استطلاعات ترصد واقعية أكبر في غزة وتربط قبول التطبيع بقيام دولة فلسطينية
"عمان": أظهرت استطلاعات للرأي العام الفلسطيني ارتفاع التأييد لحل الدولتين في غزة والضفة الغربية، بالتزامن مع ضعف الثقة بالقيادات القائمة. وتقدم النتائج صورة تختلف عن التصور السائد لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين بأن الفلسطينيين يرفضون التفاوض، وتضع الاستقلال والأمن وتجديد الحكم في مقدمة أولويات الجمهور الفلسطيني بعد سنوات الحرب والانقسام.
وبحسب قراءة أعدّها الباحثون مايكل روبنز وأماني جمال ومارك تيسلر، المشاركون في إدارة «الباروميتر العربي» ونشرتها مجلة فورين أفيرز ، بلغت نسبة مؤيدي حل الدولتين في غزة 64 بالمائة في أكتوبر 2025، مقابل 54 بالمائة في أوائل أكتوبر 2023. وفي الضفة الغربية، وصلت النسبة إلى 56 بالمائة، بزيادة سبع نقاط مئوية خلال الفترة نفسها.
وتستند القراءة أساسا إلى استطلاع أجراه الباروميتر العربي في أكتوبر 2025، بمقابلات مباشرة شملت 855 شخصا في منازلهم ومراكز إيوائهم ومخيماتهم بغزة، و800 شخص في منازلهم بالضفة الغربية. وبدأ المسح يوم إعلان وقف رسمي لإطلاق النار، مع تخصيص مساحة أكبر لاحتياجات سكان غزة العاجلة على حساب بعض الأسئلة السياسية والاجتماعية. ويدعم اتجاهاته استطلاع أحدث للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، شريك الباروميتر العربي ومقره رام الله.
ويجري الباروميتر العربي استطلاعات فلسطينية منذ عقدين. ويعتقد الباحثون أن الظروف لم تتغير بما يبدل الاتجاهات الأساسية لنتائج 2025. وفي قراءتهم، يظهر سكان غزة واقعية أكبر رغم تحملهم القسط الأثقل من الدمار، وتقدم أغلبية منهم الاستقلال على الانتقام من إسرائيل.
تحولات في خيارات التسوية
عند المفاضلة بين دولتين، ودولة واحدة، واتحاد كونفدرالي، وخيار «آخر»، تقدم حل الدولتين على بقية الخيارات. وفي غزة، ارتفع تأييد الكونفدرالية عشر نقاط مئوية إلى 20 بالمائة بين 2023 و2025، وتراجع تأييد الدولة الواحدة أربع نقاط إلى خمسة بالمائة.
وانخفض الخيار «الآخر»، الذي غالبا ما يعكس تفضيل المقاومة المسلحة بحسب الباحثين، من 20 إلى سبعة بالمائة.
وكان التحول بارزا بين الشباب. ففي 2023، قلّ تأييد حل الدولتين لدى الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاما بتسع نقاط مئوية عنه لدى من بلغوا الثلاثين فأكثر. واختفت هذه الفجوة بحلول خريف 2025، فيما انخفض تأييد الخيار «الآخر» بين الشباب من 27 إلى 14 بالمائة.
وفي أوائل أغسطس 2026، أظهر استطلاع للمركز الفلسطيني شمل 440 شخصًا في غزة أن 61 بالمائة يفضلون دولتين على أساس حدود 1967 على خيارات أخرى، بينها دولة واحدة يتمتع الجميع فيها بالمساواة. ووافق 65 بالمائة على أن المقاومة المسلحة أخفقت في حماية الفلسطينيين وجلبت الدمار.
وأظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في يونيو ويوليو أن 52 بالمائة من فلسطينيي الضفة الغربية يعدّون المفاوضات أفضل سبيل لإنهاء الصراع، متقدمة بفارق كبير على البدائل، ومنها المقاومة المسلحة.
وتتغير المواقف من التطبيع تبعا لشروطه. ففي مسح أكتوبر 2025، أيد 11 بالمائة من المشاركين في غزة والضفة الغربية تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، مع تأييد أعلى في غزة بلغ نحو الخُمس. وفي 2023، كانت النسبة عشرة بالمائة في غزة وخمسة بالمائة في الضفة.
لكن ربط التطبيع بقيام دولة فلسطينية، وهو الشرط الذي أصرت عليه السعودية بحسب المقال، رفع التأييد في مسح 2025 إلى نصف سكان غزة وأكثر من ربع سكان الضفة. ويرى الباحثون أن هذه الفجوة تعكس أولوية الاستقلال لدى الفلسطينيين، وأن معارضة التطبيع ترتبط بدرجة كبيرة باحتمال تجاوزه حقوقهم الوطنية.
وتقابل هذه النتائج مواقف إسرائيلية مختلفة. ففي استطلاع لجامعة تل أبيب في يوليو 2026، اعتقد 72 بالمائة من الإسرائيليين اليهود أن الفلسطينيين يعارضون مفاوضات السلام بدرجة متوسطة أو شديدة، ورأى أكثر من 80 بالمائة أن الفلسطينيين يعتقدون باستحالة السلام مع إسرائيل. وأظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في أكتوبر 2025 رفض نحو 70 بالمائة من الإسرائيليين اليهود قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف.
البقاء وسط الانهيار
جاءت هذه المواقف الفلسطينية وسط أزمة إنسانية حادة. ففي استطلاع أكتوبر 2025، قال 85 بالمائة من سكان غزة إنهم نزحوا مرة على الأقل منذ أوائل أكتوبر 2023، ومن هؤلاء نزح 70 بالمائة ثلاث مرات أو أكثر. وأفاد 61 بالمائة بأن فردا من أسرهم فقد عمله بسبب الحرب.
وتناول أقل من نصف المشاركين الطعام يوميا خلال الأسبوع السابق للمسح، بينما قضى أكثر قليلا من الخُمس الأيام السبعة كلها أو معظمها من دون طعام. وبين الأسر التي تضم أطفالا في سن الدراسة، قالت 31 بالمائة إن أيا من أطفالها لا تتاح له فرصة التعليم. ولم تتجاوز إتاحة الكهرباء تسعة بالمائة، والوقود أو غاز الطهي ستة بالمائة.
ويشير المقال إلى عدم إجراء مسح إنساني مماثل لاحقا، ويقدّر الباحثون أن محدودية المساعدات وتعثر تنفيذ اتفاق وقف النار أبقيا حجم التحديات دون تغير جوهري. وفي أوائل سبتمبر، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بغياب شبه كامل لكهرباء موثوقة، فيما وثقت تقارير سابقة حرق النفايات للطهي.
ومع ذلك، قالت أغلبية سكان غزة إنها وأفراد أسرها لن يغادروا لو استطاعوا. وبلغت نسبة الراغبين في المغادرة بمفردهم أو مع أسرهم 41 بالمائة، قريبة من نسب التفكير في الهجرة بالأردن، 44 بالمائة، وتونس، 41 بالمائة، في استطلاعات خريف 2025. ويقرأ الباحثون هذه النتيجة بوصفها تعبيرا عن رغبة معظم السكان في البقاء وإعادة البناء.
وفي الضفة الغربية، وصف 58 بالمائة أحياءهم بأنها آمنة، بانخفاض 16 نقطة مئوية عن أكتوبر 2023، وقيّم الثلثان توفير السلطة الفلسطينية للأمن بأنه سيئ أو سيئ جدا. وفكّر 24 بالمائة في الهجرة؛ وبين الراغبين فيها، وردت دوافع اقتصادية في إجابات 71 بالمائة، وأمنية لدى 38 بالمائة، وسياسية لدى 37 بالمائة، بخلاف مجتمعات أخرى يغلب فيها الدافع الاقتصادي.
ووصف 92 بالمائة اقتصاد الضفة بأنه سيئ أو سيئ جدا، بزيادة 21 نقطة مئوية خلال عامين. وأفاد 51 بالمائة بأن الطعام لم يكفِ ولم يتوافر مال لشراء المزيد، كثيرًا أو أحيانًا خلال الثلاثين يومًا السابقة، وقال 41 بالمائة إنهم اضطروا لتفويت وجبة بسبب نقص المال أو الموارد خلال الأشهر الاثني عشر السابقة.
أزمة تمثيل وحكم
على المستوى السياسي، أظهر مسح أكتوبر 2025 أن 24 بالمائة من سكان الضفة يشعرون بالقرب من حماس، مقابل 18 بالمائة من فتح. وقال 51 بالمائة إنهم لا يقتربون من أي حزب، أو لا يعرفون، أو امتنعوا عن الإجابة. وبلغت الثقة بحكم السلطة 23 بالمائة، مقابل 19 بالمائة في 2023، وبمحمود عباس 19 بالمائة.
وفي غزة، أعرب 29 بالمائة عن الثقة بحكومة حماس في 2023، وانتقد 72 بالمائة فساد المؤسسات. وفي أكتوبر 2025، بقيت الثقة بما تبقى من الحكومة عند نحو الثلث. ويرى الباحثون أن هجوم السابع من أكتوبر والحرب اللاحقة لم يمنحا الحركة مكاسب مستدامة في التأييد.
وفي انتخابات تشريعية افتراضية تتنافس فيها قوائم 2006، اختار 16 بالمائة من الفلسطينيين في المنطقتين فتح، و19 بالمائة قائمة حماس «التغيير والإصلاح». وقال 55 بالمائة إنهم لن يؤيدوا أيا من تلك الأحزاب أو لن يصوتوا.
وفي استطلاع أغسطس، فضّل نحو 40 بالمائة مروان البرغوثي مرشحا للرئاسة، بأكثر من ضعف تأييد أي شخصية أخرى.
ويرى الباحثون أن إعادة السلطة إلى غزة تتطلب معالجة أزمة شرعيتها، في ظل عدم ثقة أغلبية سكان الضفة بقوات الأمن الوطني والشرطة، اللتين لم تكونا تعملان في غزة وقت المسح ولا عند كتابة التقرير. ويربطون تآكل الشرعية بالفساد وتقديم المطالب الأمنية الإسرائيلية، بالتزامن مع التوسع الاستيطاني، ما عزز سابقا الانطباع بأن السلطة تخدم الاحتلال وأسهم في صعود حماس.
وحول إدارة المرحلة الانتقالية، فضّل 43 بالمائة من سكان غزة، في استطلاع أغسطس 2026، اللجنة الوطنية التي اقترحها مجلس السلام، مقابل 34 بالمائة أيدوا انتخابات لتشكيل حكومة. وفي الضفة، بلغت نسبة تأييد كل خيار 24 بالمائة. ويحذر الباحثون من أن تثبيت حكومة تكنوقراط لغزة وحدها قد يكرس الانفصال، مستشهدين بدعوة سلام فياض، رئيس الوزراء بين 2007 و2013، إلى حكومة انتقالية موحدة وغير فصائلية للمنطقتين.
وبقي تأييد الديمقراطية في الضفة شبه ثابت، عند 78 بالمائة في 2023 و77 بالمائة في 2025. لكن تأييد قائد قوي يتجاوز القواعد لإنجاز الأمور ارتفع من 41 إلى 51 بالمائة، ووافق الثلثان على أن حل المشكلات الاقتصادية أهم من نوع الحكومة. ويفسر الباحثون ذلك بالإنهاك السياسي والحاجة إلى الأمن والنتائج، مع استمرار تفضيل الديمقراطية.
الدولة في صلب الإعمار
ويرصد التحليل تعثر خطة ترامب، المعلنة في سبتمبر 2025، بعد عام على إطلاقها. فحماس لم تنزع سلاحها، وإسرائيل تسيطر على أكثر من 60 بالمائة من غزة، ولم تتشكل حكومة التكنوقراط وقوة الأمن الدولية الموعودتان، وبالكاد بدأ الإعمار الواسع. ورفض نتنياهو اتفاق نزع سلاح تدعمه واشنطن مع اقتراب انتخابات أكتوبر.
وتظل كلفة التأخير حاضرة في سوء التغذية والفقر والأمراض المعدية وندرة المياه وتراكم الأنقاض والنفايات في غزة. ويورد التقرير أيضا تعرض فلسطينيين للطرد من منازلهم وأراضيهم في الضفة الغربية على أيدي مستوطنين إسرائيليين، كثيرًا ما يحدث بتعاون الجيش الإسرائيلي، ما يزيد صعوبة تحقيق الاستقرار.
ورغم إعلان مجلس السلام، الذي يضم 25 دولة، برنامجًا أكثر تفصيلًا للإعمار، ينقل المقال عن مسؤولين تحدثوا إلى «تايمز أوف إسرائيل» ووسائل أخرى أن المجلس توقف عن الضغط على نتنياهو بسبب الانتخابات.
ويحذر الباحثون من خطط تشترط مغادرة أعداد كبيرة من السكان، ومنها مقترح إيتمار بن غفير في سبتمبر 2026.
ويشددون على إدراج الدولة الفلسطينية في صلب المفاوضات، عوض إرجائها إلى نهاية مسار طويل وغير مضمون. وبحسب تحليلهم، يرتبط الاستعداد لقبول دور إسرائيل الإقليمي بإتاحة تقرير المصير للفلسطينيين، الذين يريدون تسوية تنهي الصراع وتمنحهم مستقبلًا واضحًا. كما يتيح انتقال سياسي يستجيب للأمن والتمثيل المشروع فرصة لانخراطهم في نظام جديد، بمشاركة حكومة إسرائيلية أكثر التزامًا بالتفاوض والجهات المانحة الدولية.
وتخلص قراءتهم إلى أن الإعمار والاستقرار يحتاجان إلى حكم مشروع ومسار موثوق للدولة الفلسطينية، مع ربط مستقبل غزة بالضفة، حيث يتواصل الاستيطان وعنف المستوطنين. ويرون أن الاستعداد الفلسطيني للتسوية يضع مسؤولية التحرك على إسرائيل والولايات المتحدة ومجلس السلام، وأن انتخابات إسرائيل في 27 أكتوبر قد تساعد في تحديد فرص وجود شريك يستجيب لهذا الاستعداد.
