القتال في إثيوبيا جزءٌ من صراع أكبر بكثير
15 أكتوبر 2026
15 أكتوبر 2026
إيشان ثارور - ترجمة: بدر بن خميس الظفري
إذا كان الحديث عن انهيار النظام الدولي يبدو للبعض مجرد فكرة نظرية بعيدة عن الواقع، فإن النظر إلى ما يجري في منطقة القرن الأفريقي كفيل بإظهار حقيقة هذا الانهيار على أرض الواقع.
فقد أصبحت دول هذه المنطقة، التي تتميز بمرتفعاتها الوعرة وأوديتها المتصدعة وسهولها الساحلية القاحلة، نماذج مقلقة لمرحلة جديدة من السياسة العالمية، يفرض فيها الأقوياء هيمنتهم على الضعفاء، وتعجز المؤسسات التي أُنشئت لإحلال السلام عن أداء دورها، فيما تطغى المصالح الاقتصادية المتبادلة لقوى خارجية عديدة على معاناة المدنيين.
وفي إثيوبيا، تحوّل صراع ظل محتدمًا تحت السطح لسنوات إلى حرب مفتوحة مؤخرًا. فقد تمكنت مؤخرًا القوات الحكومية ومجموعات مسلحة متحالفة معها من صد تقدم تحالف يضم فصائل متمردة على الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد.
وأحكمت القوات الحكومية وحلفاؤها سيطرتهم على مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي ومقر جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي إحدى الجماعات المسلحة المنضوية في التحالف الذي يسعى إلى الإطاحة بآبي أحمد.
وأسفرت أسابيع من العنف، امتدت من العاصمة أديس أبابا إلى مناطق في شمال إثيوبيا وشرقها، عن سقوط عشرات الضحايا، وفقًا للتقارير، إلى جانب اضطرابات في خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية، وسط مخاوف متزايدة من وقوع أزمة إنسانية.
وتعود جذور هذا الصراع إلى التوترات بين جبهة تحرير شعب تيغراي، التي هيمنت في السابق على المشهد السياسي الإثيوبي، وحكومة آبي أحمد. وكانت هذه الخلافات من الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية التي اندلعت عام 2020، وتشير بعض التقديرات إلى أنها أودت بحياة ما يصل إلى 600 ألف شخص، وسط اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
ورغم التوصل إلى اتفاق سلام عام 2022 بوساطة دولية، فإنه لم يصمد أمام الصراعات المتواصلة على النفوذ والسيطرة على الأراضي، مما مهّد الطريق لجولة جديدة من العنف والمعاناة.
ويبدو الوضع في إثيوبيا قاتمًا في حد ذاته، بالنظر إلى التركيبة المعقدة لهذا البلد، الذي يُعد ثاني أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان، ويضم عشرات المجموعات العرقية المختلفة. غير أن المشهد يزداد تعقيدًا وخطورة في ظل الأوضاع الإقليمية المحيطة به، إذ تلقي الحرب الأهلية الدائرة في السودان المجاور بظلالها على تجدد القتال في إثيوبيا.
فقد أفادت تقارير بأن حكومة آبي أحمد شاركت في تدريب قوات تابعة لقوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية تسيطر على مساحات واسعة من غرب السودان، وتواجه اتهامات بارتكاب العديد من الفظائع والمجازر بحق المدنيين خلال حربها الطويلة مع القوات المسلحة السودانية. وفي المقابل، تحدثت تقارير عن مشاركة مقاتلين من إقليم تيغراي إلى جانب الجيش السوداني في معاركه ضد قوات الدعم السريع.
وخلال المعارك السابقة في إقليم تيغراي، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب نظيرتها الإثيوبية، لكن إريتريا تبدو اليوم أقرب إلى دعم متمردي تيغراي. ودفع هذا التحول إثيوبيا إلى طرد عشرة دبلوماسيين إريتريين وإغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة، لترد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
واتهم قائد الجيش الإثيوبي مصر وإريتريا والقوات المسلحة السودانية بالوقوف وراء تأجيج التمرد الجديد. ونفت حكومات هذه الدول الاتهامات، قبل أن يجتمع قادتها في مصر مع الرئيس الصومالي، الذي تربطه بدوره خلافات مع آبي أحمد بسبب مساعي الأخير للتقارب مع أرض الصومال، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي وأعلنت استقلالها من جانب واحد، لكنها تقع ضمن الحدود المعترف بها دوليًا للصومال.
