قريبًا من درويش.. بعيدًا عنه!
ثم في نشرة الساعة التاسعة أذاع التلفزيون خبر اغتياله. هكذا تحول البطل في عقلي إلى شهيد. ولزمن في طفولتي كان حلمي أن أصبح رسام كاريكاتير. وعندما وقف عبدالرحمن الأبنودي في الخرطوم يقول «كان صاحبي يمه/ واسمه ناجي العلي» بكيت بطل طفولتي كأنه صاحبي أنا.
قيل إن محمود درويش هدد ناجي العلي قبل اغتياله، وإن للشاعر يدًا في الرصاصات التي أصابت ناجي في لندن عام 1987. كنت طفلًا لم يعرف درويش، لكنه يحب ناجي. وربما لم أرَ وقتها كاريكاتير «خيبتنا الأخيرة» الذي أزعج درويش، وقطعًا ما كنت أعرف «بيروت خيمتنا الأخيرة». لزمن أبعدتني تلك الشائعة عن درويش، حتى أعدت اكتشافه شيئًا فشيئًا.
كنت صبيًا حزينًا على بطله، ثم وصلته الشائعة الواثقة. فحُجب عن الرجل الذي أعلن هزيمة الموت أمام الفنون جميعها. في يوم أهداني صديق محب لدرويش كتابًا عنه، ثم همس: أنا أحسدك، ما زالت تنتظرك متعة اكتشاف شعره. كان محقًا في حسده.
ورأيت أثر درويش في مركز خليل السكاكيني الذي اتخذته المجلة مقرًا لها. وهناك عندما رأيت مظاهر الحياة فهمت لماذا رأى درويش أن على أرضها ما يستحق الحياة. رغم عنت العدو وفجره. كان درويش يعلم. كانت فلسطين تربي الأمل، وتقاوم بالحياة.
ولأن ابن أم درمان إن مرّة أكرمه حظ؛ عاوده. رجعت أقف عند قبر درويش في أكتوبر 2017 لأزرع شجرة. وفي المرة الثانية هذه دخلت مبنى المقاطعة الذي حوصر فيه ياسر عرفات في شهوره الأخيرة.
وهو المبنى الذي شهد تأبين «أبو عمار»، وألقى فيه درويش نعيه التاريخي. في تصرف ذكي تلتقيك كلمات درويش بعد أن تشاهد غرف الحصار ومتعلقات عرفات، وتقرأ على أحد الأبواب كلمات الوداع التي خطها حرسه وهو يغادرهم لآخر مرة، وتسمع صوت الرصاص من أجهزة تسجيل فتشعر بما يشعر به المحاصر.
فإذا وصلت إلى النهاية وجدت إطارًا يحيط بكلمات درويش: «تأخر حزني عليه قليلًا؛ لأني كغيري توقعت من سيد النجاة أن يعود إلينا هذه المرة أيضًا..» فيختم رثاء درويش رحلة في الزمان والمكان. رحلة تراها في متحف محمود درويش حيث تُعرض أول هوية بالعربية والعبرية لدرويش بصورته الشابة، وحقيبته التي هُجّر بها، وينتهي ببطاقة الصعود لطائرة الخطوط الفرنسية التي حملته في رحلته الأخيرة من باريس لهيوستن. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي تحجب عني أكاذيب وسوء ظن متعة فنية، لكنه كان درسًا مهمًا. ووقفت بعد عقود أكفّر عما فعلت عند قبر درويش، وأحب أن أؤمن أنه ابتسم.
