الحرب والبحث العلمي

13 أكتوبر 2026
13 أكتوبر 2026

من بين ما أثار اهتمامي مع تطور الأحداث المؤسفة في المنطقة، دراسات يجري تداولها هذه الأيام، من بينها مثلا دراسة عن سلاسل توريد الأسلحة للجماعات المسلحة في المنطقة، تلقي الضوء على مناطق ينبغي التعامل معها عند العدو قبل المواجهة المباشرة على الأرض.

إذ تكشف الدراسة مثلا تأثير سلاسل التوريد هذه في تهيئة المناخ لنشوء جماعات مسلحة منظمة أخرى وغير متوقعة، وظهور أشكال جديدة من التهريب، من خلال تتبع المواد الخام الداخلة في صناعة الأسلحة، والتعقيدات المرتبطة بالحصول عليها، وشبكات التواطؤ التي تتيح ذلك.

من أشكال التفاعل مع الدراسة، تساءل كثيرون عمّا إذا كانت لدينا مراكز بحثية تعمل بالطريقة نفسها، وتهتم بهذه الظواهر وتفحصها، فالدراسة أعدّها باحثون غير عرب، ونُشرت في مؤسسة بحثية غير عربية.

فوجئت عند بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بأن كثيرا من المتحدثين في وسائل الإعلام والقنوات الإخبارية، حتى المتخصصة منها، يجهلون طبيعة النظام السياسي في إيران، ومؤسساته وآليات الحكم فيه. رُميت الملاحظات الساذجة هنا وهناك، وكأننا أمام بلد لا نعرف عنه شيئا، رغم حضوره المستمر في الأخبار والتحليلات السياسية منذ عقود.

ومرة أخرى، أنا لا أتحدث عن القدرة على تحليل ما يحدث، أو إبداء رأي فيه، وإنما عن معرفة وصفية أساسية بطبيعة النظام ومؤسساته، أي عن معلومات يمكن التحقق منها، ولا تتطلب موقفا سياسيا أو اجتهادا تفسيريا.

ما يسبب لي حساسية في كتابة هذا الآن أنني أجد نفسي أعيّن أمثلة بعينها، وأعرف أنها تبسيطية بالضرورة ومختزلة. فكل شيء، في الحقيقة، مساحة لتحقّق شبكة معقدة من العوامل التي تستحق البحث.

ولنضرب أمثلة على ذلك: التطرف، والفردانية، والقطيعة مع التراث، والجشع الاقتصادي، وغيرها، تمتد آثارها إلى أكثر تفاصيل حياتنا اعتيادية. ومع ذلك، ورغم أن قبضتها تشتد علينا، ورغم أننا نختبر نتائجها في حياتنا اليومية، وفي الحروب والأزمات التي تحيط بنا، يبدو أن شيئا من هذا كله لم يكن كافيا لمراجعة الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا.

لكن هل يمكن أن يكون هناك بحث في العلوم الاجتماعية دون حرية؟ ودون قدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات، والتزام المؤسسات بالاستجابة لعملية البحث؟ دون القدرة على فتح الأرشيف ونقده، ودون الاستعداد للتخلي عن «الأنا» الجماعية التي تشكّلت على مدى عقود لتسقر صورتنا الجماعية دون مراجعة، وإعادة اختبارها وتفكيكها؟ لا أعتقد أن هذا ممكن. والمفارقة أن المؤسسات والسلطات نفسها تتضرر بصورة مباشرة من القيود التي فرضتها على إمكانات البحث العلمي وإنتاج المعرفة.

وأنا أتساءل بسذاجة، إن سمحتم لي، لماذا يحدث هذا؟ ألم نختبر ما يكفي من الأحداث التي أسهمت في إنتاج واقعنا المأساوي هذا، وكان بالإمكان، ربما، أن نعيد موضعة أنفسنا داخلها لو أننا اقتربنا منها أكثر، وحاولنا فهمها، وسمحنا لأنفسنا بمساءلة موقعنا منها؟

في المقابل، دعونا نكون صادقين مع أنفسنا. أحيانا توفر السلطات والمؤسسات الموارد والظروف اللازمة لوجود بيئة حاضنة للبحث والإنتاج المعرفي، لكن البيروقراطية تفسد ذلك. فطبيعة العمل داخل المؤسسات، ومحدودية كفاءة الأفراد في بعض مواقع اتخاذ القرار، تجعل ترجمة الأهداف العامة إلى تطبيقات عملية أمرا مضحكا وساذجا في بعض الأحيان.

لنفترض مثلا أن مؤسسة ما تريد مساعدة الشباب على تطوير مهاراتهم الإبداعية.

قد يفهم الموظف المسؤول في إحدى دوائرها أن المقصود بهذا الهدف هو تنظيم محاضرة عن «تطوير المهارات الإبداعية»، يُعاد فيها إنتاج كلام مجرد، ولا يكاد يقدم شيئا للمستهدفين.

