«رواندا».. التجربة الملهمة
والتحوّل نحو شمس السلام والتقدم، دولة تقاسمتها القوى الاستعمارية منذ قرون، وزرعت فيها العقلية الطبقية، والقبلية ليسهل حكمها، مما أدى إلى تفاوت اقتصادي وسياسي كبير بين أبناء الشعب الواحد، وحروب أهلية على مدار تاريخها الاستعماري، حتى اندلعت الحرب الكبيرة عام 1994م، التي حصدت قرابة المليون نسمة من سكان البلاد خلال ما يقارب الثلاثة أشهر فقط، حرب قضت على الأخضر واليابس، وأهلكت الزرع والنسل، وأبادت الإنسان والحيوان والنبات، حتى خُيّل للعالم أن الصراع العرقي لن ينتهي أبدا.
وقد كان هذا أولى خطوات النجاح الذي تشهده (رواندا) حاليا، فأصبحت الدولة الأكثر نموا في القارة الإفريقية، وحولت الأهداف إلى واقع، فبعد أن أطلق الرئيس (كاغامي) رؤية 2020، التي اعتمدت على دفن ذكريات الحرب، وآثارها السلبية من نفوس شعبه، والتركيز على التعليم والوعي وبث روح الوطن الواحد لدى فئات الشباب، ومحاكمة مجرمي الحرب، ودمج الأفراد المتورطين بأعمال العنف في المجتمع، ووضع نشيد وطني يوحد الشعب، إلى جانب التركيز على الشق الاقتصادي من خلال القضاء على الفقر ورفع دخل الفرد.. وقد نجحت هذه الأهداف إلى أبعد مدى خلال خمسة وعشرين عاما، وأصبحت (رواندا) درسا عميقا ومؤثرا في النظام العالمي للإرادة الوطنية، وبناء الدولة الحديثة، والقضاء على مصادر التهديد للسلم المحلي، ووضوح الهدف للارتقاء بالاقتصاد،
رغم أن (رواندا) لا تملك ثروات طبيعية من النفط، والغاز، وهي دولة غير ساحلية، أي إنها لا تطل على بحر مفتوح، كما أن مواردها الاقتصادية محدودة للغاية، إلا أنها استطاعت أن تستثمر تلك الموارد بأفضل ما يمكن، وتتدرج في تنويع مصادرها من الزراعة والثروة الحيوانية، إلى الانتقال في مرحلة لاحقة إلى السياحة، والصناعة، وجذب الاستثمار، حتى أصبح هذا البلد (أسرع دول العالم) تقدما على مستوى دخل الأفراد!،
فبعد أن كان معظم الشعب الرواندي يعيش تحت خط الفقر، أصبح دخل الفرد فيها يصنف على أنه (متوسط) حسب المؤشرات العالمية، إضافة إلى أنها واحدة من أكثر الاقتصادات الإفريقية نموا خلال الفترات الماضية، والأقل فسادا على المستوى الإقليمي، والأكثر أمنا.
