مُتحف الكلمات الغابرة

12 سبتمبر 2026
12 سبتمبر 2026

عادةً ما يقرأُ عليها في الخلوات بيتًا حفظته على لسانه وبطريقته المعهودة في إلقاء الشعر: «تِلكُم بثينةُ قد شَفَّتْ مودتُها/ قلبي فلم يبقَ إلا الروحُ والجسدُ». أطرقتْ ذات مرة، ثم باغتته بسؤالها عن أمر ظنَّ أنه قد حُسم منذ النظرة الأولى: ما اسم هذا الذي يحدث بيننا؟ ربما عليك أن تعود إلى المعجم كي تستفهمه عن كلمة أخرى تصف ما بيننا. لماذا يسهل على الجميع أن يقعوا دائمًا في نفس الكلمة؟ هل لأن الشيءَ هو الشيءُ نفسه الذي يحدث عند الجميع، حتى لدى أولئك الذين يتكلمون لغات أخرى غير لغتنا، أم لأن الناس، ببساطة، يستسهلون تعليق مشاعرهم الغامضة والمتناقضة تلك على هذه الكلمة المنهوبة نهبًا والمسفوحة سفحًا لترقيع الألحان في أرخص الأغاني؟ لا تقربنَّ فصل الحاء في باب الباء إن عدتَ إلى «لسان العرب». ودعنا نفكر في كلمة أخرى، كلمة ليست هي «الحبّ». ليس لأننا مهووسون بالتجديد والتنويع على شيء هو الشيء نفسه الذي دار بين جميل وبثينة قبل مئات السنين، بل لأنني لم أعد أحبُّ الحب (يا حبيبي). إنه يؤذيني ويقلق راحتي. وفي الشعر العربي يقولون إنه يَقتل.

هذه ليست قصتي. هذه ليست قصة قصيرة جدًا. وربما هذه ليست قصة. إنها «حدث»، حدث لم يحدث إلا في رأسي. لكنني لن أتردد في تبنيها لو كان لي أن أصنع عملًا سينمائيًا قصيرًا في مدة لا تتجاوز الدقيقتين، فيلمًا عن الكلمات، كيف تتشكل علاقتنا بها وتتباين احتياجاتنا وعوائدنا الخاصة منها، وكيف تتبدل دلالتها ومعانيها وتتبادل بمرور الزمان، كيف نسأم من بعضها ونملُّ طعمها المستهلك، فنتوق لتغيير الألفاظ؛ لأننا ببساطة شديدة أكثر عجزًا وإرهاقًا وكسلًا عن تغيير المعاني، ولأننا دائمًا وأبدًا أقل شجاعة مما يتطلبه الموقف.

ولن أتردد بالطبع في أن أؤديّ دور الولد الذي لا أستطيع الادعاء أنه لا يشبهني إطلاقًا ولا يمتُّ إلي بصلة، الولدُ الذي يذهب إلى المعجم كي يبحث لحبيبته التي «لم تعد تحب الحب» عن بدائل جديدة تؤدي لهما المعنى، أو تعيد ترتيبه، أو تنقله إلى شيء آخر، كلمةٍ جديدة تُعيد تعريف العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، كلمة لا تقتل، ولا تتسبب إلا في الحد الأدنى والضروري من العذاب. يستهويني تسمية المحبوب في الشعر العربي القديم بكلمات مواربة، مثل الخليل والخليط والصاحب، وهي كلمات تشير إلى ما في من صداقة ورفقة دون التوغل في الشؤون السرية للقلب. فليت أن صاحب «طوق الحمامة» أقرَّ الصداقة منزلة من منازل الحب بين الرجل والمرأة! لمَ لا نفكر بالصداقة كلمةً بديلة لتعريف الكثير من «علاقات الحب» التي لا يمرض فيها أحد الطرفين بالشوق من حين لآخر، أو «نستأصل العائلة ونقيم الصداقة» كما يقترح أدونيس؟

لم يخطر لي من قبل أن المترادفات في وسعها أن تحلَّ هذا الصراع القديم بين الذكورة والأنوثة، وأن أصل المسألة يبدأ من سوء تفاهم لغوي متوارث، لكنني أفكر الآن بأنه في وسع المترادفات، وفي العربية بالذات، أن تحرر العاشق من أزمته العاطفية أحيانًا. غير أن العاشق المسافر إلى المعجم سيمضي من غير رجعة. لقد ضاع في شعاب الاشتقاقات ووديانها.

