استقرار الماضي يلاحق عثرات ميرتس.. لماذا يحن الألمان إلى عصر ميركل؟
برلين"د. ب. أ": السترة ذات اللون الأزرق الزاهي، والسروال الأسود، وتسريحة الشعر المعروفة. "إنها هي بالفعل"، هكذا هتفت امرأة ترتدي سترة جينز، وهي تلقي النظرة الأولى على اللوحة الشخصية (البورتريه) التي تجسد أنجيلا ميركل بصفتها مستشارة لألمانيا، في متحف بوده بالعاصمة برلين.
وجذبت اللوحة التي رسمها الفنان جيريمي كيراس عددًا من الزوار إلى المتحف يفوق التوقعات إلى حد دفع إدارة المتحف إلى تمديد فترة عرضها 3 أشهر إضافية عما كان مقررًا في الأصل، لتظل معروضة حتى 3 يناير المقبل. وتوجهت ميركل مساء أمس إلى هذا المتحف للتوقيع على بطاقات تذكارية تحمل صورة البورتريه.
وجلست ميركل إلى جانب رسام اللوحة إلى طاولة، بينما كانت اللوحة خلفهما. وكان الإقبال كبيرًا؛ إذ تشكل طابور من المنتظرين أمام طاولة التوقيع، وامتد حتى مدخل المتحف، رغم أن بعضهم قالوا إنهم كانوا ينتظرون في الطابور فقط لزيارة المعرض (ليس للتوقيع). وأفاد متحدث باسم المتحف بتخصيص نحو 450 تذكرة لجلسة التوقيع، وكان المتحف أتاح إمكانية حجز نحو 300 منها بشكل مسبق، وأضاف أن جميع هذه التذاكر نفدت خلال ساعات.
بعد مضي نحو 5 سنوات على مغادرتها منصب المستشارة، تبدو المستشارة السابقة فجأة حاضرة من جديد في كل مكان، صوتًا وصورة. ففي فبراير الماضي، حضرت للمرة الأولى منذ مغادرتها منصب المستشارية مؤتمر الحزب المسيحي الديمقراطي (الذي كانت تترأسه)، حيث قوبلت باحتفاء الحضور.
ثم ظهرت شائعة، سرعان ما جرى نفيها لاحقا، مفادها أنها قد تصبح رئيسة لألمانيا، أو وسيطة في الصراع الأوكراني. وظهرت ميركل في معرض للتقنيات الرقمية، وظهرت مع الشباب، وعلى منصة تيك توك، ثم ظهرت بطبيعة الحال في فعالية لقراءة كتاب سيرتها الذاتية، والذي حمل عنوان "الحرية" ويقع في 763 صفحة، والذي بيع منه أكثر من مليون نسخة حول العالم، بحسب دار النشر التي أصدرته.
ولا يزال مئات الأشخاص يتوافدون على جلسات قراءتها وتوقيعها. لماذا؟ تقول مارلين هانيمان، التي تجلس بين الحضور في إحدى أمسيات سبتمبر خلال جلسة قراءة لميركل في المتحف التاريخي والتقني بمدينة بينيمونده: "لطالما أثارت أنجيلا ميركل إعجابي بهدوئها، وبالطريقة التي كانت تتعامل بها مع هؤلاء الرجال، (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين وغيرِه، بدون أي انفعال".
وتضيف: "وبالطريقة التي كانت تدير بلدنا بكل سلاسة - على الأقل كما كان يبدو الأمر من الخارج - وهي طريقة منحتني، بصفتي واحدة من أبناء هذا البلد، شعورًا كبيرًا بالأمان"، وتابعت هانيمان أن فكرتها عن ميركل كانت دائمًا أنها "تعرف بالتأكيد كيف تتخذ قراراتها".
وعلى بُعد بضعة صفوف إلى الأمام تجلس أنيت لورمان إلى جوار زوجها، ويبدو رأيها مشابهًا إلى حد كبير لرأي هانيمان. تقول لورمان: "ما زلت معجبة بالسيدة ميركل، بما أنجزته، وبمسار حياتها". وقالت إن كل فرد يرتكب خطأ في عمله، لكنها " نجحت في تجاوز أزمات، مثل جائحة كورونا وموجة اللاجئين"، معربة عن اعتقادها بأن من الصعب على غيرها أن يدير مثل هذه الأزمات بطريقة مختلفة وأفضل. واستطردت لورمان أنها تتطلع إلى رؤية المستشارة السابقة في الواقع للمرة الأولى.
وبعد ذلك ظهرت ميركل بالفعل على المسرح، وهي ترتدي هذه المرة سترة حمراء. لوحت ميركل/72 عاما/ للحضور للحظات، ثم جلست على الفور إلى طاولة القراءة.
وتمضي 90 دقيقة بصوت ميركل المألوف، الذي اعتاده الألمان على مدى 16 عامًا، من طفولتها في مدينة تمبلين وصولا إلى ديوان المستشارية، ومن عبارة "سننجز ذلك" إلى ظهور حزب "البديل من أجل ألمانيا"، ومن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وصولا إلى وقوع جائحة كورونا. وربما كان أعلى تصفيق تناله ميركل عندما دعت إلى الدفاع عن الديمقراطية. وكذلك عندما حثت خلفاءها على الالتزام بالاعتدال والوسطية، قائلة: "الاعتدال والوسطية، هما أساس وشرط نجاح الأحزاب الديمقراطية".