وأصدر القادة المجتمعون بيانًا عبّروا فيه عن مواقف مشتركة معارضة لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، الذي فقدت إمكانية الوصول المباشر إليه بعد استقلال إريتريا عام 1993، فضلًا عن اعتراضاتهم على تشييد إثيوبيا سدًا ضخمًا على نهر النيل. كما رفض البيان أي اعتراف بأرض الصومال أو تقديم الدعم لها. وتُعد إسرائيل الدولة الوحيدة العضو في الأمم المتحدة التي أقامت علاقات رسمية مع حكومة أرض الصومال.
وردّ آبي أحمد بتجديد تأكيده أن إثيوبيا لا بد أن تمتلك «منفذًا إلى البحر»، وهو الهدف الذي تسعى حاليًا إلى تحقيقه من خلال تعزيز علاقاتها مع أرض الصومال المجاورة.
وإذا بدا هذا المشهد معقدًا، فإن الصورة لا تقف عند هذا الحد. ففي خلفية هذه الصراعات تتداخل مخططات ومصالح مجموعة من القوى الإقليمية الكبرى، من بينها دول عربية.
وتؤدي هذه الدول جميعها أدوارًا في منطقة واسعة تتداخل فيها الصراعات مع الفرص الاقتصادية والاستراتيجية. وتغذي هذه الصراعات المنافسة على السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية والموارد الاقتصادية الثمينة، مثل النفط والمعادن الحيوية والمياه، فضلًا عن التنافس الأوسع على النفوذ السياسي والاستراتيجي في المنطقة.
وتتجلى الخلافات بين هذه الدول في صراعات بالوكالة، إذ تسعى كل منها إلى تعزيز مصالحها ونفوذها من خلال دعم أطراف محلية أو إقليمية متنافسة.
وكان رئيس أرض الصومال، عبدالرحمن محمد عبدالله، قد أكد لي خلال فعالية أُقيمت الشهر الماضي في مدينة نيويورك، أنه لا يوجد أي حضور عسكري إسرائيلي في المنطقة «في الوقت الراهن»، رغم التكهنات المتداولة بشأن ذلك.
وقال أليكس روندوس، الممثل الخاص السابق للاتحاد الأوروبي في منطقة القرن الأفريقي: «أصبح القرن الأفريقي جزءًا مضطربًا من المشهد السياسي المنقسم في الشرق الأوسط»، مضيفًا أن القتال في إثيوبيا «يعني أننا نشهد اندماجًا وتقاربًا بين صراعات مختلفة، بما ينذر بتحولها إلى صراع أوسع وأكثر خطورة».
من جانبها، ترى ميشيل غافين، الدبلوماسية الأمريكية السابقة التي شغلت منصب المديرة العليا للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، أن المنطقة تشهد سلسلة من الصراعات المتشابكة التي يبدو أنها تتجمع تدريجيًا لتشكل صراعًا واحدًا.
وقالت غافين: «أشعر أحيانًا وكأنني أحاول رسم شبكة معقدة من الخيوط الحمراء لربط الأحداث بعضها ببعض، لكن الحقيقة أن هناك الكثير من بؤر التوتر التي أصبحت مرتبطة ببؤر أخرى، إلى درجة تجعل من السهل جدًا أن يؤدي تصعيد الصراع في مكان واحد إلى إشعال موجة من التصعيد في أنحاء المنطقة بأكملها».
ورغم وجود آليات ومسارات دبلوماسية تهدف إلى منع اندلاع حرب واسعة النطاق، فإنها لا تبدو قادرة على تحقيق أهدافها. ففي السودان، عجزت مجموعات مختلفة من القوى الدولية عن وقف الحرب الأهلية التي دخلت عامها الرابع، ومن بينها «الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، و«الخماسية»، التي تضم خمس مؤسسات دولية، من بينها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي.
