انتصارات غير صاخبة للمرأة
06 سبتمبر 2026
06 سبتمبر 2026
يسعى الإنسان لأحلامه وطموحه متخذا من جده واجتهاده وترتيب أولوياته سلّما يسير به لبلوغ آية مجده وذروة طموحه.
لكن الطموح له أوجه عديدة ومنازل متفاوتة لا ينبغي حصرها في المنصب الوظيفي والوجاهة الاجتماعية بعيدا عن التحقق العاطفي والاستقرار الاجتماعي للأسرة مع الأهل والأصدقاء.
ومع تباين مفاهيم النجاح والطموح والتفوق تباينت آراء العامة في تصنيف النجاحات وتقدير المنجزات.
ومع كل أشكال التباين ما زالت المجتمعات تحتفي بالقرارات الوظيفية المؤسسية والمناصب التنافسية دون تقدير يذكر للقرارات الفردية الشخصية التي تغير مسارات الأسر ومآلات الأفراد، والتي يشكل بعضها منعطفات رئيسة تمهيدا لنجاحات عظمى وطموحات لا يستهان بها.
أشعل إعلان كارولين ليفيت (28 عاما) مغادرة منصبها كأصغر ناطقةٍ رسمية باسم البيت الأبيض في نهاية أغسطس 2026 (رغبةً في التفرغ بصورة أكبر لطفليها وأسرتها) نقاشاً متجدداً حول إحدى أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث؛ العلاقة بين الطموح المهني ومسؤوليات الأسرة.
فحين تتخذ امرأة بلغت أعلى المواقع العامة قراراً بالابتعاد عن دائرة الضوء لا يكون الأمر مجرد انتقال وظيفي عابر، بل يصبح فسحة للتأمل في طبيعة النجاح ذاته، وفي الصورة التي يرسمها المجتمع لمسيرة المرأة وإنجازاتها، وعن معنى الإنجاز حين تكون المقابلة بين الوظيفة العامة والمسؤولية الخاصة.
كل ذلك رغم أن كارولين لم تبتعد تماما؛ إذ قبلت عرض الرئيس ترامب استمرارها في العمل كمستشارة بارزة للبيت الأبيض من خارج الإدارة، مؤكدة مواصلتها الدفاع عن حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» والحزب الجمهوري.
وقالت كارولين في خطاب وداعها للبيت الأبيض «كل يوم كأم عاملة يمثل تحديًا، عليكِ تقديم تضحيات وترتيب أولوياتك، ورفض العديد من الفرص التي تُعرض عليكِ لأنكِ تريدين التواجد مع أطفالكِ قبل النوم كل ليلة.. أعتقد أن ولادة ابنتي... أظهرت لي حقًا أن وجود طفلين في المنزل يستحقان ويحتاجان إلى رعاية والدتهما واهتمامها الدائمين»
النقاش حول استقالة كارولين من منصبها أعاد الحديث عن تجربة آن ماري سلوتر الباحثة والأكاديمية الأمريكية التي شغلت منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية خلال ولاية الرئيس أوباما مغادرةً موقعها الحكومي الرفيع عام 2011 لتعود إلى أسرتها لترعى ابنها المراهق حينها وإلى وظيفتها الأكاديمية، سلوتر التي أثار مقالها الشهير الذي نشرته بعد عام من مغادرة المنصب Why Women Still Can›t Have It All نقاشاً عالمياً واسعاً حول حدود فكرة «امتلاك كل شيء» وإمكانية تحقيق التوازن الكامل بين النجاح المهني المكثف والمسؤوليات الأسرية، بين قصص الصعود والاختيار.
من الخطأ النظر إلى قرار الانسحاب من المنصب باعتباره تراجعاً عن الطموح؛ لأن الطموح الحقيقي لا يُقاس بمدى الصعود السريع في السلم الوظيفي وحسب، بل بقدرة الإنسان كذلك على اتخاذ القرار الذي ينسجم مع قناعاته العميقة وحاجات أسرته في لحظة معينة من عمره.
لا ينبغي النظر لهذه المقابلات والقرارات المصيرية على أنها قضية تخص النساء وحدهن؛ فالأدبيات الحديثة تتجه إلى اعتبارها قضية جميع العاملين ذوي المسؤوليات الأسرية.
وإن كانت مقالة سلوتر تؤكد عجز المؤسسات في كثير من الأحيان عن توفير بيئة تسمح بالتوفيق الحقيقي بين المسؤوليات العائلية والالتزامات المهنية المكثفة، فإن فرضيات بحثية أخرى تشير إلى أن التوتر بين العمل والأسرة نابع من الطبيعة البشرية نفسها؛ فالوقت محدود والانتباه محدود والطاقة البشرية محدودة، حتى في أكثر المؤسسات مرونة ستظهر فترات تتطلب ترجيح أحد الأدوار على الآخر، لهذا انتقل بعض الباحثين من مفهوم Work-Life Balance (التوازن بين العمل والحياة) إلى مفهوم Work-Life Integration (تكامل العمل والحياة)، أي إدارة التداخل بين المجالين بدلاً من افتراض إمكانية الفصل الكامل بينهما.
ومن ثم، فإن السؤال الذي طرحته سلوتر سنة 2012 ما زال حاضرا، لكنه تحوّل من سؤال عن قدرة المرأة إلى سؤال أوسع عن قدرة المؤسسات الحديثة على التكيف مع إنسانٍ لم يعد يقبل اختزال هويته في العمل وحده.
ختامًا: إن أعظم ما يميز المرأة الطموحة ليس وصولها إلى أعلى المناصب، بل امتلاكها الحرية والقدرة على اختيار ما تراه أكثر اتساقاً مع رسالتها الإنسانية الأعظم في لحظة مُفاضلات حاسمة بين ضغط الجماهير ومغريات المنصب وتحديات المرحلة، وحين تختار الأسرة بعد مسيرة مهنية ثرية فإنها لا تهجر النجاح وإنما تعيد تعريفه؛ إذ لا تُصنع الانتصارات كلها في قاعات القرار، بعضها يُصنع حيث تتشكل حياة الأبناء ومستقبل المجتمعات بهدوء لا تقل قيمته عن ضجيج السياسة والسلطة، الانتصار الأعظم في التحرر من ربقة المنصب وعبودية النفوذ، حيث تتساوى النساء مع الرجال، فلا يمكن اعتبار سلب حرية الاختيار ونكران الذات لأجل الوظيفة انتصارا، كما أن الاستقرار الأسري وتعزيز الصحة النفسية والعقلية والبدنية بعيدا عن المشاحنات والضغوطات ليس خسارة أو تضحية.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
