No Image
ترجمة

أزمة ديون عالمية تلوح في الأفق

15 أكتوبر 2026
15 أكتوبر 2026
محمود محيي الدين ـ تريفور مانويل ـ باولو جينتيلوني

يقترب العالم أكثر فأكثر من أزمة ديون عالمية. وربما كانت الحرب مع إيران هي الشرارة التي أشعلت هذه الأزمة، لكن المواد القابلة للاشتعال كانت تتراكم منذ فترة طويلة. فبعد عشر سنوات من تراكم الديون، تسبب ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد احتياجات إعادة التمويل في جعل الاقتصاد العالمي عُرضة للصدمات على نحو متزايد. وفي ظل النزاعات الجارية التي تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، تختبر الضغوط التضخمية المتجددة حدود بنية الديون القائمة.

وتبدو التوقعات مقلقة بشكل خاص بالنسبة للبلدان النامية، حيث بلغ إجمالي الدين العام 35 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 10.5% في غضون عام واحد. وفقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «تنفق الدولة النامية المتوسطة حاليا نحو 9.5 في المائة من الإيرادات الحكومية على سداد الفوائد، وهي أعلى نسبة خلال 25 عاما.

وتعاني 32 دولة منخفضة الدخل من أزمة ديون أو تقترب بدرجة خطيرة من الانزلاق إليها. بيد أن عمليات إعادة الهيكلة مع الدائنين من القطاع الخاص تستغرق عامين ونصف العام في المتوسط، أي ضعف المدة التي كانت تستغرقها العملية قبل الجائحة.

المشكلة الأساسية ليست مقدار ما تدين به البلدان، بل تكلفة التمويل الجديد وعدم توفره؛ إذ ترتفع تكاليف الفائدة الفعلية بوتيرة أسرع من قدرة بلدان عديدة على سداد ديونها من عائدات الصادرات والإيرادات المالية، وقد تزداد هذه الفجوة اتساعا. وحتى البلدان حيث استقرت نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قد تواجه ضغوطا شديدة على السيولة إذا اضطرت إلى ترحيل ديون بمبالغ ضخمة بأسعار فائدة أعلى كثيرا.

هذه المشكلة ليست محصورة في البلدان النامية؛ فقد تجاوز إجمالي فاتورة الفوائد المستحقة على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) 2 تريليون دولار. وتستوعب الولايات المتحدة كميات هائلة من رأس المال من خلال زيادة الاقتراض العام، وتلجأ شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة على نحو متزايد إلى أسواق السندات بنفسها، كما يهدد ارتفاع الإنفاق الدفاعي والالتزامات المالية الجديدة الضخمة بتغذية مزيد من الضغوط التي تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع.

عندما يتمكن أكبر مقترض في العالم من الاقتراض على نطاق لا حدود له تقريبا، فقد تضطر بلدان أخرى احتياجاتها التمويلية أصغر كثيرا إلى دفع الثمن.

هذه السمة التي تعيب بنية الديون العالمية غير عادلة وغير مستدامة. فالبلدان التي اقترضت بحذر قد تظل خاضعة للضغوط جراء قرارات تُتخذ في أماكن أخرى. وتواجه الاقتصادات النامية اختيارا مستحيلا، فإما أن تزيد ما تدفعه لإعادة تمويل الديون القائمة، أو تخفض الإنفاق على الصحة، والتعليم، والبنية الأساسية، والاستثمار الإنتاجي.

ومن غير الممكن أن يكون الحل هو سياسة التقشف وحدها؛ فاستدامة الديون تعتمد في نهاية المطاف على القدرة الإنتاجية التي تولد النمو، والإيرادات، واحتياطيات النقد الأجنبي للغد. والانضباط المالي مهم، لكن حماية الاستثمار العام اللازم لجعل الديون مستدامة لا تقل أهمية.

الخبر السار هنا هو أن المجتمع الدولي لا يبدأ من الصفر؛ فقد أثبتت عدة إصلاحات جرى الاتفاق عليها العام الماضي في إشبيلية في إطار أعمال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية قابليتها للتطبيق. والآن، يجري توحيد شروط تجميد سداد الديون؛ كما جرى اختبار عمليات مبتكرة لمبادلة الديون مقابل التنمية؛ ووافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مؤخرا على تغييرات في إطار عملهما المتعلق باستدامة الديون؛ وأصبحت الفقرات التي تشترط العمل الجماعي أكثر انتشارا؛ وتمنح منصة مقترضين جديدة البلدان المدينة صوتا أقوى.

بدأت الأسواق تنتبه إلى ذلك. والآن، تعتبر وكالة موديز خيار تعليق خدمة الديون عاملا إيجابيا من ناحية الجدارة الائتمانية، ما يشير إلى أنها لن تتعامل مع تفعيل بند التعليق الوارد في العقد على أنه تخلف عن سداد الالتزامات. بفضل هذا التغيير الوحيد، تلاشى أحد الأسباب الرئيسية وراء تردد صُـنّاع السياسات في استخدام مثل هذه البنود.

