أمر مقلق يوشك أن يحدث في ألمانيا
06 سبتمبر 2026
06 سبتمبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي
يتهيأ حزب (البديل من أجل ألمانيا) لتحقيق فتح كبير.
سكسونيا أنهالت واحدة من ولايات ألمانيا الشرقية سابقا، قوام سكانها مليونا نسمة، فهي ولاية صغيرة نسبيا، لكن أهميتها في انتخابات أمس الأحد فيها قد تكون أهمية قصوى؛ إذ يوشك حزب (البديل من أجل ألمانيا) على تحقيق فوز كاسح، بل إنه قد يحقق أغلبية مطلقة بما يعني أنه قد يشكل حكومة ولاية للمرة الأولى في تاريخه.
وبعد طول انحصار في المعارضة يقف الآن حزب (البديل من أجل ألمانيا) على أعتاب نيل سلطة، على المستوى الإقليمي في أقل تقدير.
لقد مثَّل صعود حزب (البديل من أجل ألمانيا) بالفعل صعوبة للحكم المتماسك المستقر على المستوى الوطني، إذ أرغم نجاحه في الانتخابات الفيدرالية العام الماضي ـ حيث جاء في المرتبة الثانية بعشرين في المائة من الأصوات ـ حزب الديمقراطيين المسيحيين المنتمي إلى يمين الوسط على تشكيل حكومة مع حزب الديمقراطيين الاشتراكيين المنتمي إلى يسار الوسط. وقد احتدمت الخلافات بين الحزبين منذ أن تولى فريدريش ميرز منصب المستشار وحقق حزب (البديل من أجل ألمانيا) صعودا كبيرا في استطلاعات الرأي، حتى أصبح الآن هو الحزب الأكثر شعبية في ألمانيا بفارق كبير.
والأمر الذي يجعل صعود حزب (البديل من أجل ألمانيا) صادما بصفة خاصة هو أنه أشد تطرفا من أحزاب أقصى اليمين الأوروبية الأخرى سواء التي تولت السلطة بالفعل من قبيل حزب (إخوة إيطاليا) التابع لجورجيا ميلوني أو توشك على توليها شأن حزب (التجمع الوطنية) برئاسة مارين لوبان. وفي حين أن هذه الأحزاب تسعى ببعض السبل إلى التخلص من تطرفها والاقتراب من الاعتدال، فإن حزب (البديل من أجل ألمانيا) يصبح بمرور الوقت أشد راديكالية ويعمِّق علاقاته بالنازيين الجدد ويعد بإعادة المهاجرين إلى أوطانهم، وفي ثنايا ذلك يزداد شعبية.
في العام الماضي، صنفت هيئة المخابرات الداخلية في ألمانيا الحزب «متطرفا يمينيا»، لكن حجم تأييد الحزب يعني أن أوان حظره قد فات. فباتت حكومة المستشار ميرز هي التي ينبغي أن توقفه. غير أن الحكومة، في ظل الانهماك في إعادة التسلح والسياسة الخارجية، تبدو عاجزة عن ذلك. وسوف تكون التداعيات على ألمانيا ـ وعلى بقية أوروبا ـ منذرة بحق.
في صلب هذا الأمر يقع الاقتصاد الذي يمر حاليا بأزمة بنيوية عميقة؛ فعلى مدار العقدين الماضيين، كان الاقتصاد الألماني كثيرا ما يوصف بأنه الأقوى في أوروبا. لكن اعتماده الفائق على التصدير جعله، في واقع الأمر، اقتصادا شديد الهشاشة.
وقد ظهرت هذه الهشاشة الآن، إذ تتعرض القطاعات التصنيعية في ألمانيا ـ وهي قاعدة نجاحها الاقتصادي ـ لضربات من مزيج من الرسوم الجمركية الأمريكية والمنافسة الصينية التي كثيرا ما يشار إليها بـ(الصدمة الصينية الثانية)، وعلى هذا الانحدار الاقتصادي يقوم الصعود الذي حققه حزب (البديل من أجل ألمانيا) أخيرا في ما يتعلق بالتأييد الشعبي.
وواقع الأمر هو أن بداية حزب (البديل من أجل ألمانيا) كانت بقضايا اقتصادية؛ فقد تأسس الحزب في عام 2013 رد فعل مباشرا لإصرار أنجيلا ميركل على أنه لا بديل إلا إنقاذ اليونان ـ ومن هنا استلهم الحزب اسمه ـ وكان في الأصل حزبا من الصقور الماليين المعارضين لإعادة توزيع الثروات في الاتحاد الأوروبي. وفي ما بعد أزمة اللاجئين سنة 2015، أعاد الحزب تكوين نفسه فبات معاديا للهجرة، معاديا للإسلام، وبعد سنتين دخل البوندشتاج وتصور البعض أنه بات حزبا يركز على القضايا الثقافية. لكن بجانب رهاب الأجانب والنزعة القومية المتعصبة، بقي الصقور الماليون يتخذون من حزب (البديل من أجل ألمانيا) بيتا لهم.
