للقضاء على الجوع .. استثمروا في المجتمعات الريفية

02 سبتمبر 2026
02 سبتمبر 2026

أصدرت الأمم المتحدة مؤخرا تقريرها حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2026، والذي قدم، ربما على نحو مفاجئ، بعض الأخبار المشجعة.

ففي حين عانى نحو 645 مليون شخص من الجوع في عام 2025 كان هذا العدد أقل بنحو 14 مليونا عن العام السابق. ولأول مرة منذ عقد من الزمن انخفض أيضا عدد الجوعى في أفريقيا.

ولكن على الرغم من هذه التطورات الإيجابية تظل فوارق إقليمية كبرى قائمة. من أبرز ما خلص إليه التقرير أن انعدام الأمن الغذائي لا يزال أكثر انتشارا في المجتمعات الريفية، ويؤثر بشكل غير متناسب على النساء.

لذا، فإن السؤال الرئيسي الذي يواجه الحكومات ومنظمات التنمية هو: كيف يتسنى تحسين الأمن الغذائي في تلك المجتمعات، وتسريع التقدم نحو القضاء على الجوع؟

وتبرز هنا أربع أولويات:

أولا: يتطلب تعزيز الأمن الغذائي في المجتمعات الريفية زيادة الإنتاجية الزراعية في الأراضي الزراعية الحالية بطرق مستدامة، والحد من التأثيرات البيئية إلى أدنى مستوى ممكن.

ولأن النمو السكاني يفرض ضغوطا متزايدة على النظم الزراعية؛ فإن مجرد توسيع الأراضي الزراعية ينطوي على مخاطر تسريع إزالة الغابات وتدهور البيئة.

لذا فإن زيادة إنتاجية الأراضي الزراعية الحالية أمر ضروري لتلبية الطلب المتزايد دون إلحاق مزيد من الضرر بالنظم الإيكولوجية الطبيعية.

تُـعَد التربة الأوفر صحة عاملا حاسما في الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاجية الزراعية.

ولهذا يجب أن تبدأ أي استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي في المجتمعات الريفية بسؤال بسيط لكنه أساسي: هل التربة صحية بالقدر الكافي لدعم الزيادات المستدامة في إنتاج المحاصيل؟

من المؤسف أن دراسات حديثة تشير إلى أن الإنتاجية الزراعية في المناطق المتضررة من الجوع تظل مقيدة بشدة بِفِعل تدهور مساحات شاسعة من التربة على الرغم من محاولات استمرت لعقود من الزمن لتحسين صحة التربة. وانطلاقا من إدراكهم لحقيقة مفادها أن التربة الرديئة تهدد الأمن الغذائي والتغذوي، وسبل العيش في الريف، والاستدامة البيئية، أقر القادة الأفارقة خطة عمل الأسمدة وصحة التربة الأفريقية لعشر سنوات، وإطار مبادرة التربة الأطول أجلا لأفريقيا في عام 2024.

النبأ السار هو أنه بمجرد الإجابة على التساؤلات الأساسية حول صحة التربة وجودتها ــ بالاستعانة باختبارات صحة التربة المتاحة، فضلا عن المؤشرات القائمة على الأسس العلمية والتقييمات ــ يصبح من الممكن اتخاذ تدابير تصحيحية.

الواقع أن المبادئ والممارسات اللازمة لتعزيز صحة التربة، بما في ذلك زراعة محاصيل التغطية، والزراعة البينية، وتناوب المحاصيل، والرعي بالتناوب، واستخدام الأسمدة العضوية والأسمدة الحيوية فضلا عن تقليل حرث التربة إلى الحد الأدنى، وزيادة تغطية التربة إلى أقصى حد، وزيادة التنوع البيولوجي، والحفاظ على الجذور الحية.

ثانيا: يجب أن تكون الجهود الرامية إلى تحسين صحة التربة مصحوبة باستثمارات في المجتمعات الزراعية الريفية. يحتاج منتجو الأغذية إلى الحصول على أصناف محسّنة من البذور، والأسمدة الحيوية، والمياه، والتكنولوجيات الناشئة مثل الزراعة الدقيقة. ومن الممكن أن تعمل هذه الاستثمارات مجتمعة على تعزيز الإنتاجية الزراعية، ودعم الأمن الغذائي.

ثالثا: يشكل تعزيز أنظمة حيازة الأراضي ضرورة أساسية لتحسين الأمن الغذائي في المجتمعات الريفية. لطالما اعتُبر أمن حيازة الأراضي ركيزة أساسية للإنتاج الزراعي، والتنمية، والتحول الريفي؛ فهو يحفز المزارعين على تنفيذ استثمارات طويلة الأجل في استعادة صحة التربة، واعتماد ممارسات أخرى تعزز الإنتاجية.

الواقع أن الصلة بين حقوق ملكية الأراضي المعززة والإنتاجية الزراعية موثقة جيدا.

ويشكل هذا الارتباط أهمية خاصة للنساء اللاتي يسهمن بشكل كبير في الإنتاج الزراعي، لكنهن ما زلن رغم ذلك يعانين من التهميش عندما يتعلق الأمر بملكية الأراضي وأمن حيازتها. ورغم أن التأثيرات المترتبة على تعزيز أمن حيازة الأراضي تتفاوت باختلاف المناطق والسياقات السياسية؛ فإن ضمان حقوق الملكية للنساء من الممكن أن يعزز المساواة بين الجنسين، ويحسن الإنتاجية الزراعية، ويدعم سبل العيش في المناطق الريفية، ويحقق تحسينات دائمة في الأمن الغذائي.

أخيرا: يجب على الحكومات الاستثمار في البنية الأساسية التي تربط المنتجين الريفيين بالأسواق بما في ذلك الكهرباء، ووسائل نقل المنتجات المبردة، والطرق.

ومن الممكن أن يساعد تحسين الوصول إلى الأسواق الحضرية المزارعين على توليد دخل إضافي من خلال تمكينهم من بيع مزيد مما ينتجونه.

من الممكن أن تساعد شبكات النقل المحسّنة أيضا في خفض التكاليف بما يمكّن المزارعين من إعادة استثمار مدخراتهم في التكنولوجيات المتطورة؛ وبالتالي تقليل الخسائر بعد الحصاد مع الاتجاه إلى التنويع في مجموعة أوسع من المحاصيل التي تتطلب مدخلات أعلى.

بفضل التربة الصحية، وإمكانية الوصول إلى المدخلات الزراعية والتكنولوجيات الناشئة مثل الزراعة الدقيقة والذكاء الاصطناعي، وحقوق حيازة الأراضي الراسخة، والبنية الأساسية الـمُـحدّثة؛ يصبح بوسع المزارع الريفية في مختلف أنحاء العالم زيادة الإنتاجية الزراعية بشكل مستدام. ومن شأن زيادة الإنتاجية بدورها أن تحمي سبل العيش، وتساعد المجتمعات الريفية على الانتقال من الجوع إلى الوفرة.

لكن الوقت عامل حاسم. وبرغم أن الانخفاض الأخير في معدلات الجوع العالمي أمر مشجع؛ فإن الحفاظ على هذا التقدم والبناء عليه يتطلب استثمارات كبرى في المجتمعات الريفية حيث انعدام الأمن الغذائي أشد رسوخا في أفريقيا وخارجها.

إستر نغومبي أستاذة مشاركة في علم الحشرات والدراسات الأفريقية الأمريكية بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين

خدمة بروجيكت سنديكيت