة نواب الحزب والمرشحة للرئاسة مارين لوبن المشاركة في اجتماع مرتقب لقادة الأحزاب في مقر رئاسة الوزراء، دعاهم لوكورنو إلى "إعادة النظر في موقفهم"، نظرا لأن "أمن الحملة الانتخابية الرئاسية" سيكون مدرجا على جدول أعمال الاجتماع. ولم يُحدد حتى الآن أي موعد لهذا الاجتماع.
- "عجز" الدولة -
وتثير طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات انتقادات شديدة من قطاع واسع من الطبقة السياسية ومن بعض رؤساء البلديات. وتُحمّل المعارضة إيمانويل ماكرون المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع.
وحاول الرئيس الفرنسي الرد على المخاوف مساء أمس من خلال كلمة متلفزة تابعها 16,7 مليون مشاهد، لكن غياب أي إعلانات جوهرية فيها حال دون تهدئة الانتقادات. ففي حين يتهمه اليسار بتجاهل مطالب المتظاهرين، يطالبه اليمين باتباع نهج أكثر حزما.
من جانبه، ربط رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار (اشتراكي)، أعمال العنف بـ "نوع من التدهور في هذا الحراك الاجتماعي، وهو تدهور تسببت فيه الحكومة". من جانب آخر، أكد رئيس حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف جوردان بارديلا أن "السلطة غابت تماما عن المشهد".
أما رافاييل غلوكسمان، المرشح الاشتراكي الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، فأعرب عن أسفه إزاء "عجز" الرئيس و"الدولة"، معتبرا أن حالة "الفوضى" هذه ستصب في مصلحة مارين لوبن.
في المقابل، دافعت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون عن موقفها بالتأكيد على أن "المسؤولين الأوائل هم المخربون"، كما وجهت انتقادات لحزب "فرنسا الأبية" (اليسار راديكالي)، معتبرة أنه يتحمل "مسؤولية أخلاقية وسياسية عن أعمال العنف".
وكان رئيس بلدية مرسيليا بونوا بايان (يسار) طالب الحكومة السبت بـ"توضيحات ومساءلة". ووفقا للشرطة، رُصد أكثر من 30 ألف شخص يشاركون في أعمال النهب في مرسيليا السبت. كما اقتحم عشرات المتظاهرين لفترة وجيزة ردهة مبنى البلدية بعد تحطيم بابه، وهم يهتفون "إنها الثورة!"، قبل أن تتدخل قوات الأمن لتفريقهم.
وصباح اليوم الاثنين، عمد طلاب إلى إغلاق مداخل متحف اللوفر في باريس، بعدما احتشدوا للتعبير عن "دعمهم" لحراك طلاب المدارس الثانوية وللتنديد بـ"قمع الشرطة". ودعت حركة "السترات الصفراء" التي تقف وراء احتجاجات السبت الماضي إلى يوم جديد من التعبئة السبت المقبل.
وتظهر الأرقام الرسمية حصيلة ضخمة للتوقيفات، إذ وُضع 2331 شخصا قيد الاحتجاز لدى الشرطة، وأودع العشرات في الحبس الاحتياطي، بينما أصيب نحو ألف من عناصر قوات الأمن، وفق السلطات.
- "حماية" الحق في التظاهر السلمي -
من جهته، دعا الاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين فرنسا إلى "حماية" الحق في التظاهر السلمي، واصفا في الوقت عينه أعمال النهب والتخريب التي رافقت الاحتجاجات في البلاد نهاية الأسبوع الفائت بأنها "غير مقبولة".
وأكد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية ماركوس لامرت أنه "لا ينبغي الخلط بين الأشخاص الذين يتظاهرون سلميا وأولئك الذين يرتكبون أعمال عنف". وأضاف "أعمال الحرق المتعمدة وعمليات النهب والاعتداءات على الأفراد أو المباني العامة أمور غير مقبولة".
من ناحية أخرى، ذكرت المفوضية الأوروبية أنها على "تواصل وثيق" مع هيئة "أركوم"، الجهة الفرنسية المنظمة للمجال الرقمي، وأبدت استعدادها لتقديم الدعم لها لضمان التزام شبكات التواصل الاجتماعي بواجباتها، ولا سيما حظر نشر رسائل تحرض على العنف.
وأشار المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الرقمية توماس رينييه إلى أنه "عندما تشتبه المنصات الإلكترونية في احتمال ارتكاب أعمال إجرامية، فإنها ملزمة بإبلاغ السلطات بذلك بشكل استباقي"، موضحا أنه من المقرر عقد اجتماع جديد مع هيئة "أركوم" اليوم الاثنين.
من جانبها، اعتبرت الحكومة البريطانية اليوم الاثنين ألا شيء يبرر العنف خلال الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا نهاية الأسبوع الفائت، واصفة ما حدث بأنه "غير مقبول".
وقال المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام للصحافيين "من الواضح أن العنف الذي نراه في شوارع فرنسا غير مقبول". وأضاف "على الرغم من أن الحق في الاحتجاج يمثل جوهر الديمقراطية، إلا أن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر العنف".
وفي هذا السياق، شددت ألمانيا اليوم الاثنين أن "لا مكان للعنف" في الشوارع، وحثّت مواطنيها في فرنسا على توخي الحذر، في أعقاب الاعتداء على مبانٍ بلدية ونهب متاجر على هامش احتجاجات في الأيام الأخيرة.
وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية في برلين "الصور التي رأيناها جميعا تثير قلقنا البالغ"، مضيفة "لا مكان للعنف في شوارع ديمقراطياتنا".
- أصداء الأزمة في الخارج -
ووصلت أصداء الأزمة الفرنسية إلى الخارج، إذ كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن "فرنسا تحترق"، معتبرا أن البلاد باتت "محطمة" بسبب الهجرة.
وقد تمتد تداعيات هذه الأزمة لتطال الدول المجاورة. فقد حدثت مواجهات مع الشرطة أمس، لليوم الثاني على التوالي، في ميلانو، العاصمة الاقتصادية لإيطاليا، حيث تعرضت بعض المتاجر للتخريب. وكانت أعمال العنف قد اندلعت في اليوم السابق على هامش تظاهرة احتجاجا على غلاء المعيشة.
كما تظاهر مئات الأشخاص السبت في بلجيكا، وتحديدا في بروكسل ولييج، تزامنا مع يوم التحرك في فرنسا ضد غلاء المعيشة. وتخللت هذه التجمعات بعض أعمال الشغب التي عزتها السلطات إلى "مخربين".
