القهوة من زاويتي التجربة والعلم
16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026
لو عدتُ بالزمن قبل عشر سنوات، لوجدت أنني لم أكن ذلك الشخص المحب للقهوة كما أجد نفسي اليوم، وإن شربتها -قبل تلك المدة- اكتفيت بالقهوة العُمانية في حدود فنجان أو فنجانين في اليوم.
لكنني اتخذت مسارًا آخر -بعد عشر سنوات من الآن- باقترابي من عالم القهوة. وكانت بدايتي جريئة بعد أن أقنعني صديق تركي بشرب قهوة ثقيلة من عيار «إسبريسو» في روما الإيطالية، وأذكر أنني -في يومها وإلى اليوم التالي- فقدت طعم النوم. لكنني لم أستسلم، وبدأت بعدها بشرب القهوة الممزوجة بالحليب «اللاتيه»، وكنت آخذها من مقاهي القهوة المختصة.
في الأشهر الأولى، كانت التجربة ممتعة ومتعبة في آن واحد؛ فكنت أستمتع بمذاق القهوة وبالنشاط الذي تمنحني إياه، ولكنني كنت -بعد وقت قصير من شربها- أعاني من بعض التأثيرات السلبية التي تظهر على جسمي، مثل الحموضة والرجفة. وأدركت أن الكافيين سببها الرئيس، بجانب بعض الاضطرابات الهضمية الأخرى التي عرفت لاحقًا أن الحليب سببها الآخر.
ناقشت هذه المشكلة مع عدد من الأصدقاء -محبي القهوة- والمختصين، وتفاوتت نصائحهم؛ فمنهم من اقترح أن أواصل شرب القهوة، لعل جسمي يعتاد عليها تدريجيًا، أو أن أنتقل إلى القهوة المقطرة غير الممزوجة بالحليب. واقترح آخرون أن ألجأ إلى القهوة منزوعة الكافيين -مع العلم أن الكافيين لا يختفي بشكل كامل-.
ارتحت إلى الخيار الأخير؛ لقناعتي بأنني أريد مذاق القهوة دون تأثيراتها السلبية. هكذا بدأت شرب القهوة منزوعة الكافيين، واستمررت عليها عدة أشهر. تلخصت التجربة في حصولي على مذاق القهوة الذي أسعى إليه، مع اختفاء معظم الآثار السلبية التي كنت أعاني منها. لكنني -في المقابل- لم أجد التأثير الإيجابي المتمثل في رفع المزاج والنشاط الذي كنت أشعر به بعد شرب القهوة المحتوية على الكافيين.
قررت بعد ذلك تجربة الخيار الأول والعودة إلى القهوة المحتوية على الكافيين، وأن أصبر على بعض أعراضها السلبية، على أمل أن يعتادها جسمي ويتأقلم معها بمرور الوقت. وكنت أتنقل بين اللاتيه والقهوة المقطرة؛ لأكتشف أنني أفضل حالًا مع القهوة المقطرة، وخصوصًا مع عدم الإفراط في استهلاكها؛ فكنت أكتفي بكوب واحد كل صباح بعد حدود ساعة من وجبة الإفطار -بحدود 300 ملليلتر أو أقل-، وكان كفيلًا بمنحي النشاط المطلوب ورفع المزاج. اعتدت على هذا الروتين اليومي منذ سنوات، وأصبحت أجني فوائده، متفاديًا نتائجه السلبية. كذلك أضفت قهوة الإسبريسو المخففة بالماء التي تُعرف بـ«الأمريكانو»، ووجدتها أيضًا ملائمة لتكون خيارًا جديدًا بجانب القهوة المقطرة.
بجانب تجربتي الشخصية مع القهوة، دعوني أشارك الحصيلة العلمية التي جمعتها طوال تلك التجربة، والتي أسترجع بعض معلوماتها عبر ما أمكن لي أن أجده في الأبحاث العلمية المنشورة؛ لفهم أساسيات القهوة وتركيبتها الغذائية والكيميائية، وفوائدها الصحية، وأضرارها المحتملة عند الإفراط في شربها، ومدى تفاعل أنظمتنا الحيوية وتأثيرها علينا، بما في ذلك عند مزجها بسوائل أخرى مثل الحليب، ومعرفة الكميات اليومية الأنسب لمعظم الأفراد، وأفضل أوقات شربها.
لنبدأ بمناقشة سبب عدم ملاءمة القهوة لبعض الأشخاص -غالبًا في بداية عهدهم بها-، سواء لفترات قصيرة أو لمن تستمر معهم المشكلة فترات طويلة؛ إذ يضطر بعضهم إما إلى تركها كليًا أو التقليل منها.
والعكس صحيح بالنسبة لفئات أخرى؛ فلا يجدون تأثيرًا سلبيًا عند شرب القهوة، مهما بلغت كمية الاستهلاك. فتناول ثلاثة أكواب يوميًا يعتبر كمية معتدلة لدى فرد ما، ولكنها مرتفعة لدى آخر.
أولًا، تتفاوت كمية الكافيين في كوب القهوة تبعًا لنوع حبوب البن، ودرجة التحميص، وطريقة التحضير، وكميات البن المستعملة في الاستخلاص. هذا أيضًا ما أمكن لي أن أثبته عبر تجاربي المتعددة في تحضير القهوة وأنواع البن؛ إذ ألحظ تأثيرًا وتفاعلًا متباينًا مع تغيّر هذه العوامل.
ثانيًا، ثمة عوامل فردية -وراثية وعصبية وهرمونية- تؤثر على الاستجابة للكافيين. فيكون التأثير طفيفًا على شخص ما رغم تركيزه العالي في دمه، في حين يكون تأثيره عاليًا على آخر وإن كان تركيزه في دمه أقل. ثمة أسباب تشرح معادلة الكافيين وتباين تأثيره، سنفهم بعضها في السطور الآتية.
أعتبر نفسي من الأشخاص سريعي التأثر بالكافيين، ولهذا أكتفي بكوب قهوة واحد كل صباح. وما إن تزيد الكمية حتى أشعر بتأثيرات الكافيين السلبية. تقترح دراسة بعنوان «تأثير العوامل المختلفة في الكافيين في مشروبات القهوة»، نشرتها «MDPI» لعدد من الباحثين البولنديين، على رأسهم الباحثة «إيفا أوليخنو»، في دورية «Food» عام 2021، أن أحد العوامل المهمة هو آلية تخلص الجسم من الكافيين وسرعته التي تعتمد على عامل الاستقلاب. يكون الاستقلاب سريعًا عند البعض وبطيئًا عند آخرين؛ لأسباب بعضها وراثية تتعلق بالجينات المؤثرة في نشاط إنزيم «CYP1A2». بمجرد أن يستهلك الإنسان القهوة المصحوبة بكمية من الكافيين، يعمل الجهاز الهضمي على امتصاص القهوة، ويكتمل -بعدها- تركيز الكافيين في الدم في غضون فترة زمنية لا تتجاوز ساعتين. ثم يعمل الكبد على تفكيك معظمه عبر إنزيم «CYP1A2» الذي تتباين درجته من شخص إلى آخر. يبلغ متوسط نصف العمر الحيوي للكافيين -المدة اللازمة لانخفاض كمية الكافيين في الدم إلى النصف- لدى الإنسان البالغ السليم من ساعتين ونصف إلى خمس ساعات، دون أن يختفي تأثيره كليًا -بالضرورة- بعد هذه الفترة. وتزيد المدة إلى عشر ساعات مع بعض الحالات المرضية -خصوصًا أمراض الكبد- أو مع تناول بعض الأدوية.
بجانب العامل الجيني، ثمة عوامل أخرى لها علاقة بالهرمونات والأدوية، والحالة الوظيفية والصحية للكبد، والعمر. كذلك ثمة عوامل أخرى مرتبطة بالدماغ ونظامه العصبي؛ إذ يعمل الكافيين على حجب مستقبلات -A1 وA2A- لمادة تسمى «الأدينوسين». يتراكم «الأدينوسين» في الدماغ أثناء ساعات الاستيقاظ، ويقوم بتحفيز النوم عبر الدفع بالشعور بالتعب والنعاس. في حين أنه من المهم أن ندرك أن الكافيين لا يلغي التعب الحقيقي الذي يعكس الحاجة الفسيولوجية إلى النوم، وجل ما يقوم به أنه يحجب مستقبلات مادة «الأدينوسين» مؤقتًا؛ فيشعر الإنسان بمزيد من اليقظة والنشاط. كذلك لا تتطابق مستقبلات «الأدينوسين» ووظائفها الحيوية لدى جميع الأفراد، ووُجدت اختلافات في جين يُعرف بـ«ADORA2A»، وهو جين مرتبط بأحد مستقبلات «الأدينوسين»، وتتعلق بعض وظائفه بزيادة القابلية للشعور بالقلق بعد تناول الكافيين أو بزيادة الأرق.
يمكن أيضًا للعوامل العصبية ومتغيراتها الناتجة عن استهلاكنا للقهوة وما تحويه من كافيين أن تؤثر في النشاطات الدوبامينية؛ فتنعكس إيجابًا -شعور بالطاقة والسعادة أثناء شرب القهوة وبعده بقليل- نتيجة تحفيز الكافيين للدوبامين المسؤول عن نظام المكافأة والتحفيز الذي يدفع الإنسان إلى مطاردة الشغف والعمل، وإما سلبًا عبر إجهاد هذا الناقل العصبي «الدوبامين» ونشاطه عند الإفراط في استهلاك القهوة؛ ليظهر التأثير السلبي مع أية عملية تقليل أو توقف عن شرب القهوة؛ فيلحظ بعضنا انخفاضًا في المزاج والنشاط بجانب أعراض الصداع والخمول. بمعرفة مثل هذه المعلومات المتعلقة بارتباط القهوة -عمومًا- والكافيين -خصوصًا- بالنظام الدماغي العصبي وتأثيراتها على نشاط الدوبامين، آثرتُ أن أعتمد نظامًا معتدلًا في شرب القهوة.
بما أننا دخلنا في استعراض ما يمكن للقهوة أن تمنحه من فوائد حال الاستهلاك المعتدل لها مثل رفع مستوى الدوبامين، نستعرض أيضًا ما تشير إليه دراسة بعنوان «استهلاك الكافيين عبر القهوة: محتواه في المشروب، والاستقلاب، والفوائد والمخاطر الصحية»، نشرتها «MDPI» لباحثتين برازيليتين «جوليانا دي بولا» و«أدريانا فاراح» في 2019، عن إجماع علمي على وجود نتائج إيجابية كثيرة على الصحة النفسية والنشاط الدماغي عند استهلاك القهوة يوميًا بمعدلات قليلة إلى معتدلة -بدءًا من 50 إلى 400 ملليلتر-. هذا ما يُترجم إيجابًا في مظاهر مثل ارتفاع حالة المزاج والثقة العالية والنشاط الاجتماعي وارتفاع الانتباه وقدرات التعلم والذاكرة. كذلك نجد فوائد أخرى يمكننا أن نجنيها من القهوة، منها تنشيط النظام العصبي المركزي، ومقاومته لعدد من الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب وشلل الرعاش «باركنسون» والزهايمر وأمراض الكبد. وتُعزى هذه العمليات الوقائية الناتجة عن استهلاك القهوة إلى تفاعلات أنشطة مضادات الأكسدة ومضادات الالتهابات التي تحتوي عليها.
أما فيما يخص ظهور بعض الأعراض السلبية عند إضافة الحليب، فمرد ذلك -في الغالب- هو حساسية اللاكتوز وبروتين الحليب؛ إذ يتأثر من لديهم حساسية من الحليب وعناصره سلبًا بشرب الحليب، سواء بشكل مباشر أو عبر مزجه بالقهوة. وجدت دراسة بعنوان «مقارنة الأعراض الناتجة عن استهلاك الحليب أو الحليب المحلل باللاكتوز لدى الأفراد الذين أفادوا بمعاناتهم الشديدة من عدم تحمّل اللاكتوز»، نشرتها دورية «نيو إنجلاند الطبية» لعدد من الباحثين، على رأسهم الباحث «فابريزيس سواريز»، في عام 1995، أن شرب الحليب -بما في ذلك مع القهوة- يمكن أن يسبب مشاكل معدية وإسهالًا وانتفاخات. ويحدث هذا مع المشاركين ذوي متلازمة حساسية اللاكتوز الذين يعانون من سوء امتصاص وضعف القدرة على تكسير سكر اللاكتوز الموجود في الحليب.
عبر ما سقناه من سرد عن القهوة وتجربتي معها، وما اطلعنا عليه من تأويلات علمية تسعف بعض تساؤلاتنا عن القهوة وتجيب عنها، نأتي إلى جزئية مهمة تتعلق بمعرفة الكمية المناسبة للقهوة اليومية، وأفضل أوقات شربها. هنا ألفت انتباه القارئ وأذكره بالقاعدة السابقة بأن كميات القهوة وتأثيراتها تعتمد -نسبيًا- على عدد من العوامل، منها الجينية والهرمونية والعصبية، ولا يمكن لهذه العوامل وتفاعلاتها أن تتطابق لدى الجميع. نبدأ بالكمية المناسبة للإنسان البالغ، فلا شك أن الاعتدال في استهلاكها -مثل أي مادة غذائية أخرى- هو المسار الأفضل، وتجمع الدراسات على أن الكمية المعتدلة التي يمكن أن تناسب معظم الناس ينبغي ألا تتجاوز 400 ملليلتر يوميًا؛ لنحقق تفاعلاتها ونتائجها الصحية الجيدة على الصعيدين: القصير والطويل المدى، ونتجنب تأثيراتها السلبية ومضارها. أما بشأن الوقت الأنسب لشرب القهوة؛ فوجدتُ -استنادًا إلى بعض التوصيات والنصائح الصحية- أن فترة الصباح بعد وجبة الإفطار بساعة واحدة زمن مناسب؛ لنقلص تأثيرات القهوة المحتملة مثل تهييج المعدة والأرق ليلًا، ولنسمح للكافيين أن يكمل دورة بقائه في الدم؛ فيزول تأثيره ويتلاشى بحلول المساء؛ فنحقق الفائدة الصحية والمتعة المنشودة من شرب القهوة.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