أما بالنسبة للمستشار الحالي، فريدريش ميرتس، فإن مثل هذه النصيحة تمثل تحديًا صعبًا. ذلك أن ميرتس، الرئيس الحالي للحزب المسيحي، تعمد اتباع نهج مختلف، وتعهد بانطلاقة جديدة وقدر كبير من التغيير، لكن شعبيته في استطلاعات الرأي وصلت إلى أدنى مستوياتها تاريخياً بعد مضي ما يزيد على عام على توليه مهام منصبه.
وحسب استطلاع "اتجاه ألمانيا" الذي تجريه شبكة القناة الأولى بالتلفزيون الألماني "ايه آر دي"، فإن 9 من كل 10 ألمان غير راضين إلى حد ما أو غير راضين بشدة عن ميرتس. كما تجاوز حزب "البديل" الاتحاد المسيحي (حزب ميرتس، المسيحي الديمقراطي، وشقيقه الأصغر الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري) منذ فترة طويلة في استطلاعات الرأي على المستوى الاتحادي. ويكافح ميرتس من أجل الحفاظ على سلطته، فيما يخوض خلافات وصراعات مع شريكه في الائتلاف، وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
ويقول بيتر ماتوشيك، المدير التنفيذي لمعهد "فورزا" لاستطلاعات الرأي: "إذا طرحنا الآن مسألة المقارنة، فإن أغلبية الناس ستقول إن ميرتس لا يدير الحكومة بصورة أفضل من سلفه أولاف شولتس، الذي كان ينتقده ميرتس باستمرار". ويضيف: "أما في حالة ميركل، فالحكم أكثر وضوحًا بكثير. وقد يكون للحنين إلى الماضي دور في ذلك بطبيعة الحال. لكن ميركل كانت تتمتع أيضًا، خلال فترة حكمها، بمستويات تأييد مرتفعة جدًا جدًا".
ويرى ماتوشيك أن تصور ميرتس القائم على شعار "الاتحاد المسيحي الخالص"، عبر العودة إلى نهج أكثر وضوحًا في توجهاته ويتسم بقدر أكبر من الطابع المحافظ، كان خطأً جوهريًا.
ويقول: "على مستوى الناخبين، جاءت هذه السياسة بنتائج عكسية تمامًا. فحتى في آخر انتخابات خاضتها ميركل، حصل الاتحاد المسيحي على نحو 33% من الأصوات".
وفي عهد ميرتس، حصل الاتحاد المسيحي على28.6% فقط في فبراير 2025. وتبلغ نسبة تأييد الاتحاد المسيحي حاليًا في استطلاعات الرأي ما بين 18 و20%.
غير أن الظروف تغيرت اليوم؛ فهناك حرب في أوكرانيا وأخرى في الشرق الأوسط، وصارت الأغلبيات الحاكمة في برلين أقل حجما بكثير مما كانت عليه في عهد ميركل، كما صار المناخ السياسي أكثر توترًا. ومع ذلك، يراقب بعض أوساط الاتحاد المسيحي باهتمام حالة الحنين إلى عصر ميركل.
وعند استطلاع الآراء داخل الاتحاد المسيحي عن سبب هذا الحنين، يقال إن ذلك ربما يرتبط أيضًا بأسلوب المستشارة السابقة. وعلى خلاف شولتس أو ميرتس، يبدو أن أسلوب ميركل في الظهور والتعامل لا يزال، في نظر كثيرين، يتسم بتواضع حقيقي وبساطة وابتعاد عن التكلف.
وتتردد داخل أروقة الاتحاد المسيحي مقولة إن العالم كان يبدو خلال فترة حكم ميركل أكثر وضوحًا وأسهل فهمًا، وإن ميركل كانت توحي، بصفتها مستشارة، بأن الأزمات التي كانت قائمة آنذاك يمكن السيطرة عليها، وهو افتراض لا يصح إلا بشكل جزئي إن صح من الأساس. ويضيف أصحاب هذا الرأي أنه يبدو أن كثيرًا من الشباب الذين نشأوا في عهد ميركل يحنون إلى ذلك الشعور بالأمان، وإلى أسلوبها في ممارسة السياسة الذي كان يجمع الناس ويتجنب السجالات الحادة.
وهذه أيضًا هي الطريقة التي ينظر بها عالم السياسة كارل-رودولف كورته إلى ميركل. ويقول الأستاذ المتقاعد في جامعة دويسبورج-إيسن: "في زمن الديمقراطية التي يغلب عليها الطابع الانفعالي، من الجيد أن نرى كيف كانت ميركل تتجنب إثارة السخط".
لكن هل يرغب الناس حقًا في عودة ميركل إلى منصب المستشارية بدلًا من ميرتس؟ على الأقل، لا يزال كثيرون يثقون في قدرتها على التعامل مع الكثير من القضايا، حتى في الظروف الراهنة. ففي استطلاع أجرته مؤسسة "يوجوف" بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية، قال 48% ممن شملهم الاستطلاع (أكثر من 2000 شخص) إن ميركل ستكون أقدر من ميرتس على حل المشكلات والتحديات التي تواجه ألمانيا اليوم.
ورأى 29% أن ميركل ستكون في مستوى ميرتس نفسه من حيث القدرة على التعامل معها. وفي المقابل، اعتبر 8% فقط أن ميركل أقل كفاءة من ميرتس، في حين لم يبد ُ 15% رأيا أو قالوا إنهم لا يعرفون الإجابة.
