«لا نسجن الشعراء لأنهم لم يعودوا يخيفوننا»
(1)
كثير ولا يتوزَّع، طريد ولا يتعوَّذ، غيمة ولا يتقطَّع، وطيد ولا يتبعَّض، راسخ ولا يتشيَّأ، صلب ولا يتأفَّف، طفل ويكبر ولا ينسى، عنيد ولا يعضد أحداً ولا شيئاً غير حتفه النَّاجز.
(2)
الأصدقاء: آخر طلقة (Magnum 500) في مخزن مسدَّس مُزَوَّد بكاتم للصوت، لشديد الأسف، إذ لا بد من السِّتر في مثل هذه الأفعال النَّبيلة.
«إن أفضل ما يمكن أن يفعله أفضل صديق لي هو أن يفجر دماغي بمسدَّس «...» اللهم ساعِد روحي البائسة» (إدغَر ألن بو في همهمات الاحتضار، 7 أكتوبر 1849).
(3)
نوع هذه المآزق الكبرى من ضروب الحقوق التي ينبغي استمرار النضال لأجلها، ولأجل إيجاد المزيد منها أيضاً.
(4)
كلهم طيِّبون، وودودون، وكرماء، ومن ذوي النَّخوة والشَّهامة، ومغدقو الابتسام (لكن بشرط أن يموتوا أولاً؛ وقد -- وقد لا -- أكتب عنهم ثانياً).
(5)
كم هو الفرق هلاكٌ بين الهرمونات والوعَّاظ.
(6)
كل ذكرى ندم، كل ندم ذكرى، كل شيء عذاب.
(7)
اطمئن: في الموت، لا ينتظرك أي أحد غير الذي في زيارتك (الضيوف سيشمتون فيما بعد، في طقس فناجين القهوة العربيَّة الورقية والتَّمرات المغلَّفة بالصَّمت والخِسَّة).
(8)
ليس وسطاً بين الأضداد، بل جميعها وجمعُها: «تربية دمامل وبثور» آرثر رامبو في هذا القرن، والقرن الذي سبقه أيضاً.
(9)
الأبديَّةُ يومٌ، يوم واحد فقط، هو اليوم وليس غداً (وليس الأمر هو «الأبديَّة ويوم» كما الحال عند ثيو أنغيلوبولوس).
(10)
ترى، كيف سيتمكنون من الموت وأنا لم أنادِهم بعد؟
(11)
في منتصف الثمانينيات (صار ينبغي القول: من القرن الماضي) كنت طالباً في بريطانيا. وفي فترة دراسة اللغة في «مركز كيمبريدج للغات» توثَّقت علاقتي بأحد أساتذتي، وذلك لدواعي الاهتمامات الأدبية والفكرية المشتركة خارج الدروس اللغوية التي تُقَدَّم من طرف واحد فقط، وكذلك لغرابة أطواره التي تجعل من «اتهامه» بالخُبال -- وهذا، في الحقيقة، ما كان يُهمس به عنه الطلبة -- شيئاً ليس بعيداً جداً عن الحقيقة.
كان تقديري لأحاديثي معه جزيلاً، لهذا أردت أن أقدم له هدية تذكاريَّة بمناسبة انتهاء دراستي اللغة، والتحاقي بالبرنامج الأكاديمي الذي قُبلتُ فيه بجامعة وورِك في مدينة كوفنتري. في ذلك الوقت كانت هناك أنثولوجيا شعريَّة عربيَّة مترجمة إلى الإنجليزية، وهي الوحيدة من نوعها على ما أتذكَّر، متضمنةً -- إضافة إلى النصوص الشعريَّة -- سيراً مختصرة عن الشعراء الذين حوى مختارات من أشعارهم الكتاب. ويبدو أنه، «بمحض الصُّدفة» (نظراً لعدم قدرتي على العثور على تعبير أفضل) كانت تلك السِّير الموجزة تبوح بأن معظم -- إن لم يكن كل -- الشعراء الذين تقدِّمهم تلك الأنثولوجيا إنما تعرضوا للاضطهاد والقهر السياسيين بصورة أو بأخرى؛ فهذا الشاعر العربي من البلد الفلاني تعرض للسجن لمدة كذا سنة، أما الثاني فقد عاش في المنفى وكتب ومات فيه، وهكذا.
قدَّمت ذلك الكتاب هديَّة إلى أستاذي، ثم غادرت. بعد ذلك بمدة قصيرة وصلتني رسالة شكر طويلة منه، وقد حوت تلك الرسالة فقرات لن أنساها أبداً: أنتم، في بلدانكم العربيَّة، لا تزالون تحترمون الشِّعر والشُّعراء وتخافون منهم؛ ولذلك فإنكم تسجنونهم، وتعذبونهم، وتنفونهم. أما نحن، في هذه البلاد الباردة، فلا نفعل ذلك؛ لأننا لم نعد نخاف من الشِّعر والشُّعراء. ولذلك فإننا لم نعد مضطرين إلى إيذائهم؛ لأن الشِّعر لدينا لم يعد يخيف أحداً. الشِّعر هنا مجرد كلام، وكل الناس يقولون الكثير من الكلام. أما في بلدانكم فإن الشِّعر لا يزال شعراً (وليس مجرد كلام)، ولذلك فإنه ينبغي الخوف منه.
أسوق هذه الذكرى للتأمل فيما نقوله دوماً في هذه الرقعة من العالم بطريقة أخرى: السُّلطات لا تحترم الشُّعراء.سأنطلق من هذه المرارة المؤسفة للقول بمرارة أكبر إن هذا هو الوضع الطبيعي والمنطقي للشَّاعر إن كان مخلصاً لقضية الشِّعر. لا تستطيع السُّلطة أن تتقبل الشَّاعر، وذلك لسبب بسيط هو أنه يسبح ضدَّها وضد كل تيَّاراتها. ولكنها تضطر صاغرة إلى الاعتراف به بعد رحيله حين يتَّضح للجميع (بمن في ذلك السُّلطة نفسها) أنه أكبر منهم (ومنها).
وأظن أننا لو استعرضنا ما ظهر وما بطن من سِير الشُّعراء العرب الذين عاشوا رغد وبحبوحة التكريم والتقدير في حياتهم لوجدنا أن هذا كان مقابل شراء ذممهم وضمائرهم، وتطويع أصواتهم ومصادرة أسمائهم. وفي هذه الحالة فإن السُّلطة أكثر قدرة في مجال «الذَّكاء» من الشَّاعر الذي يعتقد أنه يسبح في مجال الموهبة والنَّص لينال الهبات والعطايا.
تحتاج السُّلطة إلى الشَّاعر لتلميع وجهها وتجديده، وإخفاء جرائمها وشناعاتها، في هذا الطَّور السِّياسي والتاريخي أو ذاك؛ فيهرع «الشَّاعر» وهو محمَّل بكل الكلمات، والفراشي، والاستعارات، والأصباغ في صندوق أدوات تنظيف الوجوه وتلميع الأحذية.
نحن لا نعرف على وجه اليقين عدد الرصاصات التي مزَّقت جسد فدريكو غارسيا لوركا -- على سبيل المثال لا الحصر -- في تلك الليلة الدَّمويَّة من الحرب الأهليَّة الإسبانيَّة، لكننا نعرف جيِّداً أنه رفض أن يحمل صندوق ملمِّع الأحذية والوجوه. واليوم صار لوركا يسكن في الفراشات، والهواء النقي، وقلوب العشاق، وأفئدة الثُّوار، بينما الجنرال فرانكو لم يعد أكثر من مجرد معلومة محنَّطة في طحالب مكتبات الجامعات.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
