الحياد الفاعل قدر الجغرافيا وخبرة التاريخ

06 سبتمبر 2026
06 سبتمبر 2026

تثبت التطورات العسكرية الأخيرة من استهداف حاملات الطائرات الأمريكية ومن استهداف مضاد لناقلات النفط الإيرانية أن ما يعرف بـ «الاحتفاظ بمستوى من الصراع العسكري مسيطر عليه» ليس مضمونا على الإطلاق.

وأن القدرة على الإبقاء على ما يسمى بصراع منخفض المخاطر أو صراع دون عتبة الحرب الشاملة قابل للانهيار والإفلات عند أي خطأ في الحسابات أو إقدام أحد الطرفين على نمط تصعيد غير متوقع ومقابلة ذلك بردود فعل عصبية.

يثبت هذا مجددا الحاجة إلى التفاوض والحلول السياسية والوسطاء المستقلين الذين يتمتعون بالحياد البناء والنزاهة وقنوات الاتصال مع جميع الأطراف.

يتوافق هذا مع استنتاج وفرته أكبر حربين في السنوات الأربع الأخيرة وهما حرب أوكرانيا وحرب إيران الجاريتان، وهو عجز القوة العسكرية والحرب والعقوبات الاقتصادية على إنهاء الصراعات باستسلام تام لطرف وانتصار مطلق للطرف الآخر.

وعبّر عن ذلك التطور الاستراتيجي أدق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في مقابلة حديثة أشار فيها إلى أن قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها تراجعت، مستشهدًا بما يجري في أوكرانيا منذ فبراير ٢٠٢٢وكذلك في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران منذ فبراير ٢٠٢٦.

يتوافق هذا أيضا مع ما أثبتته الحرب الأمريكية - الإيرانية لدول المنطقة من تحول القواعد العسكرية على أراضيها ومنشآتها النفطية وبنيتها التحتية من هجمات من عدم فعالية أو على الأقل عدم كفاية الاعتماد على طرف دولي واحد لضمان الأمن وتوفير مظلة حماية مطلقة.

بعبارة أوضح قدمت الحرب المؤلمة التي تم تجاهل مصلحة شعوب الخليج فيها لصالح المصلحة الإسرائيلية درسا مكلفا ماليا ونفسيا ولكن ضروري للدول الخليجية والعربية أن نموذج السياسة الخارجية القائم على تنويع الشراكات والحفاظ علي قنوات اتصال مع الأطراف وممارسة سياسة فيها هامش استقلال وحياد فعال أو بنّاء هو النموذج المناسب للموقع الجيوسياسي الدقيق والحساس لأمن الطاقة والتجارة والسلم الدولي.

والنموذج المناسب أيضا للتعامل مع حاجة ومطامع العالم، أحيانا، في الثروة النفطية بالمنطقة التي تستحوذ لوحدها بما فيها العراق وإيران على نحو ٦٠٪ من احتياطيات النفط و٤٠٪ من احتياطيات الغاز ونحو ٣٥٪ من الإنتاج الحالي للنفط في العالم.

قدمت سلطنة عمان هذا النموذج بشكل مستقر ومتماسك منذ عام ١٩٧٥ وطورته في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى ما يمكن وصفه بعقيدة استراتيجية فكرية.

لم يعد النموذج كما كان محصورا في الحركة السياسية ودبلوماسية التفاوض وممارسة الوساطة بين الأطراف المتصارعة بكفاءة ونزاهة بين إيران والولايات المتحدة ودول غربية عديدة، وبين إيران ودول في مجلس التعاون، وبين اليمن وأطراف الجزيرة العربية، بل سمح أيضا للدبلوماسية العمانية بالتعبير عن النموذج والدفاع عنه في صورة متراكمة مستمرة لما يمكن وصفه بـ «الأدب السياسي political literature».

كما تفصح مقالات معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في الأشهر الخمسة الأخيرة.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن نموذج الحياد الفعال أو الحياد الإيجابي ليس خيارا ترفيا للنخبة السياسية العمانية، بل هو حكم وقدر الجيوبوليتيك الصارم؛ والجيوبوليتيك في معناه الشامل يشمل الموقع الجيوسياسي والخبرة التاريخية وتقاليد الدولة والثقافة السياسية خاصة الدول صاحبة العمق التاريخي.

وهذا الحياد البناء هو صنو الحفاظ على الاستقلال، بل الحفاظ على السيادة والمصلحة الوطنية للشعب العماني. تعلمت عمان من تاريخ شعبها حربا وسلما عبر ضفتي الخليج التي خاضت فيها معارك مشهودة بخبرات صعبة ربما لم تعرفها وتذوق ويلاتها الدول الحديثة.

تعلمت عمان عبر هذا التاريخ قيمة موقعها الجغرافي الفريد وحساسيته لمصالح المنطقة والعالم، وأن الحفاظ على استقلالها مرتبط بحياد نزيه وموقف يسعى للسلام وليس للحرب وأنه مهما تكررت الحروب والصراعات وتقدم النفوذ الأجنبي أو ابتعد عن المنطقة فإن جغرافيتها لن تتغير وتعايش شعوبها حتمي لا مفر منه.

لا تستطيع عمان ضمان سيادتها الوطنية على مضيق هرمز الاستراتيجي وعلى كامل سواحلها الممتدة المفتوحة على خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي والمفتوح على الخليج العربي دون التوصل لترتيبات عبر الحوار وبما يتفق مع قواعد القانون الدولي، وأن ترتيبات أحادية أو قائمة على طلب الطاعة والاصطفاف والانحياز المطلق لن تستقر ولن تحفظ سيادة ولن تحقق حرية الملاحة العالمية ولن تُطمئن العالم الفزع من استمرار إغلاق المضيق واستمرار الصراع.

في الوقت الذي يتأكد فيه اتجاه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب في العلاقات الدولية وتوزيع جديد للقوة بين أطرافه الكبرى، وفي الوقت الذي تشل فيه التكنولوجيا الحديثة والحروب غير المتماثلة قدرة القوى العظمى على فرض إرادتها، وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول لتحالفات أمنية جديدة «تحالف مكة مثالا» بين قوى متوسطة وغير غربية؛ يصبح التمسك بنموذج الحياد الفعال العماني والتفاوض والالتزام بالقانون الدولي وعدم الخضوع لترهيب «من ليس معي هو عدوي» هو النموذج القابل للتمسك به والدفاع عنه من الدول الصغيرة والمتوسطة لحماية مصالحها الوطنية وصون استقلالها وسيادتها، وهو الطريق لمنع ما أسماه جويتيريش أيضا تحصين النظام والمؤسسات الدولية من حالة الإفلات من العقاب التي دمرت تقريبا منذ غزو العراق كل إنجاز البشرية في صوغ القانون الدولي والتنظيم الدولي المبني على هذا القانون منذ صلح ويستفاليا قبل أكثر من ثلاثة قرون.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري