يُقدّم لنا الشاعر محمد البريكي في ديوانه «بدأتُ مع البحر» نصوصاً شعرية محمّلة بلغةٍ عذبةٍ تميل في اشتغالها إلى تعدّد الصور الفنية المتشكّلة من الطبيعة والعاطفة الإنسانية مروراً بانثيالات الواقع الذي يمنح النصوص دفقة حيوية لحظة التأمل الشعري.
لقد صنع البريكي صوره الشعرية، حافراً في ذات القصيدة جماليات التركيب والوصف والتشبيه. إننا أمام قصائد مسكونة بالطبيعة، ومتعانقة مع الرومانسية، ومتطلّعة إلى الحلم.
يتشكّل ديوان (بدأتُ مع البحر) من ثلاثٍ وأربعين قصيدة شعرية متنوعة في بنائها بين عمود الشعر والتفعيلة، ومتعدّدة في موضوعاتها التي طرقها الشاعر مولّداً في المعاني، وطارقاً باب الأفكار التي تشغل حسّه الشاعري.
ويقدّم البريكي في هذا الديوان صُوَراً مكتظّة في دلالاتها؛ فيبدو التعبير الشعريّ في لغته قريباً من ذهنية القارئ، محمّلاً بعبارات رقيقة نُسجت حروفها الشعرية على مهل.
تأخذ الدلالات في تعبيرها الشعري مجالاً واسعاً من عتبة الديوان؛ فالبحر دلالة ممتدّة تأخذنا إلى فضاء ممتدّ يسكن الشاعر الذي وُلِدَ وعاش طفولته قريباً منه، وهنا بدأت علاقته بالزرقة والمكان الذي يسكن حروفه الشعرية، ومن العتبة إلى نصوص المجموعة تتردّد هذه الدلالة في قصائد أخرى في الديوان مشكّلةً ملمحاً لغوياً ودلالياً يعبّر الشاعر عنه في ظلال القصيدة.
ننطلق من العتبة الأولى/ العنوان إلى عتبة ثانية هي الإهداء التي رسم عليها صورة البحر قائلاً: «إهداء إلى البحر في سكونه الهائج الذي لوَّنْتُهُ بدماء الشعر...». (ص7)، وهنا يُقيمُ الشاعر امتزاجاً مُهماً بين الشعر والبحر، وبين العاطفة والبحر، وبين الموسيقى والبحر، وبين اللون والبحر، وكأنَّ البحر عنده أغنية تراثية تُعشِّش في الذاكرة، أو فضاء مكاني تعلّق به منذ الطفولة. إنه البحر فضاء البدايات: بدايات الطفولة، والذاكرة، والحب، والانتماء.
يحتفي الديوان بقصيدة (بدأتُ مع البحر) التي تُمثّل البدايات، وتُمثّل الولادة الأولى في اقترانها في ذاكرتها بالبحر الذي نسمع أصوات نوارسه وثورة أمواجه منذ طفولتنا. تأخذنا لغة القصيدة إلى اشتغالات النص السردي وانفتاحه على الذاكرة.
إنَّ لفظة (بدأتُ) تُحيل على تشكيلٍ لغويٍّ في عتبة القصيدة، تحتمل دلالات البداية بما يعنيه المعنى اللغوي للفظة، ثم أنَّ اقتران لفظتي (البشارة/ والولادة) هي في ذاتها دلالات تُفضي إلى اشتغال الذاكرة الأولى وانفتاحها على الفضاء الممتدّ بين زرقة البحر وصخب القرية .
تُحرّك سردية النص القارئ معها من الولادة الأولى إلى عالم الطفولة بما يُمثّلُهُ (باص المدرسة) من تعبير، إلى عالم القُرى المُتشكّل من البيت وصورتي الأب والأم إلى وصف القرية. نقرأ تلك الملامح الشاعرية في عذوبة النص ووصفه المكاني :
وقبل الأحدْ...
بدأتُ مع البحر
أركبُ أمواجَهُ
يوم بشّرتِ الدايةُ البيتَ
قالت :
ولدْ
يقولون :
حارتُنا ابتهجتْ
والنساءُ يصافحن أمي
وأمي تهزُّ البشارةَ
في قلبها
ثم يسقطُ عنها الكمدْ. (ص15)
...
سلام على قريتي
وهي تنفض عنها نُعاس النخيل
وتلبس فجر البلدْ
سلامٌ عليَّ
إذا ما بدأتُ أطاردُ
أرغفة الصبر
يوم الأحدْ. (ص18)
يشتغل البريكي في نصوص المجموعة على رسم دلالاته الشعرية، وحشد الصُّور، فتتعدّدُ الدلالات والصُّور في النص الواحد مزدحمة بين السطور الشعرية، ومكتظّة بالمعاني والأخيلة، ففي قصيدة (على عتبات الوقت) تطوق بنا القصيدة فضاءات الشعر محمَّلةً بالأسئلة والمنافي والأحزان، تقودنا القصيدة في لغتها إلى عوالم متخيلة مقترنة بالغيم والريح والمجرات والفضاء والقمر والنور والليل، وهو إذ يتنقّل من صورة إلى أخرى فإنه يُقدّم لغته التي تعضد هذا الانتقال، فمن توظيف دلالات الطبيعة إلى سحر العاشقين والمريدين وخلواتهم، إلى ذاكرة المدن وتوظيف المرجعيات التاريخية والأسطورية.
