القراءة كجرح !
27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026
عاتبت الكاتبة الفرنسية آني إرنو والدها؛ لأنّه «لا يقرأ»، فأجابها بقسوة في إحدى المرّات: «الكتب مفيدة لكِ، أمّا أنا فلا أحتاجها لأعيش»، فماذا يستفيد صاحب مقهى من القراءة وكل ما يحتاجه علاقة جيدة بزبائنه! لكن إرنو كانت ترفض أن تبقى الكتب معزولة ومغلقة عن الإنسان وإن اختلفت اهتماماته.
كنتُ قد قرأتُ هذا في كتاب بعنوان «خزائن لم تعد فارغة»، صدر مع مجلة الثقافة الجديدة عقب فوز إرنو بجائزة نوبل للآداب. وفي ذات الكتاب أشارت إرنو أيضا إلى قريبها الذي بدا مذهولا وعيناه مثبتتان على رفوف مكتبتها التي شغلت الجدار الخلفي لغرفة المعيشة، سألها بارتياب: «هل قرأتِها كلها؟» فأجابت: «نعم، كلها تقريبا».
كان مذعورا؛ لأنّ بيته خاليا تقريبا من الكتب، ووجدت إرنو أنّه من المعيب أن يُطرح سؤالٌ مماثلٌ، «لأننا نحيطُ أنفسنا بالكتب كعنصر طبيعي».
وقفت القراءة بين إرنو ووالدها كجرح، إذ لم تقبل إرنو كلماته، فكان ذلك كفيلا بفراقهما إلى الأبد.
ولعل ذلك الجرح ممتدٌ وأبدي، ويتجلى في صور عدّة. فعندما تجمعنا اللقاءات ببعض المُنتظرين لفرصهم المؤجلة لسنوات مثلا، نلحظُ نبرة التبرم في أصواتهم والحزن في أعينهم، وعندما نسألهم فيما تنفقون أوقاتكم يكون جواب الأغلبية، «الانتظار والحسرة»!. أعرف حساسية الأمر وقسوته في آن.
ليس يسيرا على المرء أن يكون من بين المُنتظرين طبعا، ولكن ما أن تسألهم عن شيء ما يملأُ فراغ الأيام، تجدهم يتعذرون بسوء الحظ! وقد يشفقُ الناس على شخص ليس لديه هاتف أو سيارة في هذا العصر، لكنهم لن يشفقوا عليه لأن ليس بحوزته كتاب مثلا! كتابٌ يُشكلُ قيمة أبعد من تصويره قرب فنجان قهوة أو نافذة ينزفُ زجاجها بالمطر!
تجد آني إرنو أنّ الحياة: «حصيلة تأتلف من الجهود المبذولة والأفعال.. تافهها وعظيمها»، ولذا يبدو التعطل الفردي عن فعل شيء عميق، عن تحريض الساكن مُفزع إلى حد لا يوصف.
أن يبقى أحدنا رابضا في مكانه لسنوات مُنتظرا، مسحوقا. بالتأكيد ثمّة ظروف شتى تلعبُ دورا هاما في انكسارهم وتفتت ذُرى أمانيهم -وأغلبها خارج إرادتهم- لكن كيف لذلك الشيء الضئيل اليسير المُسمى بالقراءة أن يُحبس في هذا التنائي الهائل!
قالت لي إحداهن أنّها بقيت لأكثر من عقد من الزمان تنتظرُ فرصتها، وعندما سألتُها عمّا فعلت أو قرأت طوال تلك السنين إلى جوار قداسة فعل الأمومة، لم تشفق على نفسها وهي تقول:»لا شيء»! وكذلك آخرون لم يحلموا أبعد من تجاوز مقابلة أو امتحان -وهذا أمرٌ مشروع ومُقدر- لكن ماذا لو أنّهم غامروا تجاه فكرة، ماذا لو غرسوا أيديهم وأذهانهم في تجربة ما !
أعرف أنّ هنالك من سيقول لنا: «أنتم تجلسون في رفاهيتكم المُضجرة، تُنظِّرون في حياة الناس. دون أن تعيشوا فيها يوما»، وربما هذا حقيقي إلى حد ما، حياتنا غير حياتهم ووجعنا غير وجعهم.. ولكننا نخص أولئك الذين يتبنون الرضوخ التام دون اشتباك بمحاولة ما ولو باءت بالفشل. أن يبقى أحدهم مُجمِدا خبرته التعليمية لأكثر من عقد من الزمان دون أن يُقدم خطوة واحدة !
لا سيما وأننا نعلم اليوم أنّ الشهادات ليست هي من تقدم الفرص الفارقة في الحياة وحسب، وإنّما ذلك الدأب، تلك المشقة الصغيرة، الرهانات التي تركل ترهل الحياة بقدم هزيلة، علّها تُقوم اعوجاجا !
ولعلي أنتهي بما ذهبت إليه إرنو في مذكراتها: «أرى حركة نسخ الجمل تأكيدا لوجودي المعجون بالقراءة، وكل مقولة أضيفها للدفتر، كانت احتجاجا ضد كلمة والدي»، فالقراءة ليست بالضرورة لأولئك الذين يعدون أنفسهم ليصيروا كُتابا أو فنانين وحسب.
القراءة ترافقُ زهو الحياة بقدر ما ترافقُ عتمتها وأكثر لحظاتها قتامة، تغدو الشيء الذي يجعلنا نخفق ونتحدث ونملكُ صوتا كبشر عاديين. إنّها اليقظة الواعية.. الفعل الآمن الذي يُعلمنا كيف نُكوّن رأيا، فكرة ما، طُرقا للتجاوز والتخطي.. وهي أداة قهر الخطابات المُتكلسة؛ لأنّها تُضيء في كل مرّة من مكان غامض فينا. القراءة «تُفرقُ وتصل»، فهي الانفصال المؤقت عن الذات للسماح لكائن مُتخيل باحتلال الفضاء الداخلي بشكل كامل، فعلٌ يوقظ حساسيتنا تجاه تجارب الآخرين، تجاه ما تحملوه وما عاشوه، وكيف فهموا العالم وتعقيداته.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
