الافتتاحية
تواصل المحافظات تقديم نماذج مضيئة في استثمار مقوماتها التاريخية والطبيعية والزراعية عبر مشاريع ومبادرات تتجاوز المحافظة على الموروث إلى إعادة إحيائه وتوظيفه بوصفه رافدًا للتنمية وعنصرًا فاعلًا في تعزيز الهوية الوطنية ودعم الاقتصاد المحلي بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
وفي هذا العدد من ملحق المحافظات نصحب القارئ في رحلة بين عدد من المواقع التي تختزن تاريخ المكان وثراء التجربة الإنسانية العُمانية، حيث تتجلى العلاقة العميقة بين الإنسان وبيئته، وبين الموروث ومتطلبات الحاضر.
ففي بركة الموز بمحافظة الداخلية، يقف مسجد اليعاربة وفلج الخطمين شاهدين على براعة العمارة العُمانية وتكامل منظومة الأفلاج التي شكّلت أساس الاستقرار الزراعي والاجتماعي، وعلى نخلة «بودعن» في جعلان بني بوعلي التي تجسد مكانة النخلة في حياة العُمانيين، بما تحمله من قيم اقتصادية وغذائية وثقافية متوارثة.
فيما يأتي مشروع تأهيل فلج المعلّق (العوقة) ليعيد إحياء أحد الشواهد الهندسية الفريدة المرتبطة بهذا الإرث الحضاري من خلال الترميم وإنشاء الممرات التراثية.
كما يسلط العدد الضوء على سوق الصبيخاء بولاية ضنك، بوصفه ذاكرة اقتصادية واجتماعية امتدت لأكثر من قرن، وفي مشهد آخر، يقدم وادي المعيدن ببركة الموز نموذجًا للطبيعة العُمانية المتفردة، حيث تتناغم الجبال والمياه والنخيل لتشكل وجهة واعدة للسياحة البيئية والمشي الجبلي.
وتكتمل صورة المكان عبر الصفحات المصورة التي ترصد مشاهد من الذاكرة اليومية والجمال العُماني، من سوق أبو ثمانية بولاية الرستاق بما يحمله من حضور اجتماعي وتراثي، إلى شاطئ ينكت في مسقط بما يقدمه من مشهد بحري هادئ، ومن الأبيض بولاية نخل بما تزخر به من تفاصيل الهوية الوطنية، مرورًا بأجواء قفز الحواجز في مزرعة الرحبة ببركاء وعرضة الهجن التي تستحضر أصالة الفروسية والتراث الشعبي.
ويمتد الاهتمام بالذاكرة العمرانية إلى الحارات التاريخية، من خلال مشروع حارة المضيرب بولاية القابل وحارة الرمل بولاية عبري، حيث تتحول هذه الحارات من مبانٍ تحفظ آثار الماضي إلى فضاءات نابضة بالحياة تجمع بين التراث والثقافة والضيافة والاستثمار، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المجتمع المحلي والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع الحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة.
ويستعرض العدد كذلك تجربة قرية زكيت بولاية إزكي، التي تقدم نموذجًا ملهمًا لدور المجتمع المحلي في صناعة التنمية، وتحويل المبادرات التطوعية إلى مشاريع نوعية تعزز جودة الحياة، إلى جانب واحة محضة بمحافظة البريمي التي تستعيد حضورها كوجهة تجمع بين جمال الطبيعة وعمق الموروث الزراعي والتراثي.
وفي سياق استعادة رمزية المواقع التاريخية، يتوقف الملحق عند حصن السيب، الذي يعود للحضور بوصفه ذاكرة وطنية تتجاوز كونه بناءً دفاعيًا إلى كونه شاهدًا على أدوار إدارية وعلمية واجتماعية وسياسية مهمة في تاريخ عُمان.
ويختتم الملحق بمشروع ميدان الداخلية بولاية نزوى أحد المشاريع الحضرية المتكاملة التي تجمع بين الاستثمار والسياحة والترفيه والثقافة وجودة الحياة، ليؤكد أن التنمية في المحافظات العُمانية تقوم على رؤية شاملة تستثمر خصوصية المكان، وتجعل من التراث والطبيعة والمجتمع ركائز أساسية لصناعة مستقبل أكثر استدامة.
