بوادر انفراج أزمة مضيق هرمز وأهمية الحل الشامل

15 أغسطس 2026
15 أغسطس 2026

انقضت أكثر من 160 يوماً منذ بدء الحرب الأخيرة على إيران في 28 فبراير الماضي، وبالرغم من أن تلك الحرب لم تستمر أكثر من 40 يوماً، إلا أنه لم يتم الالتزام بمذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً والتي بموجبها توقفت الحرب، وكل طرف يلقي باللوم على الآخر في خرقها، وبعد ذلك حدثت مواجهات وضربات جوية متبادلة بين الجانبين الأمريكي والإيراني؛ بسبب الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز، وكذلك عودة الحصار البحري الأمريكي على إيران، ويمكن وصف تلك المواجهات بحرب «مضيق هرمز». 

المضيق الذي كان مفتوحاً بشكل كامل أمام الملاحة الدولية أصبح إعادة فتحه أحد الشروط الرئيسية للولايات المتحدة الأمريكية لوقف الحرب، ومن جانب آخر يوجد إصرار إيراني على التحكم بالملاحة فيه وإغلاقه أحياناً واستخدامه ورقة ضغط كبيرة ضد الولايات المتحدة الأمريكية لإجبارها على الالتزام بمذكرة التفاهم، وهي محاولة واضحة لرفع كلفة الحرب على الاقتصاد الإقليمي والعالمي. 

المباحثات العمانية الإيرانية والمقترحات التي قدمتها سلطنة عمان لحل أزمة مضيق هرمز مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان لها أثر بالغ في وقف المواجهات والضربات المتبادلة بين الطرفين المتحاربين، وأعطت أملاً كبيراً في انفراج أزمة المضيق وإن كان مؤقتاً في الظروف الراهنة وصولاً إلى الحلول الدائمة من خلال المفاوضات، وتتجه أنظار العالم بتفاؤل كبير إلى نجاح المفاوضات الثنائية العمانية ـ الإيرانية بعد التصريحات الإيجابية الصادرة من العاصمتين مسقط وطهران. 

إن الإعلان المرتقب بين سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن التوصل إلى اتفاق حول مضيق هرمز، من المؤمل أن تصاحبه إجراءات عملية ملموسة من قبل الجانبين الأمريكي والإيراني للعودة إلى العمل بمذكرة التفاهم بالإضافة إلى أية ترتيبات أخرى مصاحبة لذلك ومتفق عليها لوقف الحرب والبدء بعملية التفاوض للوصول إلى حل نهائي شامل وعادل للأزمة بما يحافظ على حياة آمنة وكريمة لشعوب المنطقة للعيش بسلام واستقرار وحسن جوار، وبالتأكيد دول المنطقة جميعاً والدول الكبرى الفاعلة في العالم تتحمل مسؤولية كبرى في هذا الشأن للحفاظ على السلام والأمن الإقليمي والدولي. 

إن العودة إلى الحوار والطرق السياسية والدبلوماسية لحل المشاكل والخلافات بين الدول دون اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة، هو مسؤولية مشتركة لكافة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة. 

إن التحالف الثلاثي السعودي الباكستاني التركي الذي تم الإعلان عنه مؤخراً في رحاب مكة يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، وقد تنضم إليه دول أخرى في المنطقة، ويجب أن يكون له دور مؤثر في إيجاد حلول ومخارج سلمية لأزمات الإقليم المتراكمة بما يحافظ على الأمن والاستقرار والسلام في هذه المنطقة والعالم ويجنبها المزيد من الحروب والدماء والدمار، ومن المناسب بل الضروري الحوار مع إيران كدولة كبيرة ومهمة ومؤثرة في المنطقة على قاعدة الأمن والتنمية والاستقرار والسلام للجميع ولترسيخ التعاون البنّاء والمثمر بين ضفتي الخليج. 

أما الأزمة اليمنية فإن دول المنطقة والإقليم والعالم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالعمل الجاد لإيجاد حلول سلمية لها من خلال دعم الحوار بين اليمنيين بما يؤدي إلى مرحلة انتقالية سلمية متفق عليها وصولاً إلى استقرار وسلام مستدام في هذا البلد. 

إن الحسم لصالح أي من الأطراف المتصارعة في اليمن سيكون صعباً للغاية أو بعيد المنال مهما كانت الأطراف الخارجية الداعمة لأي طرف؛ لذلك فإن الحل السلمي العادل والشامل سيكون الخيار الأنسب للجميع، أما الذهاب إلى المواجهة العسكرية مجدداً فستكون نتائجها كارثية على اليمن والمنطقة. 

إن اليمن الموحد والمستقر بعد تعافيه من هذه الأزمة سيكون عمقاً إستراتيجياً لدول مجلس التعاون وداعماً للأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة. 

ولا يمكن الحديث عن الأوضاع في الشرق الأوسط دون التطرق إلى إسرائيل التي تم تحجيم طموحات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، ولكنها لا تزال تحتل قطاع غزة، وترفض تنفيذ خطة السلام الدولية للقطاع، وتقتل بشكل شبه يومي الأبرياء المدنيين فيه، وتهاجم وتعتدي على مدن وقرى الضفة الغربية، وتعتقل وتقتل الفلسطينيين الآمنين هناك، وتعمل على تقويض نفوذ وشرعية السلطة الوطنية الفلسطينية، بل ترفض قيام الدولة الفلسطينية، وهذا ما صرح به نتنياهو مؤخراً بأنه لن يسمح بقيام دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية طالما بقي رئيساً للحكومة، وهذا التصريح قد يصفه البعض بأنه يأتي في إطار الدعاية الانتخابية، ولكنه أمر واقع تمارسه السلطات الإسرائيلية بشكل يومي. 

وتحتل إسرائيل أجزاء كبيرة من جنوب لبنان، وتعتدي على القرى والمناطق اللبنانية، ولا تلتزم بوقف إطلاق النار، وتلوح بالبقاء الدائم في الجنوب اللبناني بالرغم من الحوار القائم مع الحكومة اللبنانية برعاية أمريكية. وتحتل إسرائيل كذلك أجزاء واسعة من الجنوب السوري وترفض الانسحاب منها. 

وتهدد إسرائيل بقصف إيران مجدداً وبشكل منفرد والعودة إلى الحرب في محاولة يائسة لتحقيق أهدافها التي فشلت في تحقيقها في حرب الأيام الأربعين وقبلها حرب الأيام الـ12. 

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل فترة وجيزة قد كشف عن مساعيه لتشكيل تحالف سداسي يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص ودولاً أخرى لم يسمها؛ بهدف مواجهة المحور الشيعي، وكذلك ما وصفه بالمحور السني الراديكالي الناشئ. 

وتصنيف نتنياهو لدول المنطقة على أنها محاور (سنية راديكالية وشيعية) هي محاولة خبيثة، وليست جديدة لإذكاء فتيل صراع سني/شيعي يهدف إلى إشعال الحروب والفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، وتقسيم دول المنطقة وإضعافها، وتلك الوصفة ستكون إسرائيل هي الرابح الأكبر منها. 

إن الدول العربية ودول الإقليم المجاورة مدعوة في هذه الظروف الحرجة والمعقدة إلى الحذر من الوقوع في براثن الفتن والصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية حفاظاً على أمنها واستقرارها وسيادتها. ولا بد من التفكير بترتيبات أمنية ودفاعية جديدة ومشتركة تحمي شعوب ودول المنطقة ومكتسباتها من الحروب العبثية. إن إسرائيل بتصرفاتها وسلوكها العدواني هي الخطر الأكبر على الأمن والسلم الدوليين وليس فقط على أمن المنطقة. 

 د. سعيد بن محمد البرعمي سفير عماني سابق