ترامب وشِي والصراعمع قوانين الطبيعة

27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026

ترجمة: قاسم مكي

يبحث الرئيسان دونالد ترامب وشي جين بينج، كما أوضحت قمتهما الأخيرة، عن طُرُقٍ للعمل معا على الرغم من التنافس المتزايد بين بلديهما. وقد يتطلعان إلى حالة لافتة، ولكنها غير ملحوظة إلى حد ما، للتعاون الهادئ حول التقنيات الأمريكية والصينية.

سمع العالم الآن بالهجوم على «هَجِنْغ فَيس» في يوليو والذي اخترق به وكلاءُ الذكاء الاصطناعي لشركة «أوبن أيه آي» منصَّةَ هجنغ فيس الأمريكية الرائدة في هذا المجال. لكن ما ليس معروفا بالقدر نفسه الكيفية التي انتهى بها هذا الهجوم.

ذكرت المنصة أنها حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الحادثة والرد عليها، لكن النماذج الأمريكية المتقدمة والمعهودة رفضت تقديم المساعدة لأن قيودها الأمنية لا تستطيع التمييز بين تحليل وشن هجوم سيبراني.

لذلك لجأت إلى نموذج اسمه «جي إل أم-5.2» طورته شركة «زد. أيه آي» الصينية. ساعد هذا النموذج المحققين في فهم الهجوم.

الخلاصة هي أن نماذج أمريكية للذكاء الاصطناعي هاجمت شركة تقنية أمريكية. ولفهم ما حدث انتهى الأمر بالشركة إلى استخدام نموذج ذكاء اصطناعي صيني.

أيضا يمكن النظر فيما حدث مع سعر النفط؛ شنت الولايات المتحدة حربا على إيران، وهي إحدى البلدان الرئيسة المنتجة للنفط في العالم.

توقع الخبراء أن يرتفع سعر النفط بشدة خصوصا إذا استمرت الحرب عدة أشهر، بل أشار عديدون إلى أنه سيبلغ 150 دولارا للبرميل. لكن ذلك لم يحدث، لماذا؟ السبب الرئيسي والوحيد لذلك ربما اختيار الصين، لاعتبارات تخصها، خفض وارداتها من النفط بكمية مذهلة بلغت 4 ملايين برميل تقريبا. ولولا هذا التصرف الصيني لكانت أسعار البنزين أعلى بكثير من مستواها اليوم.

في كتابه الجديد والممتاز «قَيْد داروِن»، يشير جوشوا كوبر رامو إلى أن تْشارلس دارون عندما كان يبلور نظريته عن التطور واجه عنتا في شرح ظواهر مثل: إيثار الآخرين والتضحية بالنفس عن طريق استخدام منطق حاصل المجموع الصفري التنافسي المحض (منطق مكسب أحد الطرفين المتنافِسَين يعني أو يساوي خسارة الطرف الآخر وهو عكس منطق المكسب المشترك للطرفين - المترجم.)

أدرك دارون أن الكائنات في البيئة التي لا ترحم كثيرا ما تُقَيِّد نفسَها بترتيبات تعاونية. وهي لا تفعل ذلك حبا في فعل الخير ولكن لأن الدعم المتبادل هو المسار الوحيد الممكن للقدرة على البقاء.

شيء شبيه بذلك تتصف به العلاقة الأمريكية الصينية. قضى البلَدَان أربعة عقود من النمو في «النظام البيئي» الاقتصادي والتقني نفسه، وأصبحت سلاسل التوريد ورؤوس الأموال والأبحاث وعمليات التصنيع والأسواق مترابطة. هذا صحيح ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة ولكن أيضا لمعظم البلدان على نطاق العالم والتي لديها كلها روابط عميقة مع الصين.

يتحدث الناس في واشنطن (وفي أجزاء من بكين) عن حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين. هذه المماثلة في غير موضعها؛ فأمريكا والاتحاد السوفييتي كانا منفصلين بقدر كبير اقتصاديا وتقنيا وثقافيا.

لكن الصين والولايات المتحدة مترابطتان بشدة، وهذه الروابط يمكن قطعها فقط بتكلفة باهظة لكلا الجانبين وللاقتصاد العالمي.