ومن أهم ما يشغلهم الحفاظ على ما يعرف بكوابح الدين، وهي عبارة عن تعديل دستوري يفرض حدودا على اقتراض الحكومة. وكان المستشار ميرز قد تعهد ـ خلال حملته الانتخابية سنة 2025 ـ بالحفاظ على ذلك التعديل وإن حال دون استثمارات مطلوبة بشدة.
لكن بعد أن فاز حزب الديمقراطيين المسيحيين بالانتخابات، توصل ميرز إلى اتفاق مع الديمقراطيين الاشتراكيين وحزب الخضر قبل تشكيل البرلمان الجديد على تعديل الدستور، لإعفاء الإنفاق العسكري من ذلك الكابح. فكانت هذه الخطوة المشكوك فيها ديمقراطيًّا سببا في تنفير الناخبين اليمينيين. وإذ ذاك تقريبا نجح حزب (البديل من أجل ألمانيا) في التفوق على حزب الديمقراطيين المسيحيين في استطلاعات الرأي للمرة الأولى.
لم يبطل المستشار ميرز كابح الدين كلية. وقد كان من شأن هذا أن يجعل الشروع في حل بعض مشكلات ألمانيا ممكنا. وبدلا من ذلك، ومع استمرار خضوع الإنفاق غير العسكري لكوابح الدين، واصل المستشار ميزر تقليص دولة الرفاه وقال للألمان: إن عليهم أن يزدادوا اجتهادا في العمل حتى يستعيد الاقتصاد «قدرته التنافسية».
ولعل هذا النهج ـ أي زيادة الإنفاق العسكري مع تخفيض الإنفاق في مجالات أخرى ـ يروق لمحللي السياسة الخارجية، لكنه على مستوى السياسة المحلية كان كارثيا. لأن جزءا كبيرا من جاذبية حزب (البديل من أجل ألمانيا) يكمن في تركيزه على فقد الوظائف وتراجع الآفاق.
كما كانت إعادة التسلح في ألمانيا وبالا من ناحية أخرى. فمنذ عام 2022، تخلت أحزاب الوسط في ألمانيا إلى حد كبير عن التزامها بفكرة أن تكون ألمانيا قوة من أجل السلام، أو (فريدنماخت Friedensmacht)، وباتت تتكلم الآن أكثر عن التجهيز لحرب شاملة مع روسيا.
من جانبه يقول المستشار ميرز: إنه يريد لألمانيا أن تمتلك «أقوى جيش تقليدي في أوروبا»؛ فأتاح هذا لحزب (البديل من أجل ألمانيا) أن يقدم نفسه بوصفه حزب السلام، بصورة لا تختلف عن تصوير الرئيس ترامب نفسه باعتبار أنه معارض لـ«الحروب الأبدية» التي يشنها الديمقراطيون والجمهوريون الأمريكيون على السواء.
تسببت زيادة الإنفاق العسكري في أن تساءل البعض: إن كانت ألمانيا ستصبح «القوة المهيمنة القادمة في أوروبا»، وهذا محض وهم.
لسبب أول هو أنه ليس من الواضح مطلقا إن كانت خطط الإنفاق الألمانية سوف تتحول إلى قدرات عسكرية واضحة، ناهيكم بإحياء الاقتصاد. ولسبب آخر هو أن ألمانيا تزداد انعزالا داخل الاتحاد الأوروبي وليس أهون أسباب هذا هو دعمها غير المشروط لإسرائيل وعزمها على الحيلولة دون اتخاذ أي إجراء ضدها من قبيل تعليق اتفاقية شراكة الاتحاد الأوروبي معها. ولعل السبب الأهم هو قلة دعم الناخبين الألمان للقوة العسكرية ناهيكم بالحرب.
حينما كان المستشار ميرز في معرض الترشح للمستشارية، وعد بتقليص شعبية حزب (البديل من أجل ألمانيا) وذلك أساسا باتخاذ إجراءات ضد الهجرة منها ما أطلقت عليه اتفاقية ائتلاف الحكم «حملة الترحيل».
ثم أعلن في ليلة الانتخابات أن «أولويته المطلقة هي تقوية أوروبا بأسرع ما يمكن من أجل أن نستطيع، خطوة بعد خطوة، أن نحقق الاستقلال الحقيقي عن الولايات المتحدة الأمريكية» فأثار بذلك حماسا شديدا لدى أنصار الاستقلال الذاتي الأوروبي. وها نحن بعد عام ونصف العام ولم يزل كلا الهدفين أبعد منالا من ذي قبل.
ثمة انتخابان إقليميان آخران يجريان هذا الشهر ومن المرجح أن يؤديا إلى مزيد من التقدم لحزب (البديل من أجل ألمانيا) بما يزيد من عمق الإحساس بأزمة وطنية.
ففي ذعر، يتكهن بعض الديمقراطيين المسيحيين الآن بمستقبل المستشار ميرز. في حين أن ما يحتاج إليه البلد الآن ليس مستشارا مختلفا وإنما نهج كامل الاختلاف. وإلى أن يتحقق هذا، سوف يستمر حزب (البديل من أجل ألمانيا) في التقدم رويدا رويدا من السلطة.
هانز كونداني أستاذ زائر في كلية لندن للاقتصاد
الترجمة عن نيويورك تايمز
