تنمُّر ترامب يرتَدُّ عليه وبالا

26 أغسطس 2026
26 أغسطس 2026
ترجمة: قاسم مكي

بصرف النظر عما يمكن أن تقول عن الرئيس دونالد ترامب إلا إنه بائع بارع. وكما سبق أن أوضح لي نيوت جينجريتش الرئيس السابق لمجلس النواب، صاغ ترامب، قطبُ العقارات السابق، شعارَ حملته الانتخابية ببراعة. 

فهو لا يقول: «ترامب للرئاسة»، ولكن «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». وعلى الرغم من نرجسيته، إلا أنه ظل مركِّزا على أمريكا، وليس على طموحه الشخصي، لكن لَمْستَهُ التسويقية الحاذقة والمعهودة هجرته في فترته الرئاسية الثانية.

في «استطلاعِ استطلاعاتِ» شبكة سي إن إن كانت لدى 36% ممن استُطلعت آراؤهم نظرة إيجابية تجاه أدائه. أما نسبة عدم الرضى عنه فقد بلغت 63%، وهذا أقل كثيرا من المتوسط التاريخي للرؤساء الأمريكيين، بل هو أكثر افتقارا للشعبية في الخارج. وعدم الرضى العالمي عنه كرئيس انتقل إلى عدم رضى عن البلد الذي يقوده.

فقد وجد استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث في وقت مبكر من هذا الصيف وغطى 36 بلدا أن 76% من أصحاب الردود لا يثقون بترامب و57% غير راضين عن الولايات المتحدة. وفي معظم هذه البلدان كان لدى الناس انطباع أكثر إيجابية عن الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

هنالك عدة أسباب تفسر انحسار تأييد ترامب؛ فهو اتَّبع سياسات غير ضرورية وغير ناجحة تراوحت من الحروب التجارية إلى شن حرب فعلية ضد إيران، وفاقمت سخط الناخبين بشأن تدبير تكاليف المعيشة.

ما يزيد الأمر سوءا أن ترامب لا يُبدِي أية محاولة تقريبا لكسب مؤيدين محليين أو أجانب لوجهات نظره. وبدلا من الملاطفة أو الإقناع يحاول إجبار الآخرين على عمل ما يريده أو إلزامهم بذلك.

في وقت مبكر من هذا العام رفض استبعاد أي عمل عسكري لضم جزيرة جرينلاند. وكان ذلك تهديدا أخذته البلدان الأوروبية على محمل الجد إلى حد إرسال قواتها للدفاع عن السيادة الدنماركية على الجزيرة.

في الشهر الماضي هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على كندا لمعاقبتها على الحرائق الغابية التي كانت تطلق دخانا دفعه الهواء إلى داخل الولايات المتحدة. وبعد يوم لاحقا فرضت إدارة ترامب رسوما جمركية بنسبة 50% على العديد من السلع الكندية، وزعمت أنها لا علاقة لها بالحرائق.

كما أعلن ترامب فجأة أنه يقلص التمارين العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية مشيرا ليس فقط إلى علاقته التي يفترض أنها «جيدة جدا» مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ولكن أيضا عدم رغبة كوريا الجنوبية في الانضمام إلى حربه ضد إيران. وسبق أن هدد بسحب القوات الأمريكية من إسبانيا وإيطاليا إذا لم تفعلا المزيد للمساعدة في الحرب ضد إيران.

المفارقة هي أن كوريا الجنوبية لديها الآن رئيس (لي جاي ميونغ) يشاطر ترامب آماله التي ستخيب في الغالب بتجديد المساعي الدبلوماسية مع كوريا الشمالية؛ بحيث لم يكن من الصعب على ترامب إيجاد موقف مشترك مع العاصمة سول، لكنه لم يشغل باله بذلك.

بتصرفه الأحادي والإيحاء بأنه يفعل ذلك جزئيا لمعاقبة كوريا الجنوبية أثار خلافا مع حليف وثيق آخر.

سلوك ترامب في الخارج ينعكس في الداخل؛ فهو لم يبذل أي جهد إطلاقا لكسب التأييد من خارج قاعدة ماغا. وبدلا عن محاولة كسب المتشككين والمنتقدين جعلهم هدفا لانتقامه سواء بخفض تمويل جامعات الووك (التي تتبنى سياسات التنوع والمساواة والشمول)، أو رفع دعاوى ضد الخصوم السياسيين، وإرسال موظفي الهجرة وقوات الحرس الوطني إلى الولايات المؤيدة للديموقراطيين.

ارتدت عليه استراتيجيته وباء بالخسران؛ فالقضاة أبطلوا العديد من أوامره التنفيذية، ورفضوا العديد من دعاويه التي تخفي وراءها أهدافا سياسية.

ولم يرتعب خصوم ترامب، بل تحركوا ضده؛ فعضو مجلس الشيوخ مارك كيلي حوَّل مساعي فاشلة من البنتاجون لمعاقبته على دعوته الجنود لعصيان الأوامر غير القانونية إلى مادة ثابتة في خطابه الانتخابي.

كما تفشل تكتيكات القسر والإكراه التي يمارسها ترامب في الخارج فشلا ذريعا. فعجزه عن هزيمة إيران بعد ما يقارب ستة أشهر عزز من المقاومة التي يبديها نظامها المتشدد؛ فهو لا يزال محتفظا بمضيق هرمز رهينة، ويرفض مناقشة برنامجه النووي. ولا يساعد حلفاء الولايات المتحدة في إعادة فتح المضيق على الرغم من مطالب ترامب.

في الأثناء تتصدى البلدان بما في ذلك كندا والصين لرسوم ترامب الجمركية المجحفة مما قاده إلى التراجع في مناسبات عديدة.

حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -وهو أحد أصدقائه الأجانب القليلين- تحدَّى ضغوط البيت الأبيض بالانسحاب من غزة، وردع العنف الإسرائيلي المتطرف في الضفة الغربية، ووقف قصف المنشآت العسكرية السورية.

لقد تآكلت بقدر مثير قدرة ترامب على التخويف؛ لأن العالم بأكمله شهد كيف أن العديد من تهديداته جوفاء. فهو يطلق تهديدات صارخة، لكنه كثيرا ما يتراجع بحيث أصبحت مفردة «تاكو» اختصارا شائعا بين الناس. (تاكو كلمة مكونة من الأحرف الأولى لعبارة إنجليزية تعني ترامب دائما ينكص على عقبيه- المترجم.)

هاهنا اقتراح جذري، ولكنه غير واقعي دون شك لفترة السنتين ونصف السنة المتبقية من رئاسة ترامب؛ فبدلا من محاولة إخضاع العالم كله بالقوة ربما يجب عليه محاولة الإقناع.

البداية الجيدة لذلك ستكون إلقاءه خطابات جادة لشرح وتبرير سياساته كما فعل الرؤساء السابقون بدلا من الاعتماد على المنشورات المتبجحة على وسائل التواصل الاجتماعي (والتي كثيرا ما تصاغ لإثارة السخط والغضب) لتوصيل رسالته.

العديد من أهداف ترامب من إنهاء البرنامج النووي الإيراني إلى دفع الحلفاء للمساهمة بالمزيد في الدفاع المشترك معقولة في الواقع، لكن تكتيكات تنمُّره ارتدت عليه؛ فأين هي مهاراته التسويقية التي يكثر الحديث عنها في وقت تشتد الحاجة إليها؟