ترجمة: أحمد شافعي
بعد فترة قصيرة من بدء روسيا حربها الشاملة على أوكرانيا في عام 2022، كتبت مقالا بعنوان «هكذا تبدأ الحرب العالمية الثالثة». وبعد أكثر من أربع سنوات أتساءل إلى أي مدى كنت مصيبا.
كانت حجتي قائمة على أصول الحرب العالمية الثانية، التي لم تكن بدايتها ببساطة هي غزو ألمانيا لبولندا في الأول من سبتمبر سنة 1939، بل لقد كانت الحرب تراكما لحروب وأزمات إقليمية، بدءا بغزو اليابان لمنشوريا سنة 1931، تجمعت شيئا فشيئا في صراع عالمي واحد.
وقد أدى هذا التجمع -الذي دفعته مطامح دول شمولية وانقسامات وتذبذبات طرأت على الدول الديمقراطية وبينها- إلى كارثة. يضاف إلى هذا ثورة في التكنولوجيا والتكتيكات العسكرية منحت الدول الدكتاتورية ميزة مبكرة في القتال الهجومي.
وكان من المزايا أيضا استعداد هذه الدول لأن تمارس وتستمر في ممارسة مستوى من الوحشية والمعاناة لم تكن خصومها في أول الأمر مستعدة لمثله.
وفي عام 2022 رأيت نمطا مماثلا يتكشف: فقد منحت عقود تودد الغرب إلى فلاديمير بوتين الروسي إحساسا بأنه يمكن أن ينجو بأي شيء يفعله تقريبا. كما منحته علاقته المتنامية بكوريا الشمالية وإيران وبالصين بصفة خاصة -وقد تجسدت في إعلان وعد الشراكة «بلا حدود» مع بكين قبل أسابيع من الغزو- مزيدا من الثقة.
كما أدى إلى الأمر نفسه مشهد الضعف الأمريكي خلال الانسحاب الفوضوي من أفغانستان قبل ستة أشهر من ذلك.
ثم تبين أن أوكرانيا لم تكن فرنسا سنة 1940 مثلما كنت أخشى. بل كانت أقرب إلى بريطانيا، المستعدة للقتال -بحسب ما قال تشيرشل في مايو- «مهما طال الطريق وصعب». ويحسب لإدارة بايدن -برغم كل ترددها القاتل حيال السماح لكييف بنقل الحرب إلى روسيا- أنها ساعدت على الأقل في ضمان ألا تخسر أوكرانيا.
كما توافر لأوكرانيا أيضا التفوق التكنولوجي، بالريادة في معدات وتكتيكات دفعت في نهاية المطاف إلى التفكير الذي كان واجبا منذ أمد بعيد في ما ستكون عليه طريقة خوض الحروب في المستقبل.
وما سبق هو الجزء الممتلئ من الكوب. أما الجزء الخاوي منه فأكبر حجما بكثير.
أولا، كما في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، تعددت مجالات الصراع، وها هي تندمج. لا يبدو أن انتكاسات روسيا الميدانية قللت شهية بوتين إلى المخاطرة بالتوسع في حملته عبر هجمات وتهديدات غير خفية تستهدف مولدوفا وبولندا وألمانيا وبلادا أخرى بينما يكرر حلفاؤه السياسيون دعواهم إلى ضربات مباشرة لأوروبا واستعمال الأسلحة النووية ضد أوكرانيا.
وأصبح هجوم حماس على إسرائيل في عام 2023 ـ في مراحل مختلفة - حربا بين إسرائيل وحزب الله والحوثيين وإيران، ثم حربا بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. وأقرب عهدا بنا من ذلك أن أوكرانيا وجهت ضربات بعيدة المدى في بحر قزوين لعرقلة إمدادات عسكرية إيرانية لروسيا.
وأخذت قرارات مسرح من هذه المسارح تؤثر مباشرة على مسرح آخر: فاستعمال الصواريخ الاعتراضية في الشرق الأوسط يعني أنه لا يمكن الآن توفيرها لأوكرانيا إلا بقدر ضئيل.
ثانيا: أصبح محور الاستبداديين تحالفا عسكريا عاملا بشكل تام.
فروسيا تمد كوريا الشمالية بالمساعدة في تحديث قواتها المسلحة، وترد كوريا الشمالية المعروف بإرسال الملايين من قذائف المدفعية، ويتردد الآن أنها مستعدة لإرسال آلاف من القوات الإضافية لمحاربة روسيا في أوكرانيا.
والصين تمد روسيا بأغلب المكونات الإلكترونية المستعملة في المسيرات وغيرها من المعدات العسكرية. وروسيا أعطت لإيران معلومات استهدافية مهمة لضرب قواعد الولايات المتحدة وسفنها في الشرق الأوسط.
وفي حال وقوع هجوم صيني على تايوان، قد تستعين بكين برصيدها عند موسكو بالاستعانة بأسطول الغواصات الروسي القوي في المحيط الهادي، بحسب ما ورد بالتفصيل في بحث جديد لمعهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي.
ثالثا: الغرب في فوضى. يشكو الرئيس ترامب من ضعف حلفائنا. ويشكو الحلفاء من تنمر ترامب بهم، وتقلبه، وضحالته، وكذبه وانعدام كفاءته. وكلا الجانبين محق. وخير مثال لذلك هو الموجة الأحدث من الرسوم الجمركية المفروضة على كندا، فهي سياسيا غير صائبة، واقتصاديا ضارة بنا، واستراتيجيا سبب للضعف.
غير أن هذا كله لا يمحو حقيقة أن كندا، وهي البلد الذي يعتمد على التبادل التجاري وصاحب أكبر ساحل في العالم، ليست لديها تقريبا بحرية تذكر، ولا ينفي عدم أخلاقية «الشراكة الاستراتيجية الجديدة» بين حكومتها والصين وافتقارها إلى الحكمة والصواب، ما لم يكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتصور حقا أن حماقات ترامب تشكل تهديدا على المدى البعيد أسوأ على كندا والعالم الحر من مخططات الجمهورية الشعبية الدؤوبة.
رابعا: نحن غير مستعدين عسكريا. لم تكشف الحرب مع إيران فقط عن نقص الذخائر الذي ساعد في الوصول بالحرب إلى نهاية سابقة لأوانها، ولكنه كشف أيضا حساسية أمريكا الكبيرة تجاه الخسائر البشرية العسكرية والوجع الاقتصادي بما منح قادة إيران ميزة ضخمة نظرا لتساهلهم الشديد في المقابل مع المعاناة البشرية.
وأظهرت حرب أوكرانيا أنه حتى أشد العدد العسكرية الأمريكية تطورا تتحول الآن إلى معدات بائدة بسبب ظهور حرب المسيرات العاملة بالذكاء الاصطناعي. فالدبابات التي أمددنا بها كييف نحن وحلفاؤنا في فترة إدارة بايدن «خاملة الآن في الغالب، ومخبأة في الغابات، وتقيم فيها العناكب أعشاشها» بحسب ما ذكرت نيويورك تايمز قبل أيام.
وقد قرر بيت هيجسيث -وزير دفاعنا المشغول بهرمون التستيرون- الأسبوع الماضي إلغاء وحدة الطائرات المسيرة من الجيش، وذلك في ما يبدو بسبب دعم لها من جنرالات لا يروقون له.
والمصاعب التي واجهتها حاملة الطائرات الأمريكية (يو إس إس أبراهام لينكون) في فترة انتشارها الطويلة تمثل فضيحة وطنية. لكنها ينبغي أن تلفت النظر إلى الصغر التاريخي لحجم الأسطول وإلى إنهاك قاعدتنا الصناعية التي تكافح من أجل إقامة السفن وصيانتها. كما أن وقوف الديمقراطيين في وجه مشروع قانون مخصصات الدفاع لا يساعد في شيء.
خامسا: قد نكون على حافة هاوية اقتصادية. ثمة فارق كبير بين ثلاثينيات القرن العشرين والحاضر هو أننا -خلافا لما كنا عليه- لا نمر بكساد عالمي. لكن نذر انكماش فجائي حاد حاضرة في كل اتجاه.
فماذا يحدث في حال بدء فقاعة الذكاء الاصطناعي في التباطؤ مثلما جرى لطفرة شركات الإنترنت في بدايات القرن؟ أو إذا ما تسببت أزمة العملة في اليابان في بدء بيع سندات الخزانة الأمريكية؟ لقد حذر المستثمر الأسطوري ستانلي دراكنميلر أخيرا في وول ستريت جورنال من أن قيام وزارة الخزانة بإعادة شراء السندات محكوم عليه بالفشل: ففي النهاية سيكون الدين الوطني البالغ أربعين تريليون دولار محسوسا في ارتفاع حاد في أسعار الفائدة وما تمثله من مخاطر على كل قطاع تقريبا من قطاعات الاقتصاد الذي يعتمد منذ أمد بعيد على الائتمان الرخيص.
ومن شأن وقوع ركود في الولايات المتحدة أو ذعر مالي عالمي أن يؤدي حتما إلى تفاقم كل نزعة مما سبق ذكره. وفي فترات الأزمات الاقتصادية، تميل البلاد الديمقراطية بشكل شبه دائم إلى اجتناب المخاطرات، بينما تقبل عليها البلاد الدكتاتورية. وهذا نمط في التاريخ يجدر بنا أن نتذكره ونحن نواصل الانجرار، غير واعين تقريبا، نحو عاصفة تستجمع قواها.