مذكرة التفاهم الطبخة التي لم تنضج

22 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026

بعد أسابيع من التوقيع على مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن والتي علق عليها العالم آمالا عريضة في أن تؤدي إلى وضع حد للحرب ووقف التدهور الأمني والتوتر الحاد بالمنطقة الأكثر حيوية وأهمية بالنسبة لمصادر الطاقة والاقتصاد العالمي، وعشية التوقيع على المذكرة سادت حالة من التفاؤل والفرح بإمكانية التوصل إلى سلام يجنب المنطقة والعالم تداعيات كارثية تهدد الأمن والسلم الدوليين. 

لكن -على غير ما كان مأمولا منها- تدهور الوضع بصورة متسارعة منذ اليوم التالي للتوقيع، وتبادل الطرفان الاتهامات بخصوص الالتزام ببنود المذكرة، وبرزت إلى السطح مشكلات تتعلق بصياغة عدد من البنود حيث افتقرت للدقة والإحكام مما فتح الباب واسعا للتفسيرات والتأويلات الخاصة، وهذا بدوره دفع كل طرف باختيار التفسير الذي يخدم مصلحته وأهدافه ويراه صحيحا، فتباعدت المواقف، واتسعت الفجوة بين الجانبين، وبدا كما لو أن المذكرة صيغت على عجل، ولم تبنَ أصلا على تفاهم، ولم يتم الاتفاق على بنودها بناء على توافق قائم على تفاعل ونقاش حولها بين طرفيها، بل كانت طبخة تم تقديمها على المائدة قبل أن تستوي وتنضج وكانت النتيجة هي الإصابة بعسر الهضم! 

المذكرة التي انتظر العالم أن تنقل الأزمة من مربع التصعيد والمواجهة والحدة وانسداد الأفق إلى مربع التهدئة والتفاهم وخفض التوتر والانفتاح نحو السلام، صبت الزيت على النار وأدخلت المنطقة في حالة حادة من (لاحرب ولاسلم)، وهي حالة أخذت منحى تصاعديا منذ اليوم الأول لبدء تطبيق بنود المذكرة، والذي كانت ضربة البداية فيه بأكثر البنود تعقيدا واستشكالا وهو البند الخاص بمضيق هرمز؛ حيث عكست تطبيقات هذا البند تباينا كبيرا في تفسير مقاصده بين طهران وواشنطن، فبينما ترى الأولى أن البند يعطيها الحق كاملا غير منقوص في إدارة وتنظيم عبور ومرور السفن عبر المضيق وفرض ما تراه ضروريا من نُظُم تساعد في جعل العبور سلسا بالتنسيق مع الجانب العماني، وأن المضيق يمثل أحد ركائز الأمن القومي الإيراني؛ وبالتالي فإن التفريط فيه يعد تفريطا في أمنها القومي، وأن المضيق صار ورقة ضغط رابحة في يدها لا مجال للمساومة فيها، كما أنها رهنت إعادة فتح المضيق برفع الحصار الأمريكي على موانئها. 

لكن وفي الجانب الآخر ترى واشنطن أن المضيق هو ممر دولي، ولا يحق لإيران أن تسيطر عليه، أو أن تفرض شروطا لعبور السفن خلاله، وأن تعمل على الفور على فتحه وإزالة الألغام، وجعله متاحا لعبور السفن دون أية قيود أو شروط، وإعادة الوضع فيه إلى ما كان عليه قبل حرب الأربعين يوما، وعدم استخدامه كورقة ضغط سياسية، وترى واشنطن أن رفع الحصار مرهون بفتح المضيق، فما لم يفتح المضيق لن يرفع الحصار. 

وأضافت تهديدات الرئيس ترامب بتوجيه ضربة قوية مدمرة وغير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية تطال البنية التحتية للطاقة الإيرانية ومرافق النقل الحيوية في إيران، تعقيدا للمشهد المعقد أصلا، ورغم أنه تراجع عنها في اللحظة الأخيرة إلا أن هذا التراجع نفسه زاد من إصرار الجانب الإيراني على التمسك بموقفه الخاص بالمضيق والمضي قدما في تنفيذ خططه الخاصة بإدارته بعيدا عن التدخلات الأمريكية. 

وبالمقابل قوبل هذا الإصرار الإيراني بإصرار أمريكي موازٍ له بالاستمرار في فرض وإحكام الحصار على الموانئ الإيرانية، وتفعيل خطة لخنق إيران اقتصاديا لتأجيج الوضع الداخلي في إيران، وتهييج الشارع الإيرانين، ودفعه لتغيير النظام، وهو هدف استراتيجي شنت واشنطن من أجل تحقيقه الحرب على إيران، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تهدف أمريكا من وراء خطة الخنق الاقتصادي إلى استسلام النظام في إيران وإذعانه للشروط الأمريكية على فرضية أن النظام الإيراني لن يقوى على تحمل تداعيات الانهيار الاقتصادي، ويخشى أن يؤثر هذا الانهيار سلبا على التماسك الحالي بين مكوناته فضلا عن تأثيره المباشر على قدرته على الاستمرار في المواجهة العسكرية مع أمريكا بنفس القوة والثبات الذي هو عليه حتى الآن فيما لو عاودت أمريكا التصعيد العسكري. 

المشكلة الحقيقية التي تثير القلق جراء حالة (لاحرب ولاسلم) الحالية هي أنها أشاعت حالة من عدم اليقين حيث لا مؤشرات واضحة لعدم عودة التصعيد مرة أخرى، وانفجار الوضع مجددا، وبصورة أكثر حدة وشراسة وكارثية، وتولّد عن هذه الحالة وضع أمني هش مفتوح النهايات وآخذ في التمدد، وهو وضع مقلق خاصة لدول المنطقة التي يمكن أن تجد نفسها غارقة في خضم فوضى غير مسبوقة وغير مرغوب فيها ما لم تسارع هذه الدول إلى مزيد من الانخراط في جهود ومساعي خفض التصعيد، والجنوح نحو التهدئة، وحمل الطرفين نحو العودة لمائدة التفاوض للوصول إلى سلام مستدام واستقرار تام وراسخ يبنى على أساس تحكمه قواعد القانون الدولي، ويقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها سواء من دول الإقليم أو من قبل القوى الدولية من خارج الإقليم. 

وجهود التهدئة الجارية حالياً من قبل دول المنطقة وعلى رأسها سلطنة عمان وقطر والسعودية وباكستان يجب أن تمضي فيها حتى نهاية الشوط، وتحقيق التهدئة ومساعدة الطرفين على الانتقال إلى المرحلة التالية الأكثر خطورة، وهي مرحلة التفاوض حول البرنامج النووي. هذه الجهود ستؤتي ثمارها فيما لو سارت على ذات النهج الحالي المتسم بالهدوء والروية والتدرج عبر المراحل من غير عجلة، ومن غير إبطاء، والفراغ العريض الحادث في المواقف بين طهران وواشنطن يجب أن تملأه الجهود الدبلوماسية الخليجية بالتنسيق مع الأصدقاء بالمنطقة وتعمل على تضييق شقته إلى الحد الأدنى الذي يوفر أرضية مشتركة لتفاهم حقيقي ينطلق منه الجانبين نحو تسوية شاملة وسلام عادل ومستدام. 

وبحسب ما رشح من معلومات متواترة فإنه من المتوقع أن يتم إحداث اختراق مهم في ملف المضيق يمهد الطريق نحو العودة إلى المسار التفاوضي، وإن حدث هذا فسيكون بمثابة نجاح يحسب لصالح الدبلوماسية الخليجية في أصعب امتحان لها على الإطلاق. 

وتسود أجواء من التفاؤل الحذر الأوساط الدبلوماسية ووسط المراقبين والمتابعين للأحداث، فأما التفاؤل فهو من وحي ما ينسرب من تحت أبواب غرف التفاوض ومساعي الوسطاء من أنباء عن تقدم إيجابي يتم إحرازه في قضايا المضيق والحصار، وأما الحذر فهو بسبب الخشية من حدوث انتكاسة قد تعيد الجميع إلى المربع الأول، وتُسقط الصخرة إلى سفح الجبل بعدما كادت تصل القمة. 

ويطرأ هنا سؤال مهم هو ما الذي يمكن أن يفجّر المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، ويؤدي إلى انتكاسة غير مرغوب فيها: «شيطان التفاصيل»، أم نتنياهو، أم مذكرة التفاهم نفسها؟! 

الركابي حسن يعقوب كاتب سوداني