منذ سنوات وأنا أعود إلى معجم لسان العرب لابن منظور بصورة شبه يومية، إذ اكتشفت نوعًا خاصًا من القراءة هي قراءة المعجم، علاوةً على متعة نادرة في تتبع أنساب الكلمات وهي تتناسب وتتفارق، تلك المتعة التي لم يدمنها شاعر من شعراء العربية المعاصرين كما أدمنها ذلك الكرديُّ الذي احتفل قبل أيام في ستوكهولم ببلوغه الخامسة والسبعين. إنني أعدُّ سليم بركات واحدًا من أغرب شعراء عصرنا، طورًا وتكوينًا ومظهرًا، تمامًا كشِعره المستغلق على القارئ من شدة ما فيه من استعراض لفحولة لغوية نافرة ومنفّرة في كثير من الأحيان، منزعها الخفي الواضح هو الاستماتةُ في إخضاع لغةٍ أخضعت لغته الأم. تلك مهنته الشعرية؛ أن «يفضّ بكارةَ الكلمات/ ثم يعيدها بكرًا إلى قاموسه» كما وصفه محمود درويش في قصيدته التي لخَّص فيها مأساة الغياب الكردية التي شرَّدت شعبًا كاملًا في ريح الجن كما تقول الأسطورة. فهل كان سليم بركات -بتلك المنعة والتحصينات المشيَّدة حول لغته الشعرية- على بصيرة نافذة ووعي سبق الجميع إلى الحدس بأن كائنات خفية ومعادية ستخترق لغتنا وتعريها وتطردنا خارجها، بحيث انغلق على نفسه في قلعته التي شيدها ضد القراءة والقراء بعد أن أدرك باكرًا المخاطر المتأتية من الوثوق باللغة العمومية المتاحة للتواصل السهل والدخول والخروج؟

أحتفظ في جهازي اللوحي بنسخة إلكترونية من لسان العرب في ثمانية عشر جزءًا. ومنذ أيام فقط أدركت أنني أدخلُ في حلم آخر من أحلام حياتي؛ لا أريد أن أموت قبل أن أقرأ لسان العرب كاملًا، وأعني أن أقف بإصبعي على كلمة يشتمِلها المعجم، من باب الهمزة حتى باب الياء. وأريد أن أكبر كل يوم وأنا أقرأ لسان العرب صفحةً صفحةً كل يوم، ولا تدري نفس بأي حرفٍ تموت. وفي سبيل هذا الحلم هناك حلم صغير أيضا، حُلم دنيوي، وهو أن أحظى بنسخة حقيقية ورقية من لسان العرب في مكتبتي الصغيرة، لأتحسس ملمس الكلمات على الورق ولأملأ وحدتي بتأمُلها كسلالاتٍ من الكائنات المنقرضة.

مثل «الحب» تصادفنا الكثير من الأشياء التي بات من حقها أن تتحرر من كلماتها الموصومة بها، وعلينا أن نبحث لها عن بدائل جديدة في متحف الكلمات الغابرة، مثلما أن هناك الكثير من الكلمات التي ينبغي تحريرها من معاني لا تخصها، أو من معاني لم تعد تخصها. وهذا أقصى ما أفكر به الآن حين أفكر بدعوات «إعادة خلق اللغة» بعد أن اخترقت الكائنات الفضائية شفرة وجودنا على هذه الأرض وفكَّتْ طلاسم لغتنا في الماء. فات الأوان، وقد حلَّت الكارثة بعد مقتل كل الشعراء الأموات. وعليّ الآن أن أحافظ على نفسي وعقلي ولغتي بكل نزعة الضواري البرّية في الدفاع عن النفس ساعة الخطر.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني