المحافظات

مشروع التجديد الحضري يعيد الحياة إلى قرية المضيرب

01 سبتمبر 2026
01 سبتمبر 2026
نموذج وطني لإحياء الحارات العُمانية التاريخية

حوار - عزماء بنت محمد الحضرمي

تمتلك قرية المضيرب بولاية القابل في محافظة شمال الشرقية إرثًا تاريخيًا وعمرانيًا عريقًا، بما تحتضنه من حارات وأسواق وبيوت تراثية وأبراج وسبلات وأفلاج، شكّلت على مدى عقود طويلة مركزًا نابضًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية، وحافظت على ارتباط الأهالي بالمكان وما يختزنه من ذاكرة وتفاصيل معمارية أصيلة.

وفي حوار مع «عمان»، أكد سالم بن عامر بن سالم الدغيشي، ممثل حارة المضيرب، أن نجاح مشروع التجديد الحضري لا يقاس بأعمال الترميم وحدها، وإنما بقدرته على إعادة الحياة إلى الحارة واستعادة نشاطها التجاري والاجتماعي، مشيرًا إلى أن المضيرب تمتلك مقومات متكاملة تؤهلها لتكون نموذجًا وطنيًا في إحياء الحارات العُمانية التاريخية، ووجهةً تجمع بين أصالة التراث وفرص الاستثمار والتنمية المحلية.

وأوضح الدغيشي أن اختيار حارة المضيرب لتكون نقطة الانطلاق لمشروع التجديد الحضري للحارات القديمة بمحافظة شمال الشرقية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجةً لما تتمتع به من عناصر نجاح متكاملة.

وقال: «إن المضيرب لم تُختر بسبب مبانيها التاريخية فحسب، وإنما لأنها تمتلك منظومة متكاملة من المقومات؛ فهي حارة عريقة تضم سوقًا تاريخيًا وفلجًا لا يزال ينبض بالحياة، إلى جانب مجتمع محلي متعاون يؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة بين الجميع. كما أن وجود مبادرات مجتمعية سبقت إطلاق المشروع، إلى جانب تكاتف الأهالي والجهات الحكومية، وفر بيئةً مناسبةً لتكون المضيرب نموذجًا يمكن البناء عليه وتكراره في قرى عُمانية أخرى».

منظومة تراثية متكاملة

وأشار الدغيشي إلى أن أبرز ما يميز المضيرب هو تكامل مكوناتها التراثية والعمرانية؛ إذ تشكل منظومةً متجانسةً تضم السوق التاريخي، والبيوت الأثرية، والفلج، والأبراج، والسبلات، والمزارع المحيطة بالحارة، وهي عناصر حافظت على هويتها عبر الزمن.

وأضاف أن القيمة الحقيقية للمضيرب لا تقتصر على المباني والمرافق التاريخية، بل تتمثل أيضًا في ارتباط أهلها الوثيق بها، وحرصهم المستمر على إحيائها وصون موروثها، وهو ما يمثل أحد أهم عوامل نجاح مشروع التجديد الحضري واستدامته.

«مسقط الصغرى»

وحول إطلاق اسم «مسقط الصغرى» على المضيرب، أوضح الدغيشي أن هذا الوصف لم يأتِ من فراغ، بل يعكس أوجه التشابه الكبيرة بينها وبين مسقط القديمة، سواء في تخطيطها العمراني أو طبيعة الحياة التي ازدهرت فيها عبر التاريخ.

وقال: «تتشابه المضيرب مع مسقط القديمة في أزقتها الضيقة، وبواباتها، وأسوارها، وتداخل بيوتها، فضلًا عن الحركة التجارية النشطة التي كانت تشهدها، وهو ما دفع أحد السادة البوسعيديين إلى إطلاق اسم «مسقط الصغرى» عليها».

وأضاف أن هذا الوصف لا يقتصر على كونه تسميةً تاريخيةً، بل يحمل دلالةً رمزيةً تعكس مكانة المضيرب، ويضع، في الوقت ذاته، مسؤوليةً كبيرةً على الجميع للمحافظة على هذا الإرث العمراني والثقافي، وإبرازه بالصورة التي تليق بقيمته التاريخية.

الإنسان جوهر الهُوية التراثية

وعن أبرز عناصر الهُوية التي ينبغي الحفاظ عليها في المضيرب، أكد الدغيشي أن هُوية الحارة لا يمكن تجزئتها أو اختزالها في عنصر واحد؛ لأنها منظومة متكاملة تتكون من السوق، والفلج، والبيوت التاريخية، والأسوار، والبوابات، والسبلات، وغيرها من المكونات التي تشكل شخصيتها العمرانية والثقافية.

وأشار إلى أن الإنسان يبقى العنصر الأهم في هذه المنظومة؛ فهو الذي يمنح المكان روحه وحيويته، مبينًا أن المباني، مهما بلغت قيمتها التاريخية، ستفقد جزءًا كبيرًا من معناها إذا انقطعت صلة المجتمع بها أو غابت عنها مظاهر الحياة اليومية، مؤكدًا أن الحفاظ على العلاقة بين الإنسان والمكان هو الضمان الحقيقي لاستمرار هُوية المضيرب.

إعادة الحياة إلى سوق المضيرب

وفيما يتعلق بسبل إعادة إحياء سوق المضيرب واستعادة دوره الاقتصادي والاجتماعي، أوضح الدغيشي أن نجاح هذه المهمة لا يعتمد على ترميم المباني وحده، وإنما على إعادة النشاط والحركة إلى السوق، ليعود فضاءً نابضًا بالحياة كما كان في الماضي.

وقال: «عندما يعود الحرفيون، وأصحاب المنتجات المحلية، والمزارعون، وباعة التمور، وتقام الفعاليات المجتمعية، والهبطات، والأسواق الموسمية، فإن السوق سيستعيد مكانته الطبيعية كمركز اقتصادي واجتماعي يخدم المجتمع».

وأضاف أن العمل في هذا الاتجاه بدأ بالفعل من خلال تنظيم عدد من الفعاليات التي أسهمت في تنشيط الحركة داخل السوق، وأعادت إليه الزوار والمتسوقين، مؤكدًا أن التجربة أثبتت أن توفير الأنشطة والمبادرات المناسبة كفيل بإعادة الحياة إلى المكان واستقطاب الناس إليه من جديد.

تحديات قابلة للتحول إلى فرص

وتطرق الدغيشي إلى أبرز التحديات التي تواجه حارة المضيرب، مشيرًا إلى أن بعضها يرتبط بالجانب العمراني فيما يتعلق بهدم عدد من المباني التراثية، واحتياج أخرى إلى أعمال ترميم عاجلة للحفاظ عليها، إلى جانب استمرار مرور المركبات داخل الحارة، وما يسببه ذلك من تأثير على طابعها التاريخي وسلامة مرتاديها.

وأضاف أن من بين التحديات أيضًا محدودية المساحات المخصصة لإقامة الأنشطة والفعاليات المجتمعية، وافتقار الحارة إلى مرافق الترفيه ووسائل الجذب، مثل مسارات المشي الصحي، فضلًا عن انتقال عدد من السكان إلى الأحياء السكنية الحديثة، وهو ما انعكس على مستوى النشاط اليومي داخل الحارة.

وأكد الدغيشي أن هذه التحديات لا تمثل عائقًا أمام المشروع، بل يمكن تحويلها إلى فرص حقيقية للتنمية إذا ما اقترنت برؤية واضحة، وتخطيط متقن، وتنفيذ مرحلي يحقق التوازن بين المحافظة على الموروث العمراني ومتطلبات التنمية الحديثة.

خدمات عصرية بروح المكان

وحول آلية المواءمة بين إدخال الخدمات الحديثة والحفاظ على الطابع التاريخي للمضيرب، أوضح الدغيشي أن الهدف ليس تحويل الحارة إلى متحف جامد يخلو من مظاهر الحياة، ولا إلى مدينة حديثة تفقد هويتها، وإنما تطويرها بما يضمن استمرارها كمكان حي يحتفظ بأصالته ويواكب احتياجات العصر.

وقال: «نحن لا نريد تحويل المضيرب إلى متحف، ولا إلى مدينة حديثة، وإنما نريد تطوير الخدمات بطريقة تحافظ على هويتها. ويمكن إدخال الإنارة والخدمات والمرافق الحديثة بأساليب تراعي الطابع المعماري الأصيل، وهذا هو النهج الذي تقوم عليه مشروعات التجديد الحضري».

المجتمع شريك في صناعة النجاح

وأكد الدغيشي أن المجتمع المحلي يمثل الركيزة الأساسية لنجاح مشروع التجديد الحضري، مبينًا أن أي مشروع تنموي لا يمكن أن يحقق أهدافه ما لم يكن الأهالي شركاء حقيقيين في مختلف مراحله، بدءًا من التخطيط، مرورًا بالتنفيذ والتشغيل والتسويق، وصولًا إلى المحافظة على المشروع واستدامته بعد اكتماله.

وأشار إلى أن أهالي المضيرب قدموا خلال الفترة الماضية نموذجًا مشرفًا في العمل التطوعي والتكاتف المجتمعي، وهو ما أسهم في دعم المشروع وتعزيز فرص نجاحه، مؤكدًا أن هذا التفاعل المجتمعي يعد أحد أبرز مقومات استدامة المشروع وتحقيق أهدافه.

