No Image
ثقافة

عين الطائر تجارب قصصية إبداعية ترصد تحولات الكتابة

17 أغسطس 2026
17 أغسطس 2026
ضمن الجلسات الأدبية للنادي الثقافي

تابع النادي الثقافي برنامجه "عين الطائر" في جلسته السابعة حول القصة القصيرة في عمان، الجلسة التي أدارها يوسف المعمري عرضت تجارب أربعة من القاصين العمانيين: عزيزة الطائي، وسمير العريمي، وهلال البادي، وناصر صالح، وتناولت الجلسة علاقة الأجناس الأدبية ببعضها ودافع وِإشكاليات الكتابة؛ حيث أن كل كاتب قدم تجربة بأجناس فنية مختلفة.

اللغة بناء

واستهلت القاصة عزيزة الطائية بقراءة مقاطع من مجموعتها القصصية "ظلال العزلة" المجموعة القصصية التي تضع القارئ أمام مرآة ذاته، وتدعوه للنظر في تفاصيل حياته بما تحمله من تناقض يثير الدهشة؛ حيث فتحت باب التأويل ونوافذ الأسئلة، وتتحول اللحظات العابرة إلى كلمات نابضة.

تتميز قصص عزيزة الطائي بالسردية الحكائية فهي حكايات قصيرة جدا ذات كثافة لغوية تتميز بالرمزية تتعالق مع الأبعاد المجتمعية في نسق رمزي تام، مما يجعلها قصة خارج المألوف الفني.

وأضافت الطائي: إن القصة القصيرة هي سابقة لجنس الرواية والاهتمام بالقصة القصيرة هو اهتمام بجنس أدبي ربما غفل عنه بسبب انتشار الرواية.

وتابعت الطائي حديثها أنها وجدت مساحة في القصة القصيرة وذلك للتعبير عن بعض المواقف أو عن حدث بحد ذاته أو عن مشهد حدث أمامها، ويؤثر كذلك في نفسها، والكتابة القصصية القصيرة علمتها الكثير في جانب الكتابة؛ حيث تقول: "تعلمت أن اللغة بناء وليست وعاء ووجدتها تبني عالما، وتبني فكرة، وتبني قضية تود التعبير عنها".

وأضافت الطائي: "القصة القصيرة من تقنياتها المساحة والفراغ، والكاتب عندما يكتبها يريد أن يشرك القارئ معه فكرة ورسالة، ووجدانا".

القصة والمسرح

وقدم القاص سمير العريمي عددا من القصص القصيرة، وهي مسودات لم يسبق له نشرها، ومنها "ناقوس"، و"نميمة"، و"درون"،.

واستعرض محاور الجلسة نقدا لقصة العريمي "بحر ورمل" التي تقوم على علاقة رمزية بين البحر والوطن، فالعبارة التي تصف البحر بأنه يشبه المخاطَب، في المقابل الرغبة في اتخاذه وطنا، تفتح النص على معانٍ متعددة، إذ لا يظهر البحر بوصفه رمزًا ثابتًا، بل يتغير مع السياق ليحمل دلالات الخير والعطاء والأمان، وكذلك الغدر.

وأشار المعمري في إدارته للجلسة إلى أن سمير العريمي يتميز في أسلوبه بالتناص التراثي والعجائبية، وينحو إلى منح الجملة تكثيفا رمزيا، وتتميز قصصه بأنها قصيرة جدا لا تتجاوز خمسة أسطر.

وفي الجانب نفسه تحدث سمير العريمي عن علاقته بالمسرح والقصة؛ حيث إن مسيرته تراوحت بين القصة والمسرح، معبرا عن أن الشخص عندما يكتب قصة يسعى جاهدا أن يظهر شخصيات معينة يدخل عوالمها، ويحاول أن يجعلها تتنفس أمامهم، أما عن المسرح فتظهر الشخصيات أمام الناس مجسدة روحا وصوتا.

وأشار العريمي إلى أن الكتابة القصصية لا تستطيع أحيانا أن تعبر عن كل مكنونات الكاتب، ولا تستطيع أن تحقق كل ما يريد إيصاله من خلال الكتابة القصصية، وأضاف: إنه لجأ إلى المسرح المفتوح؛ لأن به جمهورا، وهو يرى ردة فعل الجمهور مباشرة، ولكن الكتابة القصصية فن مقروء وربما لا يصل انطباع القارئ إلى الكاتب إلا إذا التقيت به أو كتب ناقد معين عن رأيه في ما كتبته.

اللعبة الفنية

من جانبه، تناول القاص هلال البادي قراءة القصة "سأم" من مجموعته القصصية الأخيرة أجنحة زحل، التي تتحدث عن ليلى التي تخاطب الذئب بعد أسئلة انتصارية، وهي ترتدي رداء أحمر ووشاحا مطعما بالورد الأبيض الذي أهدتها إياه جدتها، وهي تمشي نحو الطريق، ولكن هل سيوصلها إلى حيث تريد، ثم سئمت من القصة، وأحست بحاجة إلى تغيير الشعور بالسأم.

وأشار البادي إلى أن القراءة هي التي تأخذ بالكاتب إلى مواصلة الكاتبة، فإذا لم تقرأ يستحيل أن تواصل كتابتك بالشكل الحقيقي.

ويضيف البادي: "أكتب لأني استمتع بالكتابة، وليس همي تلك اللعبة الفنية التي أحب أن أقدمها لنفسي قبل أن أقدمها للقارئ" وأضاف: "الكثير من النصوص سواء كانت مسرحية أو قصصية أتوقف عن كتابتها وأعود لكتابتها حتى بعد عشرين عاما".

وتحدث البادي حول النخبوية والخوف من القارئ، فقال: أنه من يحب شيئا عليه أن يذهب إليه، وإن لم يستوعبه المرة الأولى، وأن القصة القصيرة والقراءة صارت نخبوية؛ لأنها أصبحت في جزر متنائية، فكنا في السباق نقرأ، ونناقش ما نكتبه، واليوم لا يحدث هذا الأمر.

شغف الأدب

وألقى القاص ناصر صالح قصة "المواجهة" وهي أول قصة من مجموعته القصصية "دروب" واحتوت بدايتها على تساؤلات ما بين السارد وذاته، لماذا يودع الذين يريدون أن يكونوا في حقيقتهم في مستشفى الأمراض النفسية، بينما الزائفون يتجولون بحرية يذهبون إلى أعمالهم بابتسامة زائفة، ويتكلمون جميعهم بالطريقة نفسها تقريبا، وأخذ ناصر صالح يردد عددا من الكلمات المستهلكة كل صباح مثل "صباح الخير.. كيف حالك" وكأن قواميس اللغة نضبت، ولم يعد بها أي كلمات.

ويذكر القاص ناصر صالح أن بدايته كانت في النقد الأدبي، وأن طريقة دخوله إلى النقد الأدبي، نتيجة شغفه بأعمال روائية وبكتاب روائيين، فكان يشعر بالدين الذي يجب أن يقدمه تجاه هذه الأعمال الروائية التي منحتنا كل هذا الجمال، ويضيف: إن مشاركته في مسابقة سعاد الصباح كان منطلقها أنه أراد الانتصار لروايات أحبها ودافع عنها نقديا.

مداخلات الجمهور

وفي مداخلة لها، أعربت الدكتورة شفيقة وعيل عن سعادتها بالتعرف إلى نماذج من القصص العمانية، متسائلة عن علاقة القصة القصيرة بالمتلقي، وما إذا كان حضور النخبوية في النص الإبداعي قد يؤثر في وصول القصة إلى الجمهور.

كما طرحت تساؤلا حول إمكانية أن يتحول هذا التوجه النخبوي إلى عائق أمام وصول القصة إلى مختلف شرائح المجتمع، مؤكدة أهمية أن يظل النص الإبداعي قريبا من القارئ وقادرا على التأثير فيه.

وفي جانب آخر من مداخلتها، توقفت الدكتورة شفيقة عند حديث الكاتب صالح عن الخصائص العربية للنص الإبداعي، مشيرة إلى أنها استحضرت أثناء قراءته لنصه تجربة الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي، ولا سيما في تصوير الصراع والعودة بالذات إلى مواجهة مصيرها.

وتساءلت في هذا السياق عن مدى قدرة الكاتب العربي على التخلص من التأثيرات الأدبية العالمية، والوصول إلى نص يحمل خصوصيته وملامحه العربية، مع الاستفادة في الوقت ذاته من التجارب الإنسانية والأدبية العالمية.

الجدير بالذكر أن "عين الطائر" برنامج ينظمه النادي الثقافي ضمن جلسات حوارية للاحتفاء بالقصة القصيرة في سلطنة عمان، ويسعى إلى قراءة التجارب القصصية العمانية ورصد تطوراتها على مستوى اللغة والبناء السردي والدلالة، والتعريف بأبرز التجارب التي أسهمت في تطور هذا الفن.