"تاريخ الكتابة"... محاولة لفهم الأصل الذي نشأت منه الكتابة
القاهرة "د.ب.أ": عرف العالم القديم الكثير من أنظمة الكتابة وحروفها وخطوطها التي اندثرت وباتت من الماضي، واكتفى الناس بمشاهدتها على جدران المعابد وفي النصوص القديمة التي كُتبت على أوراق البردي وجرى نقشها وحفرها على الجداريات التاريخية، وعلى أحجار المقابر والمغارات في مصر والعراق والجزيرة العربية، حيث عرفت المنطقة العربية لغات عديدة مثل الهيروغليفية، والهيراطيقية، الديموطيقية، والسومرية التي كانت من أقدم الكتابات المعروفة في بلاد ما بين النهرين، وكتابة المسند في شبه الجزيرة العربية وغير ذلك من الكتابات.
عالم اللغويات النيوزيلندي ستيفن روجر فيشر، المعروف بإسهاماته في فك رموز النصوص القديمة، هو واحد من العلماء الذين غاصوا في تاريخ الكتابة، وقد دوّن كل ما يتعلق بذلك التاريخ في كتاب جاء في قرابة 540 صفحة، في نسخة ترجمتها لنا المترجمة المصرية رشا صلاح الدخاخني، وراجعها محمد فتحي خضر.
الكتاب الذي حمل عنوان "تاريخ الكتابة"، يعود بالقراء إلى العصور الأولي التي شهدت طهور الكتابة للمرة الأولي، ويستعرض مؤلفه رحلة الكتابة من الماضي إلى المستقبل، مُتحدثاً عن القراءة والكتابة باعتبارهما سبيلاً للمعرفة في الماضي والحاضر، مستحضراً صور النصوص القديمة التي تنتشر على جدران وأسقف المعابد والمقابر والمقاصير المصرية القديمة، ولافتا إلى هؤلاء الحجاج في إقليم التبت الذي يزحفون - بحسب وصفه - تحت اكوام من النصوص المقدسة منذ قرون إيماناً منهم بأنهم يتشربون حكمة النصوص القديمة.
ومنوهاً بما أكدته دراسات حديثة بأن المرء حين يكتب مشاعره يمكنه أن يتخلص من الإكتئاب.
ويُتيح الكتاب للقراء الحصول على نظرة شاملة وعصرية للتاريخ المدهش للكتابة. والتعرّف على أصول أنظمة الكتابة الرئيسة المستخدمة في مختلف أنحاء العالم ونصوصها وأشكالها وأدوارها والتغيرات الزمنية التي طرأت عليها. ويتناول الديناميّات الاجتماعية للكتابة في كل مرحلة من المراحل.
ويرى مؤلف الكتاب أن جميع أنظمة الكتابة تنحدر من نماذج أولية أو أنظمة سابقة، اقتبست فكرتها المتمثلة في تصوير الكلام البشري بصورة رسومية، ونظام تحقيق ذلك، والعلامات الرسومية المستخدمة في خضم هذه العملية، وعُدّلت وحُوِّلَت کی تتلاءم مع الاحتياجات اللغوية والاجتماعية لأشخاص آخرين.
وأضاف ستيفن روجر فيشر، بأنه ثمة طرائق لا حصر لها لإعادة انتاج الكلام البشري، وأنه في الوقت الراهن اختزل التاريخ هذه الطرائق ونقحها إلى عدد صغير من الحلول المثلى. غير أن القراء سيدركون أن عملية الاختزال والتنقيح التاريخية لا تزال مستمرة؛ نظراً لأن المجتمع يكتشف احتياجات جديدة وإجابات جديدة، ولهذا السبب، فإن أنظمة الكتابة والخطوط في حالة تغير مستمرة أبد الدهر، ولكن على نحو أبطأ بكثير من اللغات التي تنقلها.
وقدّم لنا الكتاب أمثلة لبعض مظاهر إبداعات الكتابة، تدلنا كيف أصبحت الكتابة أداة مثالية لنقل المعرفة البشرية (العلوم)، ووسيطاً ثقافياً للمجتمع (الأدب)، ووسيلة للتعبير الديمقراطي والإعلام الجماهيري (الصحافة)، وفناً في حد ذاتها (فــن الخط).
