ثمة نظام عالمي جديد لسنا مستعدين له

02 سبتمبر 2026
02 سبتمبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي

لكل عاصفة منتظرة نذر. كأن تسكن الريح فجأة، أو يتجاوز المد نطاقه المعتاد، أو تتلبد الغيوم في السماء.

ووارد أن يساء تفسير تلك النذر أو تهمل بالمرة، إصرارًا على أن قطرات المطر محض رذاذ عابر، إلى أن يفوت الأوان، وعندئذ تقع المتاعب الحقيقية.

وما يصدق على المناخ يصدق كذلك على شئون البشر؛ فأنظمة الحكم تظل بادية القوة إلى أن تفقد قوتها، والثورات المحلية والاضطرابات في النظام الداخلي ـ وغالبا ما تقترن هذه بتلك ـ تسهل رؤيتها بأثر رجعي، لكن ليس من الممكن استشرافها دائما، غير أننا إن أمعنا النظر كثيرا ما نجد أن النذر كانت حاضرة.

ويحلو لمن يعيشون منا في مجتمعات مستقرة ومنظمة نسبيا الظن ـ شأن د. بانجلوس العبثي عند فولتير إذ يخرج من عثرة ليقع في أخرى - بأن «كل شيء على ما يرام».

فقد نتذمَّر بسبب الاقتصاد أو توقع نشوب حرب أخرى في أراض بعيدة أو نستحسن الإنصات لأصوات راديكالية من أيٍّ من طرفي الطيف السياسي الأقصيين، لكننا لا نتوقع أن ينقلب العالم رأسا على عقب.

وخير لنا أن نرهف السمع لتحذير كاتب فرنسي آخر؛ ففي رواية (الطاعون) لألبير كامو الصادرة بعد الحرب العالمية الثانية، حينما تظهر الجرذان ميتة في شوارع مدينة أوران الجزائرية، ويصيب الناس مرض غامض، تتجاهل حكومة المدينة وأغلب المواطنين النذر إلى أن يفوت الأوان.

ويقول الراوي في رواية كامو إن «التاريخ شهد كثيرا من الأوبئة وكثيرا من الحروب، ومع ذلك ظلت الأوبئة والحروب تفاجئ الناس كلما حلت بهم».

واليوم أنّى نظرتم ثمة جرذان ميتة. فقد سجلت درجات الحرارة أرقاما قياسية في هذا الصيف ثم تجاوزنا هذه الأرقام إلى أرقام قياسية أخرى، وضربت موجات الجفاف الأرض، واستعرت حرائق الغابات.

ويقترب الديْن في الاقتصاديات الغربية من ذرى تاريخية. وتسبب تخفيض الدعم الطبي والغذائي، وبخاصة من الولايات المتحدة، في وفيات لم تكن محتومة وانتشارا لأمراض قد يصبح أحدها عاجلا أم آجلا طاعونا جديدا.

ويستمر الذكاء الاصطناعي في صعوده السريع بلا ضوابط مهددا الوظائف والأمن والوجود الإنساني نفسه وفقا لبعض التقديرات الأشد قتامة.

وتتجاهل القوى الرجعية القواعد والأعراف دونما رادع. والناخبون غاضبون ومتقلبون. والدبلوماسية البطيئة، الحصيفة، السرية كما ينبغي لها، والبانية للثقة والتفاهم، تفسح المجال لأسلوب فج استعراضي ملائم للفت أنظار مشاهدي تيكتوك أو لساحات الملاعب.

وقد سجل برنامج أوبسالا لبيانات الصراعات خمسة وستين صراعا بين دول خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم مسجل منذ عام 1946. والقوى العظمى تجد نفسها غارقة في حروب غير متكافئة مع بلاد تستغل التقنيات الجديدة أمثل استغلال؛ فقد كان الظن بحرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تنتهي في بحر أيام لكن ها هي تتقدم في عامها الخامس.

