No Image
المحافظات

المراكز الثقافية.. منصات لصناعة الوعي وتنمية المواهب

06 أكتوبر 2026
06 أكتوبر 2026

تشكل المراكز الثقافية أحد أبرز المحركات التي تنشط الحراك الثقافي والمجتمعي في سلطنة عُمان لما توفره من بيئات تعليمية وتفاعلية تسهم في استثمار أوقات المستهدفين من الطلبة والمهتمين، وتنمية مهارات النشء والشباب، وتعزيز ارتباطهم بهويتهم الوطنية وقيمهم الأصيلة.

وتكتسب هذه البرامج أهمية لدى طلبة المدارس؛ إذ تمثل فرصة لتنويع اهتماماتهم بين الجوانب الدينية والعلمية والثقافية والرياضية، من خلال باقة واسعة من المناشط والفعاليات التي تتيح لهم التعلم والإبداع والتفاعل، وتسهم في اكتشاف مواهبهم وصقل قدراتهم في أجواء تجمع الفائدة والمتعة.

وتحرص المراكز الثقافية والبرامج المتاحة على تقديم أنشطة متنوعة تلبي اهتمامات مختلف الفئات العمرية، بما يشمل الورش التدريبية، والبرامج القرائية، والمسابقات الثقافية، والأنشطة الفنية والرياضية، والفعاليات المجتمعية، الأمر الذي يجعلها منصات فاعلة لتنمية المهارات، وترسيخ قيم العمل الجماعي، وتعزيز روح المبادرة والانتماء.

ويشهد المجتمع العُماني تكاملًا في الجهود بين مختلف المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لإنجاح هذه البرامج، حيث تسهم وزارات التنمية الاجتماعية، والتعليم، والثقافة والرياضة والشباب، إلى جانب الجهات الأهلية والتطوعية، في إعداد وتنفيذ برامج نوعية تثري المشهد الثقافي، وتعزز المشاركة المجتمعية، وتدعم الاستثمار في الطاقات الوطنية.

ولا يقتصر أثر هذه البرامج على شغل أوقات الفراغ، بل يمتد إلى بناء شخصية متوازنة تمتلك الوعي والمعرفة والمهارات، وقادرة على الإسهام الإيجابي في المجتمع، بما ينسجم مع مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية «عُمان 2040»، التي تضع الإنسان في صميم أولوياتها، وتعزز الاستثمار في قدراته باعتباره الركيزة الأساسية لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

ويؤكد أولياء الأمور أنهم يمثلون الشريك الرئيس في تشجيع الأبناء على الالتحاق بالمراكز الصيفية والثقافية، انطلاقًا من حرصهم على استثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع؛ إذ يلمسون بصورة مباشرة الأثر الإيجابي لهذه البرامج في تنمية مهارات أبنائهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وصقل شخصياتهم.

وفي هذا السياق، يقول كنان بن سالم المسكري: «أحرص دائمًا على إشراك أبنائي في مختلف الفعاليات التي تنظمها المراكز الثقافية؛ لأنهما يكملان بعضهما بعضًا، ويقدمان بيئة متكاملة لبناء شخصية الأبناء. وأرى أن مشاركة الأبناء في هذه البرامج تمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبلهم، لما تسهم به من صقل مواهبهم، وتنمية قدراتهم، وتعزيز قيم الثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، واستثمار الوقت، وهي صفات تؤهلهم ليكونوا عناصر فاعلة وقادة في المجتمع مستقبلًا».

ويضيف: «لا يقتصر حرصي على إشراك أبنائي في هذه الأنشطة خلال أوقات فراغهم فحسب، بل أحرص كذلك على مشاركتهم في البرامج التي تنظمها المراكز الثقافية على مدار العام، مع المحافظة على توازنها مع التزاماتهم الدراسية. وأتقدم بالشكر إلى جميع القائمين على هذه المبادرات التي تمنح المستفيد قيمة حقيقية، وتحولها إلى فرصة تجمع بين التعلم والمتعة والفائدة، وتسهم في إعداد جيل يترك أثرًا إيجابيًا في مجتمعه».

من جانبها، تؤكد موزة بنت سعيد العذالي، ولية أمر، أن تنوع البرامج والأنشطة التي تقدمها المراكز الثقافية يعد من أبرز عوامل نجاحها، قائلة: «تحرص أسرتنا في كل عام على إلحاق الأبناء بالمراكز الثقافية، إلى جانب مشاركتهم في الأنشطة التي ينظمها المركز الثقافي بالولاية، لما توفره من برامج متنوعة ومتجددة تلبي اهتماماتهم وتنمي مهاراتهم».

وأضافت: «من الجوانب الإيجابية أيضًا اختلاف مدة البرامج من مركز إلى آخر، وهو ما يتيح للأبناء خوض تجارب متعددة دون شعور بالملل، ويكسر الروتين، ويجدد لديهم روح النشاط والحيوية. ونحن على يقين بأن ما يكتسبونه من معارف وقيم ومهارات في هذه البرامج سيترك أثرًا إيجابيًا في شخصياتهم، ويؤهلهم ليكونوا أفرادًا فاعلين في المجتمع، يسهمون في بنائه وتعزيز تماسكه».

وأما عن القائمين على هذه المراكز ومقدمي البرامج فتقول مريم بنت سعود الدرعي مقدمة ورش تربوية: « دائماً ما نحرص على تقديم ما هو مفيد ونافع للنشء لذا نستغل المراكز الثقافية لإيصال وتحقيق الأهداف التي تناسب مستوى الطلاب والطالبات ، ويتمثل ذلك من خلال متابعة الطلبة في حفظ وإتقان القران الكريم واللغة الإنجليزية والاهتمام بمختلف المواهب وصقلها وشخصياً أضفت إلى فعاليات البرامج خطة بديلة للصعوبات التي تواجه الطلبة في اللغة العربية وتنمية المهارات المختلفة من قراءة وكتابة وإملاء ،وما أسعدني هو الإقبال الكبير من أولياء الأمور وحرصهم على ضم أبنائهم إلى هذه البرامج والاهتمام البالغ بهم في المجال التربوي ، جدير بالذكر أن هذه الأنشطة والبرامج لا يقتصر تنظيمها في فترة الإجازة الصيفية فحسب، بل هي مستمرة طوال العام بما لا يضر بوقت ودراسة الطلاب بكل تأكيد».

من جانب آخر، تؤكد المدربة إلهام بنت سيف الحبسي أن المراكز الثقافية تؤدي دورًا محوريًا في تنمية قدرات النشء والشباب، مشيرة إلى تجربة المركز الثقافي بولاية إبراء في تقديم برامج نوعية تستهدف بناء الشخصية وتنمية المهارات.

وتقول: «يشرف المركز الثقافي بإبراء على مختلف البرامج التي نقدمها، حيث نحرص على تصميم وتنفيذ دورات وورش تدريبية تلبي احتياجات الأطفال واليافعين، وتجمع بين التعليم والترفيه في آن واحد. ومن أبرز هذه البرامج «حياة متجددة» الذي يركز على تعزيز حب الذات وغرس السلوكيات الإيجابية لدى الأطفال، وبرنامج «تأسيس الفتاة الواعية» الذي يهتم بتنمية المهارات السلوكية والحوارية، إضافة إلى برنامج «قوة الحضور للطفل القيادي»، إلى جانب العديد من البرامج الأخرى التي نُفذت خلال الفترة الماضية، وجميعها تنطلق من هدف واحد يتمثل في بناء شخصية متوازنة قادرة على الإسهام الإيجابي في المجتمع».

ومن جانبه، يوضح سعيد بن مسلم المحيجري أن البرامج الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم تمثل ركيزة أساسية في بناء جيل معتز بقيمه الدينية والوطنية، قائلاً: «تهدف هذه البرامج إلى تنشئة جيل واعٍ متمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وقادر على استثمار وقته فيما ينفعه. كما تسهم في صقل مواهب الطلبة، وترسيخ القيم الوطنية والدينية، وتوجيه طاقاتهم نحو الخير والعمل الصالح، من خلال بيئة تعليمية وتربوية تعزز الاعتماد على النفس، وتنمي مهارات القيادة والعمل الجماعي والتفكير النقدي عبر مواقف وتجارب عملية».

وأضاف: «تركز البرامج على تعليم تلاوة القرآن الكريم وحفظه، والتدريب على الخطابة والإلقاء، وتعزيز مهارات اللغة العربية وعلوم القرآن، إلى جانب الأنشطة الرياضية والمسابقات الثقافية التي تحظى بإقبال واسع من المشاركين، لما توفره من أجواء تنافسية محفزة. كما تمتد هذه البرامج إلى المجتمع المحلي عبر تنظيم الندوات والمحاضرات التوعوية والخطب في المساجد، بما يعزز الوعي المجتمعي ويحقق الاستفادة لأوسع شريحة ممكنة».

وأكد المحيجري أن نجاح البرامج يرتبط بفاعلية الشراكة المجتمعية، مبينًا أن مشاركة المؤسسات والأفراد تسهم في رفع جودة البرامج من خلال تنويع مصادر التعلم، والاستعانة بالخبرات المتخصصة، وتقديم مبادرات نوعية تستجيب لاحتياجات النشء، وتدعم تطوير المراكز الثقافية، وتعزز ثقافة العمل التطوعي وخدمة المجتمع.