لنأخذ المنتجات الصيدلانية. تجِد منظمةُ دستور الأدوية الأمريكي غير الربحية أن حوالي 41% تقريبا من «المواد البادئة» الأساسية المستخدمة في الأدوية المعتمدة بواسطة الولايات المتحدة تُستورد حصريا من الصين.

وحسب معهد بروكنجز، هذه الاعتمادية مرتفعة خصوصا بالنسبة للمضادات الحيوية ومُدخلات إنتاج الأدوية الخافضة للكوليسترول ومضادات الاكتئاب وأدوية ضغط الدم.

وتوضح بيانات إدارة الدواء والغذاء الأمريكية أن الشركات المحلية حتى العام الماضي كانت تشكل حوالي 9% فقط من إجمالي الشركات الصناعية التي زوَّدت السوق الأمريكية بالمكونات الرئيسة في أي دواء. وذلك مقارنة بحوالي 22% في الصين 44% في الهند. وهكذا نحن كلنا نعتمد على غيرنا.

غالبا ما نسمع عن «البقاء للأصلح» ونتخيل الطبيعة صراعا بلا نهاية يلتهم فيه أحد الكائنات كائنا آخر. لكن البقاء التطوري في الحقيقة يعني القدرة على التكيف بنجاح مع الظروف المتغيرة؛ فالطبيعة مليئة ليس فقط بالتنافس ولكن بالتخصص والتعايش والتعاون.

طبق جوشوا رامو هذا «الاستبصار» على الشؤون الدولية. لم يتخيل تحوُّل أمريكا والصين إلى صديقتين. فهو يتوقع تنافسا تقنيا شرسا وسباقا عسكريا وعدم ثقة سياسية. لكنه يحاجج بأن البلدين تطورا داخل النظام نفسه إلى درجة أن محاولات أحدهما إضعاف الآخر ترتد وبالا عليه وباطِّراد. والبديلان المتباينان بشدة في اعتقاده هما «التطور المشترك» أو «الفناء المشترك». يوجَد اعتراض واضح على ذلك مفاده أن الاعتماد المتبادل يمكن تحويله إلى سلاح؛ فالولايات المتحدة ينبغي لها أن تشعر بالقلق عندما يكون لدى الصين شبه احتكار للمواد الضرورية للصناعة الأمريكية، وتقلق الصين أيضا بشأن الاعتماد على التقنية الأمريكية في الحصول على الرقائق اللازمة لثورتها في الذكاء الاصطناعي.

لكن تقليص الاعتماد وحصره في مجالات قليلة شيء مختلف جدا عن فك الارتباط الواسع بين الاقتصادَين الأكبر في العالم.

قد يكون مصطلح «الاعتماد المتبادل المُدار» أفضل من «تحويل الاعتماد المتبادل إلى سلاح»؛ فهو يتخلى عن فكرتين مُتَوَهَّمَتين في الوقت نفسه. إحداهما الفكرة القديمة بأن المزيد من التجارة يوجِد تلقائيا السلام والأخرى الفكرة الجديدة والتي مفادها أن الأمن القومي يتطلب قطع أي ارتباط مع البلد المنافس.

بدلا عن ذلك يجب وضع خريطة لهذه الروابط (تحديد طبيعتها ومساراتها)؛ فعندما يوجِدِ الاعتماد الاقتصادي هشاشة غير مقبولة ستكون هنالك حاجة للتنويع وإيجاد بدائل. وفي المواضع التي تفيد فيها الروابط الاقتصادية كلا الجانبين دون إيجاد مخاطر أمنية حقيقية يجب عدم تدميرها فقط لإثبات قوة البأس.

وحيثما يكون الارتباط بين البلدان عميقا يجب اتخاذ التحوطات اللازمة للحيلولة دون تمدد النزاع بينهما من مجال معين إلى العلاقة بأكملها.

على مدار 30 عاما ارتكبنا خطأ واحدا حول العولمة. لقد افترضنا أن التجارة ستقضي على الجغرافيا السياسية. والآن نحن نخاطر بارتكاب الخطأ المعاكس وهو افتراض قدرة الجغرافيا السياسية ببساطة على محو حقائق اقتصاد عالمي شديد الترابط.

فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة سي أن أن