ومع ذلك، فقد حدد فريق الخبراء التابع لنا فجوة حَـرِجة في تنفيذ إصلاحات إشبيلية: الأدوات اللازمة موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى ممارسة معتادة، كما هو مفصل في تقرير التنفيذ الصادر عن فريق الخبراء المعني بالديون في أكتوبر 2026. قد يتحول هذا إلى مشكلة خطيرة نظرا لظروف الاقتصاد الكلي الحالية.

في حالات الطوارئ، لا تستطيع البلدان أن تنتظر سنوات حتى يجري تضمين الأحكام الجديدة في العقود أو التشريعات. فهي بحاجة ماسة إلى آلية لتعليق خدمة الديون مؤقتا، على غرار مبادرة تعليق خدمة الديون التي أطلقتها مجموعة العشرين في فترة الجائحة.

ينبغي لهذا الخيار أن يكون متاحا لأي بلد يواجه ضغوطا حادة، مع تشجيع بنوك التنمية المتعددة الأطراف على المشاركة. ومن خلال توفير إغاثة السيولة الفورية، يصبح بوسعنا منع مشكلة إعادة التمويل الحالية من التحول إلى أزمة ملاءة مالية في المستقبل.

في الوقت ذاته، من الأهمية بمكان زيادة التمويل الميسر بدرجة كبيرة وجعل التنبؤ به أكثر سهولة. ولأن مصادر الإقراض وإعادة التمويل الإضافية تشكل ضرورة أساسية لضمان استدامة الديون، ينبغي لبنوك التنمية المتعددة الأطراف العمل على توسيع الموارد المقدمة بشروط ميسرة، والضمانات، والتمويل المعاكس للدورة الاقتصادية. وينبغي تعبئة مجتمع بنوك التنمية العامة الأوسع (المتحدة الآن في إطار مبادرة التمويل المشترك) كجزء من الاستجابة.

حيثما، وكلما كان ذلك ممكنا، ينبغي للبلدان أن تعمل أيضا على تنويع العملات التي تقترض بها، وتعزيز إدارة الديون المحلية واحتياطيات السيولة، ووضع استراتيجيات تمويل تأخذ في الاعتبار بشكل أفضل مخاطر أسعار الصرف وإعادة التمويل.

أخيرا، يجب أن تميز تحليلات القدرة على تحمل الديون بين ضغوط السيولة والإعسار، وأن تضع في الحسبان استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، وعائدات الصادرات المتقلبة، والقيود المالية، وقيمة الاستثمارات التي تعزز المرونة والقدرة الإنتاجية.

ويُعد الاستعراض الذي نال الموافقة مؤخرا لإطار عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن قدرة البلدان المنخفضة الدخل على تحمل الديون (LIC-DSF) خطوة في الاتجاه الصحيح.

فسوف تدفع هذه المراجعة كلا المؤسستين نحو إجراء تقييمات طويلة الأجل، وإدراج الدين المحلي في التحليل، وإدخال مؤشرات السيولة (احتياجات التمويل الإجمالية ومدفوعات الفائدة نسبة إلى الإيرادات) لتمييز إشارات ضغوط السيولة عن الإعسار.

لكن هذه التغييرات لن تطبق إلا اعتبارا من منتصف عام 2027، ولن تشمل البلدان التي تتمتع عادة بالقدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية. وهذا يعني أن المؤسسات المسؤولة عن الإصلاحات الحاسمة لديها الفرصة للاختيار.

فبوسع مجموعة العشرين، لا سيما في ظل رئاسة المملكة المتحدة لها العام المقبل، أن تحول التزامها المعلن بتسهيل تنسيق الديون للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى إصلاحات عملية للإطار المشترك لمعالجة الديون.

كما يستطيع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي العمل على تسريع تنفيذ إطار عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المعدل بشأن قدرة البلدان المنخفضة الدخل على تحمل الديون وتوسيع نطاقه ليشمل البلدان القادرة على الوصول إلى الأسواق. كما يستطيع الدائنون والمقترضون تحويل مقايضات الديون من ابتكارات صالحة للاستخدام مرة واحدة إلى أدوات متكررة الاستخدام. ومن الممكن أن تعمل البلدان المقترضة على تحويل منصة المقترضين إلى مؤسسة دائمة.

كانت البنية التي جرى الاتفاق عليها في إشبيلية مصممة لمواجهة الصدمات العالمية. والآن، وصلت الصدمات، لكن التنفيذ عاجز عن مواكبتها. ولا تستطيع البلدان التي تتحمل بالفعل أثقل أعباء التمويل أن تنتظر لحاق الإصلاحات بالرَكب.