فرص اقتصادية واعدة

وأوضح الدغيشي أن مشروع التجديد الحضري لا يقتصر أثره على المحافظة على التراث العمراني، بل يمتد ليشكل رافدًا مهمًا للتنمية الاقتصادية المحلية من خلال إيجاد فرص استثمارية متنوعة تستفيد منها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والحرفيون، والمرشدون السياحيون، والأسر المنتجة، إلى جانب أصحاب المقاهي والنزل التراثية.

وأضاف أن المشروع سيسهم كذلك في توفير فرص عمل للشباب، وتنشيط الحركة التجارية والسياحية داخل ولاية القابل، بما يعزز من مكانة المضيرب كوجهة تراثية وثقافية واقتصادية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة مع الحفاظ على هويتها التاريخية.

محطة رئيسة

وحول إمكانية ربط المضيرب بمسار سياحي أشمل، أوضح الدغيشي أن موقعها الجغرافي يمنحها ميزةً استراتيجيةً تؤهلها لتكون إحدى المحطات الرئيسة في مسار سياحي متكامل يربط بين أبرز المقومات الطبيعية والتراثية في محافظة شمال الشرقية.

وقال إن هذا المسار يمكن أن يبدأ من ولاية القابل، مرورًا بحارة المضيرب، ثم يمتد إلى رمال الشرقية ووادي بني خالد، مع إبراز المزارع والأفلاج والحرف التقليدية التي تزخر بها المنطقة، بما يتيح للزائر تجربةً متكاملةً تعكس ثراء البيئة العُمانية وتنوعها الطبيعي والثقافي والتراثي.

البيوت التراثية

وفيما يتعلق بإمكانية تحويل بعض البيوت القديمة إلى مشروعات سياحية، أكد الدغيشي أن هذا التوجه يمثل أحد أهم مرتكزات نجاح مشروع التجديد الحضري؛ لما يوفره من فرص للحفاظ على المباني التاريخية وإعادة توظيفها بصورة مستدامة.

وقال: «يمكن تحويل عدد من البيوت التراثية إلى نزل سياحية، ومتاحف صغيرة، ومقاهٍ تراثية، ومراكز للحرف والصناعات التقليدية، مع المحافظة على قيمتها التاريخية والمعمارية، لتتحول إلى مرافق نابضة بالحياة تستقبل الزوار على مدار العام، وتدعم الحركة الاقتصادية في الحارة».

نجاح المشروع يقاس

بالحياة لا بالترميم

وشدد الدغيشي على أن نجاح مشروع التجديد الحضري لا ينبغي أن يقاس بحجم أعمال الترميم أو جودة التنفيذ الإنشائي فحسب، بل بقدرته على إعادة الحياة إلى الحارة واستدامة نشاطها الاقتصادي والاجتماعي.

وأوضح أن الضمان الحقيقي لنجاح المشروع يتمثل في استمرار الأسواق والفعاليات والأنشطة الاستثمارية، وعودة السكان والزوار إلى الحارة، مؤكدًا أن الاقتصار على ترميم المباني دون إعادة توظيفها وإحياء وظائفها لن يحقق الأهداف المنشودة مهما بلغت جودة أعمال الترميم. وأضاف أن مؤشرات النجاح الحقيقية تتمثل في زيادة أعداد الزوار، وانتعاش الحركة التجارية، ونمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسن دخل الأهالي، وعودة النشاط إلى سوق المضيرب، وارتفاع الاستثمار في المباني التراثية، إلى جانب استمرارية الفعاليات والبرامج الثقافية والسياحية على مدار العام.

رؤية لمستقبل تنبض

فيه المضيرب بالحياة

واختتم سالم بن عامر الدغيشي حديثه بالتأكيد على أن تطلعات أهالي المضيرب تتجاوز الحفاظ على المباني التاريخية، لتتمثل في إعادة الحياة إلى القرية بكل تفاصيلها؛ بحيث تبقى نموذجًا حيًا يجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر.

وقال: «أتمنى أن يراها الزائر قريةً عُمانيةً نابضةً بالحياة، يعيش فيها الماضي والحاضر معًا؛ يسمع صوت السوق، ويرى الحرفيين يمارسون أعمالهم، ويجلس في سبلة عامرة بأهلها، ويتذوق القهوة العُمانية في بيت تراثي، ويسير بمحاذاة الفلج بين ظلال النخيل، ليشعر بأن التاريخ ما زال حيًا بين أهله. هذا هو النجاح الحقيقي الذي نطمح إليه، وأن تصبح المضيرب نموذجًا وطنيًا رائدًا في إحياء الحارات العُمانية وصون هُويتها الحضارية للأجيال القادمة».