وقد تسببت الحرب في نزوح نحو ثلث سكان السودان من ديارهم، فيما أصبح أكثر من ثلثي السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية. وحذرت منظمات إغاثية من أن نقص المساعدات واستمرار القتال يهددان المحصول الزراعي لهذا العام في السودان، وهو ما يُرجح أن يؤدي إلى تفاقم أزمة الجوع التي تعصف بالبلاد، وتُعد الأسوأ في العالم حاليًا.
ولا تزال بعض الدول تتمسك بمصالح تسهم في استمرار الصراع، بينما تعجز أطراف خارجية أخرى عن ممارسة الضغط الكافي لإقناع الأطراف المتحاربة بوقف القتال. وتأتي الولايات المتحدة ضمن هذه الأطراف، إذ أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب رغبتها في إنهاء الصراع السوداني، وأجرت عدة جولات من المحادثات، لكن محللين يرون أن انخراطها في جهود التسوية ظل سطحيًا وغير كافٍ في أحسن الأحوال.
وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد أسهمت في التوصل إلى اتفاق أنهى الصراع في إقليم تيغراي عام 2022، غير أن الإدارة الحالية «انحازت إلى أحد الأطراف» في إثيوبيا، بحسب ما كتبه كاميرون هدسون، الذي شغل منصب مدير الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش، في موقع «سيمافور» الإخباري.
وأشار هدسون إلى أن إدارة ترامب أعطت الأولوية لصفقات تجارية كبيرة لبيع طائرات أمريكية إلى إثيوبيا، فضلًا عن فرض عقوبات على عدد من مسؤولي إقليم تيغراي في وقت سابق من هذا العام.
وقال أليكس روندوس إن دول المنطقة كانت تنظر إلى واشنطن باعتبارها أشبه بشرطي المرور الذي يتولى تنظيم حركة الأطراف المتنافسة وضبط سلوكها، لكنها أصبحت اليوم «غائبة فعليًا عن أداء هذا الدور»، الأمر الذي أوجد لدى حكومات عديدة شعورًا بأنها تستطيع التصرف دون خشية من المحاسبة.
وفي ورقة تناولت السياسات الإقليمية، نشرها روندوس في وقت سابق من هذا العام، أشار إلى تشكّل معسكرين في منطقة القرن الأفريقي.
وأوضح أن المعسكر الأول «يعلن دفاعه عن السيادة الإقليمية للدول القائمة وحدودها»، وهو موقف ينسجم مع الخطاب الذي تبناه قادة مصر وإريتريا والصومال خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وكذلك الدول الداعمة لهم.
أما المعسكر الثاني، فيركز على «السيطرة على الممرات الاستراتيجية والموارد وسلاسل الإمداد، بدلًا من التمسك بالمفاهيم التقليدية للسيادة على الأراضي».
ويبدو أن إدارة ترامب تميل، في توجهاتها السياسية وطريقة تعاملها مع المنطقة، إلى المعسكر الثاني.
ويدرك رئيس أرض الصومال، عبدالرحمن محمد عبدالله، أن هذه الظروف قد تمثل أفضل فرصة أمامه للحصول على اعتراف أمريكي باستقلال المنطقة، ولذلك كثّف مساعيه لدى البيت الأبيض لتحقيق هذا الهدف.
وشملت العروض التي قدّمها احتمال إطلاق اسم الرئيس ترامب على أحد المطارات الرئيسية، وتسهيل إنشاء برج يحمل اسم «ترامب تاور» في هرجيسا، العاصمة التي تتخذها أرض الصومال مقرًا لحكومتها.
وترى ميشيل غافين، التي تعمل حاليًا في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الصفقات القائمة على المصالح الضيقة التي تعقدها القوى الخارجية، وما تغذّيه من موجات متزايدة من العنف، تعكس طبيعة المشهد الجيوسياسي الجديد.
وقالت غافين: «إن هذا النهج القائم على أن المال هو الذي يحسم الأمور، والفشل التام للمؤسسات متعددة الأطراف في ممارسة الدبلوماسية الوقائية التي تحول دون اندلاع الصراعات، والحروب بالوكالة التي تتنافس فيها القوى على النفوذ من خلال إراقة دماء الأفارقة، كلها تقدم صورة محبطة للغاية عن الواقع الذي وصلنا إليه».