ويؤكد عبدالله بن هلال الإسماعيلي رئيس اللجنة الثقافية بأحد المراكز بولاية إبراء، أن للمراكز الثقافية دورًا محوريًا في بناء شخصية النشء، موضحًا أن أهدافها تتجاوز شغل أوقات الفراغ لتشمل غرس القيم الإسلامية والأخلاق الفاضلة، واستثمار طاقات الشباب، وتنمية مواهبهم وإبداعاتهم في مختلف المجالات العلمية والثقافية، إلى جانب توفير بيئة تربوية تجمع بين التعلم والمتعة.

ويضيف: «تتحقق هذه الأهداف من خلال برامج وأنشطة متنوعة تسهم في بناء شخصية متوازنة، إذ تعزز ثقة الطلبة بأنفسهم عبر المشاركة في المسابقات والفعاليات، وتنمي مهارات التواصل والحوار، واحترام الرأي والرأي الآخر، كما تغرس فيهم قيم الانضباط والالتزام بالمواعيد، وروح التعاون والعمل الجماعي، إلى جانب تنمية المهارات القيادية وتحمل المسؤولية من خلال إسناد عدد من المهام إليهم. وتظل القيم الدينية في مقدمة ما نحرص على ترسيخه، من خلال العناية بحفظ القرآن الكريم، والاقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بحفظ الأحاديث النبوية والعمل بها، إضافة إلى حفظ بعض المتون العلمية والتربوية».

ومن جانبهم، يرى الطلبة أن المراكز الثقافية أسهمت في جعل أوقات الفراغ أكثر فائدة ومتعة، من خلال ما توفره من برامج تثري معارفهم وتنمي مهاراتهم.

وتقول مناس بنت هاني السوطي طالبة بالصف السادس: «أتاحت لنا المراكز الصيفية فرصة لاستثمار الإجازة بطريقة ممتعة ومفيدة، من خلال الورش والأنشطة التي ساعدتني على تنمية مهاراتي والتعرف على صديقات جديدات. كما يؤدي المركز الثقافي دورًا مهمًا على مدار العام في تعزيز حب القراءة والاطلاع، وتنظيم فعاليات ومسابقات توسع مداركنا وتثري معارفنا، لذلك أحرص على المشاركة في برامجه كلما سنحت لي الفرصة».

أما الطالب تركي بن أسعد الجابري المقيد بالصف الثامن، فيشير إلى أن تنوع البرامج يمثل أحد أبرز عوامل نجاح المراكز، قائلاً: «استمتعت بالأنشطة المتنوعة التي قدمتها المراكز، واستفدت كثيرًا من الورش والفعاليات التي شجعتنا على الإبداع والابتكار. كما تقدم المراكز الثقافية برامج متميزة في الأدب والفنون والتقنية وتطوير الذات، وأتطلع إلى التوسع في تنظيم ورش متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى، والابتكار، بما يواكب متطلبات العصر واهتمامات الشباب».

وأكدت الطالبة شهلاء بنت سالم المقيمي المقيدة بالصف الحادي عشر، أن المراكز الثقافية تؤدي دورًا مهمًا في بناء شخصية الطلبة، مشيرة إلى أن المشاركة في برامجها وأنشطتها تعزز الثقة بالنفس، وتنمي روح العمل الجماعي، وتكسب المشاركين العديد من المهارات الحياتية.

وأضافت: «توفر المراكز الثقافية مساحة رحبة لاكتشاف المواهب والإبداعات من خلال الفعاليات والمسابقات الثقافية المتنوعة، فيما تمثل المراكز الصيفية امتدادًا وتكاملًا لهذا الدور، إذ تسهم في استثمار أوقات الفراغ بصورة إيجابية، وتنمية مهارات الطلبة في بيئة تعليمية وتربوية محفزة، تجمع بين التعلم والإبداع».

ختامًا، لم تعد البرامج والمراكز الثقافية مجرد وسائل لشغل أوقات الفراغ خلال الإجازات، بل أصبحت منصات تربوية وتعليمية متكاملة تسهم في تنمية المهارات، واكتشاف المواهب، وتعزيز قيم التعاون والانتماء والمسؤولية لدى النشء والشباب. كما تمثل هذه البرامج بيئات جاذبة تلبي اهتمامات مختلف الفئات العمرية، وتوفر لهم فرصًا للتعلم والإبداع والتفاعل المجتمعي.

ويعكس تكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني وأولياء الأمور والقائمين على هذه البرامج إيمانًا مشتركًا بأهمية الاستثمار في الإنسان، وإعداد جيل يمتلك الوعي والمعرفة والمهارات اللازمة للمشاركة الفاعلة في تنمية المجتمع. ويأتي ذلك انسجامًا مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» التي تضع بناء الإنسان وتمكين الشباب في صدارة أولوياتها، باعتبارهم الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وصناعة مستقبل الوطن.