بينما يمكن لموظف آخر، أكثر كفاءة وخيالا، أن يرى في الهدف نفسه إمكانات مختلفة تماما: ورشة لتطوير مهارات الترجمة عن اللغات الآسيوية لدى الشباب، أو نقاشا حول شركات التقنية الناشئة التي يؤسسها شباب في البلد، وإمكان توسيع أعمالها من مع الشراكات الدولية، أو تصميم برنامج لاكتشاف مواهب لاعبي كرة القدم دون سن الثامنة عشرة. هذه أمثلة عشوائية، لكنها توضح كيف يمكن للهدف الواحد أن يتحول إلى برامج تستجيب لاحتياجات فعلية.

هذا هو الحال أيضا مع البحث العلمي. قد تُنفق مئات الملايين، وتُنشأ المؤسسات والمراكز، وتُعتمد الاستراتيجيات، لكن الطريقة التي تُدار بها هذه الموارد تحول دون تحقيق الغرض الذي خُصصت من أجله.

فهناك تقارير سنوية ينبغي أن تقدمها المؤسسات، لتقع كارثة أخرى، لا تتعلق بالكيفية التي نقيس بها الإنجازات فحسب، بل بالطريقة التي يصبح بها القياس نفسه موجها للعمل المؤسسي. فقد تضع مؤسسة هدفا بنشر ستين مقالا في الشهر، ثم تعيد تنظيم عملها ومواردها وموظفيها لتحقيق هذا العدد.

لا توجد بالضرورة نوايا سيئة وراء ذلك، بل قد يكون الجميع مخلصين تماما لأعمالهم، لكن الغاية الأصلية من النشر تتراجع تدريجيا أمام ضرورة الوفاء بالمؤشر حتى وإن بشكل غير واعٍ.

قرأت قبل أيام تقريرا عن الوضع الثقافي في بلد عربي، قيس فيه وضع الكتابة بعدد الكتّاب الجدد الذين تبنّت الدولة نشر كتبهم. وبالتأكيد، لا أريد القول إن هذه الأرقام لا تعني شيئا، فلها دلالاتها أيضاً. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تعود المؤشرات الكمية مجرد أدوات لقياس عمل المؤسسة، وإنما تصبح هي نفسها ما يوجّه هذا العمل ويحدد أولوياته.

هذا لا يعفي السلطات نفسها من المسؤولية، فهي التي تعيّن، في نهاية المطاف، كثيرا ممن يشغلون مواقع اتخاذ القرار، وتحدد الشروط التي يعملون في ظلها. وهنا أيضا تبرز أهمية «دمقرطة» العمل المؤسسي والحياة العامة، بما تتيحه من إمكانات مستمرة للمساءلة والنقد، وإعادة اختبار كفاءة الأفراد ومواقعهم، ومراجعة القرارات والآليات التي تحكم عمل المؤسسة، بدلاً من أن تتحول المواقع الإدارية إلى مواقع مستقرة، محصّنة من النقد، ولا يهدد استمرارها ضعف الأداء أو الإخفاق في تحقيق الغايات التي وُجدت من أجلها.

وهذا لا يقتصر على المؤسسات الإدارية والخدمية، بل يشمل الأكاديمية مثلا، التي يُفترض أنها مركز لإنتاج البحث والمعرفة ونقدها، وكذلك هو الحال مع مراكز البحث الوطنية.

أنا متطلبة لا أريد بحوثاً ودراسات كهذه فحسب، بل أريد بحوثا عن تلك البحوث نفسها، وعن المؤسسات التي تنتجها، وشروط إنتاجها وتمويلها. قرأتُ مؤخرا كتابا يجمع أبحاثا عن صراع طائفي في المنطقة تدخلت فيه دولة عربية، موضوعه حدود هذا التدخل وأبعاده، لكن اتجاهات الأبحاث فيه مالت إلى نقد تلك الدولة وشيطنتها.

ومع كل معلومة وتحليل أقرأهما، ألح سؤال آخر عليّ: من يمول المؤسسة البحثية التي أصدرت هذا الكتاب؟ بحثتُ في الإنترنت، ولم أجد ضالتي.

ولا أقول هذا لأشكك بالضرورة في نتائج الأبحاث، أو لأفترض أن التمويل يحدد مسبقا ما ينتهي إليه الباحثون، وإنما لأن معرفة شروط إنتاج البحث جزء من قراءته ونقده أيضا. وهنا تظهر إشكالية أخرى: حين لا نطوّر مؤسساتنا البحثية، ولا ننتج معرفة كافية عن أنفسنا ومجتمعاتنا، فإننا لا نفتقر إلى الدراسات وحدها، بل نترك أيضا للآخرين مساحة لتشكيل السرديات عنا.