عقوبات بيرنهام هل تصمد حتى النهاية؟
09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026
في تطور فريد وغير مسبوق في العلاقة بين بريطانيا وإسرائيل أعلنت حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الثلاثاء عن حزمة عقوبات تستهدف التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
الخطوة البريطانية جاءت متزامنة مع تصاعد موجة العنف من قبل المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، وما تبعها من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لتوسيع المخطط الاستيطاني الشهير East 1 والمعروف اختصارا بـ E1 وهو مشروع استيطاني خطير يمتد على مساحة 12 كيلومترا مربعا شرقي القدس المحتلة، ويهدف إلى ربط مستوطنة «معاليه أدوميم» بمدينة القدس وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، أي فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، وفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها، والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
ومستوطنة معاليه أدوميم أسستها حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة إسحق رابين في العام 1975 شرق مدينة القدس وهي إحدى كبريات المستوطنات الإسرائيلية وأكثرها توسعا وتخضع للسيطرة الكاملة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكان الهدف من إنشاء هذه المستوطنة ولا يزال هو إحكام السيطرة على القدس، واختراق الأراضي الفلسطينية استراتيجيا.
وقد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فترة ولايته الأولى الضوء الأخضر لنتنياهو لبناء 3500 وحدة استيطانية في منطقة E1 ضمن ما سمي وقتها بـ«صفقة القرن»، وهي كانت في الحقيقة «وصفة» لتصفية القضية الفلسطينية وبمثابة خطوة أخيرة لضم الضفة الغربية، ومن ثم جعل فكرة إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس أمرا مستحيلا، أو كما قال سموتريتش: «إن المخطط يدفن فكرة الدولة الفلسطينية بالنسبة للفلسطينيين والمجتمع الدولي».
إذن فإن الخطوة البريطانية بفرض عقوبات تستهدف التجارة مع المستوطنات والشركات التي تمول مشاريع الاستيطان تمثل ضربة قوية لحكومة نتنياهو، وتعرقل هذا المشروع الذي تعول عليه إسرائيل بشكل أساسي كأداة للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار تعهد وزير الخارجية البريطاني ميليباند باستهداف خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل، وحتى المستوطنين المتطرفين، ووقف تراخيص مبيعات الأسلحة والتي تساعد في تعزيز وتقوية قبضة الاحتلال وتوسعه.
في تقديري إن هذا التطور المهم هو انعكاس للتحول الذي حدث في اتجاهات الرأي العام في الغرب (أمريكا وأوروبا) إزاء القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بالعموم بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة وما ارتكبته إسرائيل من فظائع وانتهاكات وإبادة جماعية هزت الضمير الإنساني العالمي بجانب ممارستها الاستيطانية والتهجير القسري المنهجي للفلسطينيين بالاستيلاء على أراضيهم وهدم منازلهم؛ إذ تصاعدت موجة الانتقادات للسلوك الإسرائيلي في أوساط الرأي العام، وتزايدت في الوقت نفسه موجات التعاطف مع الفلسطينيين وإظهار الدعم والمساندة لقضيتهم وتنامي مشاعر الكراهية للسياسات العدوانية التي تمارسها حكومة نتنياهو ضد الفلسطينيين.
وقد كان التعبير عن هذه المشاعر في السابق أمرا محظورا، ويتفادى الجميع الاقتراب منه، ويندرج ضمن تصنيف «معاداة السامية» وهي جريمة يعاقب عليها القانون في تلك المجتمعات وسيفا مسلطا على رقبة كل من يبدي رأيا مخالفا لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في حق الفلسطينيين.
ومن عجب أنه وبعد أكثر من مائة عام على ما عرف بـ«وعد بلفور» الذي تصدق عليه تماما عبارة عطاء من لا يملك لمن لا يستحق يأتي رئيس وزراء بريطاني يناهض المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بهذا الوضوح وهذه القوة.
وكما هو معلوم فإن قصة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بدأت بوعد بذله وزير الخارجية البريطاني حينها آرثر بلفور في نوفمبر من عام 1917 إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز وجهاء الجالية اليهودية في بريطانيا لكي ينقلها إلى الاتحاد الصهيوني.
وجاء نص الوعد سخيا، ويقول بوضوح: (إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية)، وكانت بريطانيا تسعى في ذلك الوقت لكسب رضا وتأييد الحركة الصهيونية العالمية خلال الحرب العالمية الأولى لتحسين وتقوية موقفها على جبهة الحرب.
وكان هذا الوعد هو الصك المؤسس لدولة إسرائيل التي أعلن عن تأسيسها في عام 1948، ومنذ ذلك التاريخ وهي تمارس توسعها الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية وفق خطط مدروسة وبدعم سياسي ودبلوماسي واقتصادي وعسكري ودعائي سخي من قبل الولايات المتحدة وأوروبا.
وبالطبع لم يأتِ قرار العقوبات على المستوطنات من رئيس الوزراء البريطاني بيرنهام معزولا عن اتجاهات الرأي العام البريطاني، بل هو في الحقيقة تتويج لهذه الاتجاهات واستجابة لها، وهو ما جعل تل أبيب تبدو قلقة ومنزعجة وغاضبة؛ فقد وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر العقوبات البريطانية بأنها «قرار سياسي عبثي وخطوة فاسدة أخلاقيا».
ولم تكتفِ الحكومة الإسرائيلية بهذه الأوصاف القاسية فقط، بل زادت عليها بالإعلان عن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وطرد الممثلين البريطانيين من المركز المسؤول عن إدارة المراحل المقبلة من خطة وقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء أنشطة فريق الدعم البريطاني (BST)، وهي وحدة صغيرة من العسكريين البريطانيين مقرها رام الله تقوم بتقديم الدعم لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، كما منعت إسرائيل 11 نائبا بريطانيا ومحاميا من دخول إسرائيل.
من جانبه، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تعليقا على قرار العقوبات: «إن فرض العقوبات سيكون خطأ جسيما في التقدير، واختيارا للجانب الخاطئ من التاريخ».
وما يزعج إسرائيل أكثر هو أن 11 دولة غربية من بينها كندا أعلنت أنها ستفرض عقوبات مماثلة على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بموجب القانون الدولي، وهو أمر إن حدث فسوف يضع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي برمته في المحك.
وأكثر ما يغيظ إسرائيل ويثير استياءها إزاء هذه التطورات من الجانب البريطاني، ويلجم لسانها عن إطلاق الاتهامات المعلبة والجاهزة، وإلصاق ديباجة معاداة السامية على من يعترض على سياستها هو ما صرح به وزير الخارجية البريطاني ميليباند الذي قال: إنه يعلن هذه العقوبات «كيهودي فخور» مضيفا: إن بريطانيا لم تعد قادرة على الاكتفاء بـ«إدانة» الظلم والمعاناة!
إذن لا مجال لسلخ جلد الرجل الذي هو من بني جلدتهم وفرِح فخور بيهوديته، أما تأكيده بأن بريطانيا لم تعد قادرة على الاكتفاء بمجرد الإدانة اللفظية لما أطلق عليه الوصف الحقيقي له وهو الظلم والمعاناة فإن ذلك يعني أن القادم سيكون أسوأ بالنسبة لإسرائيل، وأن بريطانيا التي أعطت إسرائيل وما استبقت شيئا من لدن بلفور حتى كير ستارمر قادرة، ولديها الإرادة على تصحيح أخطائها، وإعادة ضبط علاقاتها مع تل أبيب بما يتوافق مع القانون الدولي، وبما يحفظ لها مكانتها الدولية ومركزها بين الأمم، وبما يحسن علاقاتها مع الدول العربية والتي شابتها شوائب الانحياز والمسايرة المستمرة لإسرائيل في ظلمها للفلسطينيين وتدخلاتها العدوانية في شؤون الدول العربية.
إنَّ الخطوة البريطانية خطوة جريئة وفي الاتجاه الصحيح؛ ولذلك سوف تواجه بمقاومة عاتية من قبل إسرائيل، مقاومة من الداخل البريطاني عبر جماعات ومراكز الضغط الموالية لإسرائيل، ومقاومة من الخارج من الولايات المتحدة عبر اللوبي الصهيوني ذي النفوذ الأقوى على إدارة ترامب التي معلوم عنها أنها مرتمية في أحضان الحكومة الإسرائيلية وتأتمر بأمرها.
ولن تألو تل أبيب جهدا في العمل والسعي لإلغاء العقوبات البريطانية وإقناع بقية الدول الأخرى بالعدول عن تطبيقها؛ فاليد الإسرائيلية طويلة في الغرب، ولكن ستقصر هذه اليد عن أن تمتد لإلغاء أو تجميد هذه العقوبات إذا ما واصلت هذه الدول سيرها حثيثا في هذا الطريق حتى نهايته امتثالا لقواعد القانون الدولي والعدالة الدولية، وقبل ذلك امتثالا للقيم الأخلاقية والإنسانية والتي تحض على صون حق الشعوب في العيش بكرامة في أرضهم وديارهم، ونبذ كل أشكال التمييز والاضطهاد، وتجريم احتلال أراضي الغير أو إجبار أصحابها على مغادرتها كرها وتحت تهديد السلاح كما يفعل المستوطنون الإسرائيليون المحميون من قبل الجيش الإسرائيلي.. فهل سيفعلها بيرنهام ويكمل ما بدأه حتى النهاية؟
