هل يكون رعب غزة مخططًا لأماكن أخرى؟
12 سبتمبر 2026
12 سبتمبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي
في الأسبوع الماضي نشر وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتامار بن غفير فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي يظهر فيه حزام متحرك من أحزمة نقل الأمتعة، لكن عليه سجناء فلسطينيين بدناء ـ يحلمون بالطعام والتعليم ـ وهم في طريقهم إلى أحد سجونه بينما تنطلق فوق رؤوسهم فقاعات الأحلام، ثم يخرج بهم الحزام وقد باتوا هزالى باكين.
ويقيم بن غفير حاليا موقعا لإعدام السجناء الفلسطينيين يحتوي على مقصورات للمشاهدين، وقام أخيرا بزيارة سجن دامون في شمال إسرائيل، واستهزأ بالسجينات اللاتي شكون من سوء الأوضاع.
ويقوم حاليا بحفر خندق حول سجن جديد مشدد الحراسة، ويخطط لاستعمال تماسيح في حراسته. وهو في هذا كله يحظى بموافقة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مثلما يحظى بالدعم الشعبي للقانون الذي ناصره، ويسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين الذين تعدُّهم المحاكم العسكرية إرهابيين، وتدينهم في ارتكاب هجمات قاتلة.
في نحو عام 2017 شعر كثير من الفلسطينيين وأنصارهم في الإعلام العالمي بتغيير؛ فلم تعد المقالات المكتوبة عن فلسطين تجلب علينا رسائل الكراهية الإلكترونية التي كنا قد اعتدنا عليها، وما عادت الفعاليات التي تقام لدعم الحقوق الفلسطينية تتعرض للإعاقة إلا لماما.
بدا ازدياد واضح في عدم اقتناع الناس بالصورة التي طالما روجتها إسرائيل والموالون لها بوصفها حاملة «لواء القيم الغربية» في الشرق الأوسط، وصاحبة «أكثر الجيوش أخلاقية في العالم»، والبلد الذي لا يتحرك إلا دفاعا عن النفس، في حين أنه دأب على العدوان على غزة وعلى التوسع بالمستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
طالما كان من الركائز الشائعة أنه إذا ما علم عدد كاف من الناس في العالم الغربي الديمقراطي حقيقة ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين، فإنهم سوف يضغطون على حكوماتهم فتحمل الحكومات إسرائيل على مراعاة أعراف القانون الدولي.
وفي نهاية المطاف يولد واقع يعيش فيه اليهود والمسلمون والمسيحيون متساوين في رحاب نظام سياسي فيه ما في بقية الأنظمة السياسية من خير ومن شر.
ودائما كان يضرب المثل بجنوب إفريقيا؛ ففيها كان الضغط الدولي المتزايد على مدار العقود حاسما.
ولكن ما بدا وكأنه انتصار لهذه الحجة الأخلاقية العقلانية قوبل بتسارع في عمليات الاحتلال، وازدياد في وتيرة وبشاعة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية وهجمات الجيش الإسرائيلي على غزة.
وكانت السنوات الثلاث الماضية هي التطور المنطقي لهذا؛ ففي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر 2023، صعّدت إسرائيل من القتل والتشويه والتشريد للفلسطينيين فبلغت بها مستويات الإبادة الجماعية الموثقة.
ويقول وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز: إنه ملتزم بتطهير غزة عرقيا بينما يقول أحد مستوطني الضفة الغربية متباهيا لإذاعة (بي بي سي) إن حياة يهودي واحد تساوي حياة عشرة ملايين فلسطيني.
ووسائل التواصل الاجتماعي مكتظة بالإسرائيليين ـ من الخبراء في النقاشات الإخبارية التليفزيونية إلى جنود الجيش الإسرائيلي ـ ممن يصرحون ويمارسون الفظائع اللازمة لتحقيق هدف فلسطين الخالية من الفلسطينيين.
وفي حين أن الناس في أنحاء العالم يعلمون الآن حقيقة ما يجري في فلسطين ويكررون رفضهم العميق له، فإن بلادا ديمقراطية كثيرة في الغرب مستمرة في إرسال السلاح إلى إسرائيل، وإمدادها بالمعلومات المخابراتية، حتى في وقت إبادة جماعية.
ومجلس السلام التابع للرئيس الأمريكي يهزأ بالفلسطينيين بينما تزيل مئات الشاحنات الإسرائيلية الركام من غزة، وتزيل معه الأدلة على جرائم الحرب.
والولايات المتحدة تهاجم المؤسسات الدولية من قبيل المحكمة الجنائية الدولية التي تسعى إلى تقديم ما يشبه العدالة للفلسطينيين.
ومن أجل قمع المظاهرات المستمرة من مئات الآلاف من مواطنيها تعمل الدول الديمقراطية الغربية على النيل من أنظمة العدالة فيها وعلى مهاجمة مؤسساتها التعليمية وعلى تقويض حرياتها الديمقراطية.
ومنها ما أعلن متأخرا عن عقوبات مقصورة على المستوطنات الإسرائيلية، وهي المستوطنات غير القانونية التي كان ينبغي معاقبتها منذ سنين.
في عام 2014 شاركت ضمن هيئة محلفين في محكمة راسل بشأن فلسطين. وفي مقدمة التقرير الذي جاء بعد حرب إسرائيل الثالثة على غزة خلال ست سنين، كتبت: «إن لم تكن هذه إبادة جماعية، فليست الإبادة الجماعية ببعيدة». واليوم أتساءل عما لو أن الإبادة الجماعية مقدمة لشيء أكبر في الطريق.
لو أن الإبادة الجماعية لم تكن مفاجئة، فكذلك حقيقة أن السادة الاستعماريين القدامى لا يشعرون بالنفور منها؛ ففي ما يتسق مع تاريخهم ويعد استمرارا له، تشارك البلاد الغربية إسرائيل منذ عقود في إنتاج أسلحة وفي مجال العمل المخابراتي وفي تكنولوجيا المراقبة.
ويطلب الغرب مشورة إسرائيل وقدراتها التدريبية في مكافحة الإرهاب والاستجواب وتقنيات السيطرة على الشعب المدني. ومن أسباب رواج الأسلحة الإسرائيلية أنها دائما مجربة ومختبرة.
والآن إذ تجري الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الهواء مباشرة، تشاهدها المؤسسة، وتيسّرها، وتحميها، وتساعد في إخفاء آثارها. فلعلَّنا نشاهد تجربة بحثية تطويرية، أو مخططا، أو نموذجا، أو مثالا مصنوعا.
ولعلنا نعيش بالفعل في عالم بات بعض سكانه ـ وقد قيل هذا فعلا ـ فائضين عن الحاجة؛ فمن هؤلاء من يعيشون في مناطق عقارية يحلم بها المقاولون.
هذه الحرب لا تخص الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، وإنما فيها أيديولوجيات التفوق العرقي والهيمنة التي تهدد كل شعوب العالم، ومجتمعاته المدنية وما بقي فيه من منظماته الدولية.
والفلسطينيون، في اللحظة الراهنة، هم الموجودون على الجبهة، وهم الذين يتعرضون للقتل والتشويه والتعذيب والتشريد.
لكن الفلسطينيين أيضا هم الذين يقفون بيننا جميعا وبين عالم يعاد صوغه على غرار صورة إسرائيل.
أهداف سويف روائية وكاتبة مصرية بريطانية من أحدث كتبها (ميزاتيرا: شذرات من أرضية مشتركة). الترجمة عن الجارديان