وإيران استطاعت بمسيرات رخيصة كثيفة الإنتاج هاجمت بها قوات الولايات المتحدة وحلفاءها أن تسيطر ـ وقد يكون ذلك إلى الأبد ـ على ممر حيوي للتجارة العالمية، واستنزفت بشكل كبير مخزون الولايات المتحدة الصاروخي وأغرقت الرئيس ترامب في مستنقع حرب اختارها ولم تفرض عليه.

وليس نشوب حرب عالمية بالأمر المحتوم، لكن خطر نشوب صراع كارثي بين قوى كبيرة جيدة التسليح بات أقرب مما كان عليه قبل عقود.

وشأن الناس في أوران كامو، نعزف عزوفا مفهوما عن الاعتراف بالتغير الكبير الذي طرأ على العالم. فالمشكلات شائكة، ومعقدة، ومضجرة، والإعراض عنها أيسر على النفس.

فهكذا نقضي الإجازات على الشطوط بينما الحرائق مضطرمة في الغابات، ونسأل الذكاء الاصطناعي عن طريقة تدريب حيواننا الأليف الجديد، وعن كيفية كتابة رسالة، تاركين له التفكير بالنيابة عنا، راجين أن تنتهي الحروب، وأن يعاد بناء الضوابط والمؤسسات والتحالفات، وأن يدوم العالم كما عرفناه ويصمد.

وها نحن بسرعة مذهلة في واقع جديد؛ فالنظام العالمي الذي صمد أغلب حياتنا بدأ يتآكل حينما ارتاح من فيه واطمأنوا وأفرطوا في قبول السلوك المعيب، بل والرضا عنه.

نحن الآن في عصر فوضى جديد. ولا بد أن نهيئ أنفسنا، وتبدأ التهيئة بالأمانة مع جدية اللحظة التي نمر بها والقبول بأن نظامنا الهش يتداعى، وأن البلاد تتكيف مع ذلك، للأفضل وللأسوأ. وأن أي مستقبل التعاون يجب أن يكون مختلفا.

***

ما الذي يحدث لمن يأبون التكيف، ويصرون على أن النظام المتداعي قابل للاستمرار؟ تأملوا ثلاث ثورات وقعت، وثورة لم تقع.

في عشية الثورة الفرنسية كانت فرنسا ـ وهي القوة البرية العظمى في أوروبا ـ مفلسة على الأرجح، وأكبر أسباب ذلك اقتراضها الضخم من أجل إلحاق الهزيمة بالبريطانيين في الثورة الأمريكية.

ضلت النخبة الفاسدة المترفة طريقها، وأخذت طبقة وسطى ـ مبعدة عن السلطة السياسية ـ في المطالبة بالتغيير، وفي قاع المجتمع، واجه العمال والفلاحون الجوع واستشرى في نفوسهم اليأس.

وذاعت بين الناس أفكار عصر التنوير القوية الجديدة ـ وكان بعضها واردا من الثورة الأمريكية ـ بشأن حقوق الإنسان وأشكال الحكم الجديدة التي تمنح السلطة للبعض من الشعب على أقل تقدير.

أساء ملوك فرنسا وحاشيتهم فهم عمق السخط وظنوا ألا شيء يمكن أن يزعزع مكانتهم المميزة. وأخطأ ظنهم، فأطيح بالملكية، ونشأت جمهورية عنيفة وفوضوية، ليصبح نابليون في غضون عقد من الزمن امبراطورا.

ما من نمط أحادي للتغيير الثوري، لكن من يكونون على قمة نظام حاكم غالبا ما يخفقون في إدراك مدى هشاشته. فقد كانت الثورة الروسية سنة 1917 عاقبة لهزيمة خارجية، لا لانتصار باهظ الثمن. لكن القيصر نيكولاس الثاني أصر، خلافا للأدلة الواضحة، على أنه لا داعي لإجراء إصلاحات لأن الروس لا يزالون يعشقونه.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين جيء بهتلر إلى السلطة على أيدي نخب ظنت خطأ أنه سيكون ألعوبة في أيديها، وأن النظام القائم قوي بما يكفي لاحتوائه.

وكان لكل من هذه الثورات تداعياتها الدولية؛ فنابليون قاد فرنسا إلى السيطرة على القارة، وحطم مؤسسات قديمة وأفكارا من قبيل حق الملوك الإلهي في الحكم. ومضى البلاشفة الذين استولوا على روسيا يدعون إلى الأممية الثورية ويرسخونها، ويخوضون في العالم كله حروبا على الرأسمالية والأمم الديمقراطية. وأعاد هتلر تسليح ألمانيا وغزا أغلب أوروبا وقتل الملايين من اليهود والكثيرين غيرهم باسم الهيمنة الآرية.

غير أن الأمم وقادتها يطلعون في بعض الأحيان على الغيب في الوقت المناسب. ففي عشرينيات القرن التاسع عشر، كانت الحكومة البريطانية تواجه ضغط الطبقة الوسطى حديثة النشأة بفعل الثورة الصناعية والممنوعة من اتخاذ القرار السياسي.

وعلمت النخبة البريطانية ـ وكانت على دراية بالكارثة قريبة العهد في فرنسا ـ أن عليها أن تتكيف من أجل أن تبقى. ونجح قانون الإصلاح العظيم الصادر سنة 1832 في تنفيس الضغط بأن وسّع نطاق حق الاقتراع ليحول دون أزمة أكبر.

يسهل العثور على أوجه شبه بلحظتنا الراهنة؛ فالشعوب غاضبة، والنخب غير المنتخبة ذات الثروات الهائلة والسلطة الضخمة تخضع الحكومات لإرادتها، والقادة يأبون السعي إلى التوافق أو الأخذ بنصيحة.

وحينما سئل الرئيس ترامب في يناير عن الحدود التي تحد سلطته قال «أخلاقي»، ومن قبل ترك لويس الرابع عشر فرنسا شديدة الوهن بعد حروب خاضها كما قال من أجل «المجد» أي مجده هو.

أولئك الذين اختاروا أن يتجاهلوا النذر ويعرضوا عن التاريخ ظنا منهم بتفاهة صلته بالحاضر قد يجدون أنفسهم مندهشين فزعين عندما تقع الأحداث الكريهة لهم على أي حال.

طالما قام النظام العالمي على دعم القوى العظمى وعلى التعاون وعلى استيعاب القوى الصغيرة القادرة. وفي نهاية الحرب الباردة، ومع اختفاء الاتحاد السوفييتي، بدت الولايات المتحدة متأهبة لمواصلة دور ضامن نظام ما بعد 1945، ولكن في ظل الرئيس ترامب لم يعد هذا هو الحال.

وقد يحدث في ظل رئيس آخر أن تستأنف الولايات المتحدة دورها بوصفها الداعم المهيمن القادر للمؤسسات والأعراف الدولية، والحليف الجيد المضمون، والخصم الشرس للطغاة.

فيمضي العالم مرة أخرى سلميا كما كان ـ في نظر البعض على الأقل ـ منذ عام 1945. وسوف تظل القوى الكبرى ـ ومنها الآن الصين والهند ـ في التعايش بعضها مع بعض، ويجدِّد شيء اسمه «المجتمع الدولي» التزامه بالعمل من أجل القضاء على الفقر والظلم والصراع وتغير المناخ.

لكن ماذا لو أننا بالفعل في بواكير فترة طويلة من الفوضى؟ في عالم لن يتسنى لنا فيه أن نفترض أن ما كان يصدق بالأمس سوف يصدق في الغد، أو أن المؤسسات بادية الصلابة سوف تبقى. لعلنا نكف عن الاندهاش مما تأتينا به الأخبار كل يوم. فالكوارث الطبيعية من قبيل فيضانات نيبال والتبت أمر وارد، وليس واضحا من الذي يبعث النجدة. فهل نعرض عن الأمر ونمضي في حياتنا؟ والصراعات ـ ومنها ما قد يورط قوى عظمى ـ تحدث أيضا دونما سلطان واضح عليها. والأحلاف الموثوقة من قبيل الناتو تتعرض للاختبار المرة تلو الأخرى، وقد تتهاوى، وحرب روسيا الهجينية مع أوروبا تتسع، والصين والولايات المتحدة قد يصطدمان بسبب تايوان، والتنافس على الموارد في عالم يزداد حرارة وجفافا يؤجج العنف بالفعل.

هذا عالم تتضاءل فيه قدرتنا على التنبؤ بأي شيء، وقد بتنا فيه، بقدر لم نكن نتوقعه، تحت رحمة أهواء قادتنا الذين باتوا أقل تقيدا بالأطر الخارجية، ويشعرون أن لهم أن يفعلوا ما يشاءون. وعلينا أن نختار صناع القرار بحذر يفوق ما درجنا عليه من قبل، وذلك في وقت يبدو الناخبون فيه أقل عزما على ذلك.

هذه سماء مكفهرة. ولكن نهاية النظام القديم لا تعني بالضرورة نهاية التعاون. فلا يزال لدينا الكثير من عناصر النظام العالمي الفعال، فلدينا شبكة ثرية من المنظمات الدولية، كثير منها خفي إلى حد كبير، وهي تدير الروابط بين الأمم، من الطيران المدني إلى الإنترنت. ومعاهدات محفوظة إلى حد كبير. وقد يكون من الصعب تنفيذ القانون الدولي والدفاع عنه، لكن كثيرين منا لا يزالون يستنكرون انتهاكاته. ولا يزال الرأي العام بمحض وجوده يمثل ضغطا على قادتنا. وكثير من المنظمات في الهياكل المتلاشية، ومنها الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي تزداد نضوبا في الموارد والمعنى لكنها لا تزال قائمة.

وفي خطبة قوبلت بنقاش واسع ألقاها في دافوس في يناير الماضي رئيس الوزراء الكندي مارك كراني قبل شهور من انهيار المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة، وصف كارني نهاية الحقبة الأمريكية بـ«الوهم السعيد». لكن بلادا أخرى قد ترد كما قال إذا ما توحدت في تحالفات مشتركة القيم والأهداف. وتعمل حاليا قوى متوسطة ـ منها كندا وأستراليا واليابان ـ معا من أجل ملء الفراغ الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة من دورها السابق بوصفها القوة العظمى الخيرة.

التغيير صعب، لكن التشبث بالماضي قد يكون وهمًا خطيرًا. في صيف عام 1914، افترض وزير الخارجية البريطاني سير إدوارد جراي وكثير من أصحاب السلطة في بريطانيا وعموم أوروبا أن الأزمة الأخيرة في البلقان قابلة للتسوية شأن أزمات أخرى سبقتها عبر مؤتمر للقوى العظمى. ذلك لأنه لم يفهم بأي سرعة تمضي أوروبا إلى الحرب، وعجز عن استعمال قوة بريطانيا في الجمع بين مختلف الأطراف. فغيَّرت الحرب العالمية الأولى أوروبا والعالم إلى الأبد.

وبحلول عام 1945، كان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وحلفاؤهما قد خاضوا حربين عالميتين في بحر ثلاثة عقود. وحينما أقاموا هيكل النظام العالمي القائم، كانوا شديدي الوضوح بشأن ما يريدون الحيلولة دون وقوعه. لقد أخفقت الأطر السابقة، وكانوا يريدون ابتكار شيء جديد لا يخفق.

مؤكد أن الإفراط في التفاؤل طريق مسدود. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نفعل ما سبق أن فعلناه مرارا، كل ما علينا هو أن نشرع في العمل المضني من أجل إقامة شيء جديد.