له في سرير الغيم أنفاس راهبٍ
له في مرايا الريح عرشٌ ومنزلَهْ
مددتُ له قرب المجرات سُلّماً
فطاول معراج الفضاء ليغزلَهْ
وما خلتني والريح تمتصُّ رغبتي
سوى قمر والنور في الغيب أشغلَهْ
خلوتُ وليل العاشقين قبيلةٌ
تُفتّشُ في الأحداق عن ظل سُنبلَهْ
أجوع إلى ليلاي .. تلك حكايةٌ
وليلى بتأويل المحبين مُثقلَةْ
وأسمع أنّات المُريدين تنتشي
تنام على لحن وتصحو لتكملَهْ
وخلف حجابٍ ساترٍ عن ظنونهم
رأيت نبياً باسط الكف أرسلَهْ
وقصراً مشيداً في خيالات أمةٍ
تباكته أعواماً وبئراً مُعطَّلَةْ
إلى أين؟ هذا الضوء يمتدُّ من دمي
ليسبح في معناي حتى يبلِّلَهْ؟
بذات النسق الدلالي تمضي قصيدة (على شفاهك الماء)، وقصيدة (من دمعتين) وقصائد أخرى في الديوان، إذ تتحرّر من اللغة الشعرية التقليدية إلى لغة موحية معبّرة عن الذات وأسئلته، مادّةً جسور الخيال الشعري مع الدلالات المكتظّة والمتعدّدة في تراكيبها الشعرية.
نقرأ ذلك في قصيدة (من دمعتين) التي يفتتحها بعبارة (النفّري): «كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة». فتأخذنا القصيدة إلى عوالم التخيّل مكثّفة الدلالة، ومفتتحة باستفهام يمزج بين الوطن والحلم :
وطن بلون الحلم يعرف.. يا ترى
ألديك ما يكفي لتبصر ما أرى؟
تم يفسح المجال لشاعرية اللغة التي تتسرّب إلى مواطن الشعر وغياهبه مشكلة انتقالة إلى عوالم الخيال والرومانسية. تمتزج دلالات الطبيعة كـ(الغيم، والشجر، والليل، والبحر، والصحراء) مع الدلالات المعبّرة عن الذات في خطاب المتكلم: (خرجت له أنفاسنا بالأغنيات ليمطرا، ما عدتُ من بحر الضباب بغيمةٍ، من دمعتين على جنون طفولتي):
للبيت في سفر القصيدة حاجب
والليل في نفق المدينة كبّرا
مذ كان بطن الحوت يحضن صرخة
البحر كان على الغواية مُخبرا
أنا لا أُسَبّحُ كي أسوق قبيلة
جرحي قبائل والحروف له قرى
ما عدتُ من بحر الضباب بغيمةٍ
الغيم عاد ولستُ أفهم ما جرى
عزفت على عش الطموح حمامةٌ
لكن هذا العشَّ كان مبعثرا
ودخلتُ في حرب أذود عن الحمى
وحملتُ ورداً في يديَّ وخنجرا
لم تُنكر الصحراء نقع غبارها
فالسيف يعرف في الوقيعة «عنترا»
من دمعتين على جنون طفولتي
أحضرتُ حبراً للجنون ودفترا
وكبرتُ أغسل بالدموع مدائني
والدمع من عين الدروب تبخّرا
منفاي من سعف الغواية سقفه
والشمس تهتك عينها عرض الثرى
تنقلنا القصيدة من عوالم الخيال إلى الذاتية، وينتهي الشاعر فيها إلى التعبير بضمير المتكلم (أنا):
أنا صاحب الحوت الذي دفعت به
للموج أخطاء ليبحر مُدبرا
أنا طائر الفينيق أنحت غربتي
في صخرة المنفى وأبحث عن ذرا
آتٍ من البحر العميق وفي يدي
للمتعبين على شواطئه قرى
آتٍ من الصحراء روحُ حقيقةٍ
تهتز في سعف الرجاء لتثمرا
وطن هو الجنح المرفرف في دمي
لكن صوت الحلم قال وفسّرا:
ما جاء طير الوصل يكسر غصنه
الغصن قبل الطير كان مكسّرا
هذا الانتقال في التعبير الشعري للقصيدة له مقاصده في التأويل؛ إذ إنّ الطواف في عوالم التخيل ذاكرة ممتدة في قلم الشاعر، استطاع مع هذه الذاكرة توظيف الأحلام والأوطان والطفولة والبيوت والمدن لتشكّل لغة شعرية تعبّر عن ذاتٍ قلقةٍ تتقاطع مع الحزن والحب والدمع .
تسير مجموعة (بدأتُ مع البحر) إلى اقتناص ثيمات الحلم والذاكرة والطفولة التي تقترن بالمكان لاسيما البحر والقرية، محاولة العودة إلى الماضي وتشكيل فنياته، مقدمةً لوحات شعرية متنوعة بتنوع الدلالات المكتظة بالمعاني.